هكذا أسرت المقاومة الجنديَّين الإسرائيليَّين.. بإشراف #مغنيّة

صحيفة السفير – ايلي الفرزلي

ما إن صدر القرار 1559 في الخامس من حزيران 2004، حاملاً عنوانَي الانسحاب العسكري السوري من لبنان ونزع سلاح الميليشيات كافة، حتى وضعت إسرائيل خطة ضخمة («درع البلاد») تتكامل مع الضغط الدولي على دمشق و «حزب الله»، وتهدف إلى القضاء على الحزب عسكرياً.
يشرح رئيس أركان القوات البرية في الجيش الإسرائيلي حينها آيال رؤوفين معالم الخطة التي عمل مع قائد المنطقة الشمالية بيني غيتس على إعدادها، فيقسمها إلى ثلاثة أقسام:
1 ـ السيطرة: معركة جوية تستهدف الصواريخ، تليها تحركات برية على خط الليطاني لقطع الإمدادات.
2 ـ المكوث: مهاجمة معاقل «حزب الله» والمدن اللبنانية الرئيسية.
3 ـ الانفصال: ينتشر خلالها الجيش الاسرائيلي على طول الحدود (مع لبنان) ويبدأ بالإغارة على ما تبقى من أهداف لـ«حزب الله».
وبالفعل، بدأت المناورات في مطلع 2005، تحضيراً لعملية تؤدي إلى «تغيير الواقع الأمني في الشمال». تكرر الأمر مراراً حتى حزيران 2006، حيث توج العدو الإسرائيلي مناوراته بمناورة كبرى («دمج الأذرع»)، بنى خلالها في الناصرة مدينة تحاكي مدينة بنت جبيل، وصارت أمام الجيش الإسرائيلي «خطط عدة تهدف إلى استنزاف «حزب الله» بكل الوسائل»، كما قال «وزير الدفاع» السابق عمير بيريتس.
في السياق المتصاعد للتحضيرات الإسرائيلية للحرب، كُشف عن عملية نفذها «حزب الله»، في 21 تشرين الثاني 2005، لأسر جنود إسرائيليين في المنطقة المحتلة من العباسية والغجر. فشلت العملية وسقط ثلاثة شهداء، فاحتفل الإسرائيليون بنجاحهم في كشف العملية، لكنهم غرقوا بالثقة بالنفس، حتى ظنوا أن «حزب الله» يمر «بلحظة ضعف»، كما قال رئيس الاستخبارات بين 2006 و2010 عاموس يدلين.
قبل أن تنهي إسرائيل قراءاتها للعملية، كان السيد نصرالله يكرّس، في حفل تأبين الشهداء الثلاثة، «حق المقاومة في محاولة أسر جنود إسرائيليين ومبادلتهم: «هذا واجبنا وربما نقوم بغيرها.. ما حدا يتفاجأ». والرسالة نفسها كررها في 28 نيسان 2006، لكنه خصّ بها عميد الأسرى سمير القنطار: وعدُنا لك أن لقاءنا سيكون قريباً جداً جداً جداً.
كان واضحاً منذ العام 2000 أن التحرير لن يكتمل إلا بتحرير جميع الأسرى في سجون الاحتلال الاسرائيلي. وبالفعل، نجحت المقاومة في 29 كانون الثاني 2004 بتبادل 400 أسير فلسطيني و23 لبنانياً، بينهم القياديان مصطفى الديراني والشيخ عبد الكريم عبيد والمناضل أنور ياسين، وخمسة سوريين وثلاثة مغاربة وثلاثة سودانيين وليبي واحد، وألماني، إضافة إلى رفات تسعة وخمسين شهيدا لبنانياً، في مقابل جثث لثلاثة جنود إسرائيليين أُسروا في مزارع شبعا في العام 2000.
خلال سنوات التحرير، كان لافتاً للانتباه أن كل العمليات تركزت في القطاع الشرقي، لا سيما في المناطق المحتلة من شبعا والغجر والعباسية، ما خلق عملياً تراخياً إسرائيلياً في المناطق البعيدة عن منطقة العمليات.
التقط «حزب الله» نقطة الضعف هذه ليعمل بهدوء على تحقيق أهدافه المعلنة. فيما كان جلياً، في المقابل، بحسب ما قال المسؤولون الإسرائيليون في وثائقي أعدته «الميادين»، بعنوان «2006»، لمناسبة مرور عشر سنوات على حرب تموز 2006، إن إسرائيل كانت تنظر إلى شن الحرب ضد «حزب الله» كفعل حتمي، لم يكن يحتاج سوى إلى تحديد ساعة الصفر.

«نقطة التبليغ 105»
المنطقة التي تعرف في الخرائط المشفرة الإسرائيلية بـ «نقطة التبليغ 105»، هي كل الحكاية. في تلك المنطقة الواقعة بمحاذاة السياج الحدودي المتاخم لخلة وردة من الجهة اللبنانية (خراج بلدة عيتا الشعب)، والقريبة من مستعمرة زرعيت، نجحت المقاومة في تنفيذ عملية أسر ناجحة، لا يزال صداها يتردد حتى الآن في الأروقة الإسرائيلية، كدليل على فشل المنظومة الأمنية والعسكرية.
لكن في مقلب المقاومة، لم يقف النجاح عند حدود النتائج، بل تخطاه إلى كل ما سبق ورافق العملية من تخطيط وتدريب واستطلاع وتمويه، بما يدل على المكانة التي وصلت اليها المقاومة آنذاك كتنظيم شديد الاحتراف لم يترك تفصيلاً، مهما كان صغيراً أو ثانوياً، إلا وعمل على وضعه في الحسبان وتهيأ له بشكل دقيق.
ويتبيّن من الصور والمعلومات، التي ستعرض في وثائقي «الميادين» يوم غد، أن التحضير لعملية خلة وردة بدأ بعيد فشل عملية الغجر (تشرين الأول 2005)، أي قبل سبعة أشهر من العملية.
ويبدو لافتاً للانتباه في الوثائقي الذي تعرضه «الميادين» ظهور القيادي المقاوم الشهيد عماد مغنية (الحاج رضوان) بالصوت والصورة، متابعاً التحضيرات عن كثب، ويعطي التعليمات الأخيرة لفرقة التنفيذ قبل انتقال أعضائها إلى الأرض.
أما الجهد الأكبر فقد كان لقائد المجموعة الشهيد المقاوم خالد بزّي (الحاج قاسم)، الذي استشهد في وقت لاحق خلال قيادته المواجهات البطولية للمقاومة ضد الجيش الاسرائيلي في قلب بنت جبيل وعند أطرافها في تموز 2006.
ويظهر الشريط كيف خاطر خالد بزي، في سياق تخطيطه للعملية، بالانتقال مع عدد من زملائه، أكثر من مرة إلى موقع خلة وردة، ابتغاءً للدقة في كل معلومة. كل شيء محسوب بالسنتيمترات: المسافة بين هذه الشجرة وتلك، بين الحفرة والسياج، بين الأرض وأعلى السياج، بين السياج وسيارتَي الهامر «باسيمون 4» و«باسيمون 4 أ»، بين السيارتَين (110 أمتار)، فضلاً عن قياس سرعتهما وسرعة الرياح وتفاصيل أخرى.
جمعت كل المعلومات المطلوبة عن المنطقة المستهدفة، والتي اختيرت بدقة متناهية، انطلاقاً من معرفة المقاومة أنها تشكّل نقطة ضعف في الميدان. فهي موجودة في أرض منخفضة جداً، لا تغطيها أجهزة المراقبة المتطورة جيداً، فضلاً عن عدم وجود إمكانية لتوفير تغطية نارية لها من أي موقع أرضي.

صار بالامكان استحداث منطقة مناورات شبيهة بـ «نقطة التبليغ 105». وهذا ما حصل. تدريبات بالذخيرة الحية تداخل معها الشتاء بالصيف، حتى صارت نسبة النجاح في المناورات عالية. وكان ذلك كفيلاً بتحديد «ساعة الصفر». وجود «الحاج رضوان» في المناورة الأخيرة رفع المعنويات. الكل مستعد لتنفيذ الخطة بالحرف الواحد ومن دون أي زيادة أو نقصان، فالمسؤولية كبيرة وأي خطأ يمكن أن يؤدي إلى كارثة.
انتقلت المجموعة إلى خلة وردة قبل أسابيع عديدة من لحظة تنفيذ العملية، بعدما كانت قد كثّفت عمليات الرصد قبل ثلاثة أشهر. ذلك تحدٍ كبير: كيف يمكن أن تختبئ لفترة طويلة من دون أن يكتشف العدو أمرك ومن دون ان تتحرك إلا عند الضرورة القصوى؟ كلّ في مكانه طيلة فترة الانتظار. وحتى قضاء الحاجة يحتاج إلى تكتيكات خاصة.
حصل طارئ: باغت خنزير بري المقاوم خالد بزي أثناء نومه في كيس النوم ليلاً وسحبه بعيداً. لا مجال للتحرك أو لأية ردة فعل. أية مقاومة قد تفضح أمر المهمة وتعرّض المجموعة للخطر. بقي خالد بزي على هدوئه وثباته. ولم يتحرك من المكان الذي سحبه إليه الخنزير. بعد رحيل الأخير، قضى خالد الليل حيث تركه الحيوان البري، وقد تبين أنه مكان قريب جداً من السياج، قبل ان يعود عند الصباح إلى مكانه، بعدما تأكد من أن الوضع يسمح بانتقاله بهدوء.

إشارات متناقضة
أثناء مكوث عناصر المجموعة في خلة وردة، كان الاستنفار على أشده في الجانب الإسرائيلي. رصد الجيش الاسرائيلي تحركات المجموعة أكثر من مرة خلال رحلات الاستكشاف العديدة التي أجريت في الأشهر التي سبقت العملية. وعند مكوث المجموعة رفعت درجة التأهب إلى الذروة، خصوصاً في منطقة الحدود الشمالية مع لبنان. لكن ذلك، وبدل أن يثني المجموعة، زادها تصميماً على استكمال الخطة. كانت العملية عسكرية فصارت عسكرية ـ أمنية، إذ تبين أن المقاومة استفادت من هذا الوضع، لتقوم ببث مجموعة إشارات متناقضة ومتضاربة زادت من ارتباك الإسرائيليين، وجعلت من دورياتهم الحدودية تعيش حالة رعب يومي ناجم عن إيمان عناصرها بأنهم سيكونون هدفاً لعملية خطف وشيكة، كما قال الناجي الوحيد من العملية جندي الاحتياط تومير فاينبرغ لـ «الميادين».

الأسرى «في مكان آمن وبعيد»
يقول المعلقان الإسرائيليان عوفر شيلح («معاريف») ويوآف ليمور (القناة التلفزيونية الأولى) في كتابهما «أسرى في لبنان: الحقيقة عن حرب لبنان الثانية»، إنه عند التاسعة إلا خمس دقائق، رصدت وحدة المراقبة التابعة للجيش في منطقة زرعيت عنصراً من «حزب الله» يحمل صاروخاً مضاداً للدروع متوجّهاً صعوداً إلى الموقع العسكري على مسافة قريبة من موقع الوحدة الإسرائيلية.
في تلك الأثناء، واصلت مركبتا «الهامر» بقيادة غولدفاسر سيرهما في الطريق باتجاه «خط التبليغ 105»، حيث سجّلت في الساعة التاسعة إلا ثلاث دقائق في أجهزة التسجيل محادثة بين هاتين المركبتين تمحورت حول الأمر الذي يقلق بال الجنود في كل يوم. سأل شاني ترجمان الذي كان في المركبة الخلفية «ما إذا كانت وجبة الفطور ستكون جاهزة بعد الجولة». فرد عليه غولدفاسر بالقول: «لا تقلق سيكون كل شيء على ما يرام».
في هذا الوقت، وبحسب الكاتبَين، كان نحو عشرين مقاتلاً من «حزب الله» ينفذون انتشاراً دقيقاً. بينهم خلايا مضادة للدبابات مسلحة بقذائف «آر بي جي» وصواريخ. وبجانب السياج الحدودي، تمركزت خلية الخطف المزودة بعبوة لنسف بوابة السياج. ومن وراء منحنى كانت مركبة تنتظر بهدف الدخول بسرعة الى داخل الأراضي الإسرائيلية والقيام بإخراج المختطفين من هناك».
بدأت العملية. استهداف للمواقع الإسرائيلية المحيطة، قصف تمويهي على مناطق متفرقة، قصف سيارة «الهامر» الأولى («باسيمون 4») ثم الثانية («باسيمون 4 أ»)، قبل أن ينطلق أفراد المجموعة بدقة متناهية كل بحسب دوره في الخطة. كانت السيارة الأولى هي هدف عملية الأسر. مجموعة الرصد، رصدت أحد الجنود (تومير فاينبرغ) يفر من السيارة بعد نجاته وتعرضه لإصابات خطيرة. كان بالإمكان ملاحقته، لكن ذلك سيكون خروجاً عن الخطة. انطلقت مجموعة الخطف باتجاه «الهامر»، فأسرت الجنديين ايهود غولدفاسر والداد ريغيف، اللذين تبين لاحقاً أنهما قتلا، وعادوا جميعاً إلى «مكان آمن وبعيد».
قضي الأمر عند الساعة 9.04، حتى قبل أن تعرف القيادة الإسرائيلية تفاصيل العملية التي أسفرت عن مقتل ثمانية جنود وجرح 30 آخرين (توزعوا بين السيارتَين المستهدفتين والقصف على المواقع).
بعد عشر سنوات من العملية، صارت معظم قطع البازل متاحة، لكن المقاومة لا تزال تحتفظ بالقطعة الأخيرة: كيف تم نقل الأسيرَين اللذين أعلن السيد حسن نصرالله، في المؤتمر الصحافي الذي تلا العملية في أحد مساجد الضاحية الجنوبية لبيروت، أنهما «لن يعودا إلا بوسيلة واحدة، التفاوض غير المباشر والتبادل»… وقد صدق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*