صحيفة السفير اللبنانية
نصري الصايغ غريب ذلك الصباح. لم تكن السماء زرقاء، ولا البحر كان.. رجوناه.. ولا أمل فيه.. كان يحفر في الأسفل مقبرة لحبات القلوب.
رجوناه.. ذهبنا إليه، وأقمنا على دفته اللبنانية، خرجنا من دفء غرفنا إلى مشاطأة الشاشة... تشَّنا برد غريب.. رجفنا.
«ردهم يا بحر»، تلونا صلوات فؤاد سليمان، رفعنا شعائر الانتظار. ناديناهم بأسمائهم التي حفرت بالدمع في أجهزة التلفزيون.. غريب. لا صوت يصل إلى الأعماق.. البحر لا قلب له.
من منكم نظر إلى سحنتنا، إلى وجوهنا، إلى أرواحنا؟ هل اكتشفتم أن لنا وجهاً واحداً، هو وجه الفجيعة. أن لنا عيونا واحدة، هي عيون الأسئلة.
ذلك الصباح، لم يعد للبنانيين وجوه مختلفة.. تشابهنا.. وربما، لأول مرة، كان حزننا واحداً... حداد سريّ مكتوم، تفشى في الروح. وكل وجوهنا، كانت من أسئلة ومن دمع.
نبضنا اقترب من نبضنا. نظرنا إلى الفجيعة بعيون أهلها. وتحت وطأة الانحناء، تحوّلنا إلى أهل مشتركين. بعضنا ترك لعينيه خيوطاً وممرات ينحدر منها الله دمعاً.. بلا شفاء.
كنا، وكان الحزن ثالثنا... بل، كان واحدنا.. بل كان موحدنا، عرفنا بعضنا بعضاً من دون أسمائنا. كأننا بلا أسلاف. أو، كأننا من عائلة المفقودين. كففنا عن الهذيان السياسي. التصقنا. لم نعد مشاهدين على مآسي الآخرين... صرنا المأساة، والوجوم، هويتنا، والأسئلة قارعة لغتنا، والأمل الكاذب بالنجاة، إيماننا.
كم مِنَّا رجا البحر؟ كم منّا سأله؟ كم منّا طالبه؟ كم منّا يئس منه؟ قلنا له: حدثنا يا بحر.. قليل من الأمل فقط. اكذب علينا هنيهة، نحن بحاجة إلى استراحة ضئيلة في هذا العذاب المرير.
لا كلام... الانتظار هو السياسة. وانتظرنا.
صلّينا كي ينجو أحد ما... كي تطفو جثة ما... كي يرتاح قلب ما، كي تنطفئ جمرة ما.. كي ينجح الغطاسون وتفوز المراكب بما تبقى من أسمائهم... عبث. البحر ليس من هذه القلوب.
[[[
قيل الكثير عن تقنيات التنقيب، عن الخطأ المرتكب، عن المسؤولية المترتبة على أحد ما، عن الدول التي ساعدت، عن الحكومة التي تأهبت، عن الطائرة وتاريخها... وسيقال أكثر من ذلك، إلى أن يكشف الصندوق الأسود.
ولن يعيد الصندوق إلينا أحبتنا. هو أسود وسيبقى نعوتنا وحدادنا. وقد يطول الانتظار. ونعتاد على النسيان. ونعود لبنانيين، على دين طوائفنا وزعمائنا وترّهاتنا.
أليس جديراً بأن نمتثل قليلاً، أو أكثر قليلا، أو أكثر كثيراً بما فاضت به إنسانيتنا. يكفي أن حزننا لم يكن خاصاً. لم يكن منقسماً. لم يكن سياسياً. كان حزناً نبيلاً، صافياً، أنقى من مخيلات الملائكة. كان وجعنا وجعاً زاهداً بالعلاج. لم يكن ذلك محسوباً أو مدروساً، كان على سجية لبنانية، غابت بسبب الكراهية، عن مواسم حياتنا.
جدير بنا، كلبنانيين، أن نعتبر منا، ولو لمرة على الأقل، ونقول: فلندرب إنسانيتنا على المزيد من الإنسانية. فلندرب قلوبنا على النزاهة من الحقد والكراهية والتعصب. فلندرب عقولنا على الحق بالاختلاف. وعلى الالتقاء معه في مشقات الحياة وأفراحها.
لم تعد تجمعنا السياسة.. ليس من وظيفة السياسة أن تجمع، عافيتها في أنها تثير الخلاف، ولكنها ليست مختصة بإثارة الكراهية والأحقاد. ليس من اختصاص السياسة أن تنبش قبورنا وتعاملنا كأعداء بعضنا لبعض.
فلنعتبر: سياسة اللبنانيين كريهة، وتدرب على موبقات النفس، وأمراضها مستعصية، لأنها الابنة الشرعية لمنطق البحث الدائم عن عدو. كأن اللبناني لا يستطيع أن يطمئن إلى غده، إلا إذا سماني أو سمّاك عدواً له. هو بحاجة إلى عدو بقربه. وهذا العدو، كان بالأمس، غريقاً في بحر، بكينا جميعاً عليه.
[[[
«حسناً يا ولدي
لقد تعلمت من الغائب شيئاً».
وبرهنت على أنك طيّب ونبيل. وان صداقة الدمع مديدة، وخبز الأوجاع المرة، هو ملح العلاقة، وأن البلاد تتسع للجميع، وأن لبنان، ليس منذوراً أبدياً للخلافات والنزاعات، إذا عرفنا كيف نصوغ جملة مفيدة، لا تستعمل فيها أدوات النفي للآخر. وأدوات التحضيض والتنحيس.
بإمكاننا أن نحفظ لضحايا الطائرة، ذكرى مجدية، برغم الألم الشاهق، والأنفاس المقطوعة. بإمكاننا أن نكون عزاء لأهل فقدوا، ما فوق استطاعتهم على احتماله.
بإمكان لبنان أن يقيم جنازة وطنية، يشترك فيها أهل الرجاء بالقيامة، كما بإمكانه أن يضرب مواعيد، لأفراح مديدة، يشترك فيها الذين قطعوا جذورهم مع الأسلاف الحاقدين وورثتهم.
هل هذا أمل مستحيل؟
وحده البحر، الذي فقد زرقته، ذلك الصباح، كان مستحيلاً، لم يرد إلينا أهلنا. كان بحراً عاقراً. ولست أصدّق أن اللبنانيين، سيكونون هذا الأمل المستحيل.
قليل من الرجاء يطمئن قلب الإنسان... وهل عندنا سواه كي نتعلق به... يا لبنان البحر الأزرق المتوسط؟