صحيفة القدس الفلسطينية
رغيد الصلح
لا يكاد يمضي يوم من دون ان يسمع المسؤولون اللبنانيون كلاماً اسرائيلياً غير مطمئن حول احتمالات الحرب مع لبنان. ففي آخر كانون الثاني المنصرم اعلن يوسي بيليد الوزير من غير وزارة في حكومة نتانياهو ان الحرب «الى الشمال» مؤكدة خلال الأشهر المقبلة. وبعدها بأيام قليلة اطلق رئيس الحكومة الإسرائيلية وعداً يثير المخاوف لا في لبنان فحسب بل في المنطقة عموماً اذ قال لإذاعة الجيش الإسرائيلي انه يعتزم احضار مليون مهاجر يهودي من الشتات وإن هذا المشروع يتطلب تحويل اسرائيل الى «دولة اقليمية عظمى». هذه «الرؤية» قد تكون اشبه بـ «الفيل الأبيض» كما وصفها احد المحللين، ولكنها في مطلق الأحوال تعبّر عن تطلعات نتانياهو. وهذه التطلعات لها نتائج تترتب عليها. فكل دولة اقليمية عظمى تفكر عادة في مدى حيوي لها يؤمن لها المواد الخام واليد العاملة الرخيصة والأسواق الاستهلاكية، تماماً كما كان ادولف هتلر ينظر الى العالم السلافي المجاور وصولاً الى روسيا السوفياتية. ان هذه الكلمات والتصريحات، سواء ما تعلق منها بالمستقبل القريب او البعيد، جديرة بأن تثير المخاوف المضاعفة في بلد مثل لبنان يجاور اسرائيل، ولا تملك دولته من اسباب دفع وردع المعتدين الا الأسلحة والإمكانات العسكرية المحدودة. وهذه الكلمات والأقوال لا تثير الهم والغم عندنا فحسب، ولكنها جديرة ايضاً بأن تدفع المسؤولين وأولي الأمر الى التفكير في طرق تعزيز القوات المسلحة اللبنانية، وتطوير قدراتها.
وفي هذا السياق، فإنه من المتوقع ان يكون الإعراب عن رغبة لبنان في الحصول على اسلحة متطورة واحداً من اهم الموضوعات التي سوف يطرقها الرئيس اللبناني العماد ميشال سليمان خلال زيارته المرتقبة الى روسيا. كما انه من المعتقد ان هذا الموضوع هو في مقدمة المواضيع التي يبحثها وزير الدفاع اللبناني الياس المر خلال زيارته الى واشنطن. وقبل هذا وذاك، كان موضوع طلب المساعدات التسليحية من المواضيع التي استأثرت بجزء وافر من المحادثات التي أجريت بين الرئيس سعد الحريري والرئيس الفرنسي ساركوزي خلال زيارة الأول الى باريس.
في محادثات المسؤولين اللبنانيين مع الزعماء الأطلسيين، بل وحتى مع بعض الزعماء الدوليين من امثال الرئيسين مدفيديف وبوتين في روسيا، فإنه من الأرجح الا يبرر الحرص على حماية الأراضي اللبنانية من اسرائيل طلب الأسلحة المتطورة من هذه الدول. ذلك ان الزعماء الأطلسيين لا يحبون ان يسمعوا من زعماء عرب او غير عرب ان اسرائيل هي دولة تهدد جيرانها. وإذا طالب الزعماء العرب، ومنهم اللبنانيون، بالسلاح المتطور خوفاً من اسرائيل وبغرض مقاومتها، فإنهم لن يحصلوا على شيء منه.
ان اسرائيل هي «بنيامين» العالم الأطلسي. وما من زعيم من زعماء الأطلسي يجرؤ على ان يقدم سلاحاً متطوراً الى دولة لا تزال تعتبر نفسها في حالة حرب مع اسرائيل. كذلك ما من زعيم اطلسي يجرؤ على ان يقدم سلاحاً متطوراً قد يحد من تفوق اسرائيل الساحق على العرب مجتمعين ومتفرقين. وهذا الموقف لا يحكم موقف زعماء الدول الأطلسية فحسب، بل يحكم ايضاً الدول غير الأطلسية التي تحاول بناء علاقات سوية مع دول الأطلسي. ومن هنا يمكن اعتبار تبرع الحكومة الروسية بعشر طائرات «ميغ» مبادرة جريئة واستثنائية قد لا تتكرر.
ومع أخذ واقع العلاقة بين اسرائيل والدول المصدرة للأسلحة المتطورة في الاعتبار، فإن من الأرجح ان يطالب الزعماء اللبنانيون عند الحديث عن حاجات بلادهم، بأسلحة تعزز قدرة الجيش اللبناني على مكافحة الإرهاب الدولي الذي بدأ يمد شباكه الى الأراضي اللبنانية. حتى في هذه الحال، فإن الطلبات اللبنانية سوف تتعرض لتدقيق شديد. ذلك انه ليس للبنان ان يحصل على اسلحة تصلح لمواجهة الإرهاب وإسرائيل معاً.
كذلك لن تعطى القوات اللبنانية المسلحة اسلحة فعالة «قد تقع في يد الإرهابيين»، كما يردد اصحاب القرار في الدول الأطلسية. في ضوء هذين التحفظين، اي نوع من السلاح يمكن أن يحصل عليه لبنان من الدول الأطلسية اذن؟ سلاح متواضع، له قيمة رمزية في ساحات المعارك، بالكاد يصلح للاستخدام في «الحروب» مع منظمات الإرهاب، فما بالك في الحروب مع اسرائيل، وفي حماية ارض لبنان وأجوائه ومياهه الاقليمية من الانتهاكات المتكررة التي تقوم بها؟
هل يعني ذلك ان تكف الدولة اللبنانية عن السعي الى تطوير قدرات قواتها المسلحة؟ كلا. على رغم هذه الصعوبات والعقبات، فإن من واجب الدولة ان تحمي ارض الوطن، ومن واجبها ان تواصل العمل على النهوض بالجيش اللبناني وبقدراته. وإذا تعذر الحصول من الدول الأطلسية على السلاح المتطور، فإن من المستطاع التفكير بالحصول عليه من دول اخرى على ان لا يكلف ذلك لبنان كلفة سياسية باهظة. فضلاً عن ذلك والأهم منه، انه باستطاعة لبنان ان يطور قدرات جيشه من طريق زيادة عديده. هذا الهدف يمكن تحقيقه عبر الوسيلتين التاليتين:
الأولى، هي بذل المزيد من الجهد من اجل اجتذاب الشباب للالتحاق بالقوات المسلحة. هذا الأمر يتطلب إعمال مخيلة المسؤولين. من الوسائل البديهية التي لجأت اليها العديد من الدول التي تحتاج الى تعزيز قدراتها المسلحة زيادة رواتب المجندين بحيث توفر لهم ولعائلاتهم مستوى معيشياً لائقاً. كذلك لجأت هذه الدول الى تقديم سلسلة من الخدمات والضمانات التي تشكل حافزاً للمواطنين الشباب للانضمام الى القوات المسلحة.
وفي بعض هذه الدول، يحبذ الشباب الانضمام الى القوات المسلحة حيث انهم يعلمون انهم عندما يبلغون سن التقاعد فإن الجيش سوف يعمل على تأمين عمل لائق لهم. كذلك وجدت بعض الدول التي كانت تسند الى المجندين مهمات ذات طابع خدمي لدى بعض المسؤولين، ان من الأفضل حصر هذه المهمات في اضيق نطاق، ان لم يكن صرف النظر كلياً عن الحاق المجندين بهذا النوع من الأعمال. اما اذا كانت هناك حاجات ماسة من هذا النوع فإنها تلبى من خلال الإعلان عن وظائف شاغرة في المجالات الخدمية تحديداً، وبعيداً من الخلط بينها وبين مهمات المجندين في الجيش.
الوسيلة الثانية هي تطبيق خدمة العلم. لقد كان مجرد الحديث عن هذه الفكرة يثير ردود فعل غاضبة لدى بعض الأوساط. ولكن الأجواء اخذت تتغير في الآونة الأخيرة. فالبطريرك الماروني نصرالله صفير دعا الشباب المسيحي بصورة خاصة الى الالتحاق بالجيش. وقدمت منظمة لبنانية شبابية ناشئة اطلق عليها اسم «المستقلون» مشروعاً بعنوان «مشروع الخدمة المدنية الإلزامية». اضافة الى ذلك اقترح الرئيس نبيه بري اعادة تطبيق الخدمة الإلزامية في الجيش، وذلك في معرض اشارته الى امكانية تهيئة الأجواء للنظر في الغاء الطائفية السياسية.
كان من الأفضل لو ان البطريرك صفير حض الشباب اللبنانيين من جميع الطوائف على الالتحاق بالقوات المسلحة اللبنانية، كذلك لم يكن هناك من تفسير لاقتصار المشروع الذي قدمه «المستقلون» على الخدمة المدنية من دون العسكرية. اخيراً لا آخراً، فإنه حبذا لو وجه الرئيس بري نواب «كتلة التنمية والتحرير» التي يتزعمها لكي تتقدم الى المجلس النيابي بمشروع حول اعادة تطبيق خدمة العلم. ان الكتلة سوف تقدم خدمة كبيرة للبنان ولقواته المسلحة اذا تمكنت من وضع مشروع بهذا الصدد يخلو من الأخطاء التي جاءت في القانون القديم والذي سمح بتكتيل قوى سياسية وشبابية ضده. ان بعض الانتقادات التي وجهت الى المشروع القديم كانت في محلها.
وبعض الذين عارضوا العودة الى ذلك المشروع امتلكوا اسباباً وجيهة لموقفهم هذا. ومن المفروض اخذ تلك الانتقادات بعين الاعتبار عند وضع مشروع جديد لخدمة العلم. ما عدا ذلك، فإن الذين يريدون من الدولة اللبنانية ان تحمي أراضي الوطن، والذين يريدونها ان تزرع الروح الوطنية في نفوس الناشئة وأن تحميهم من التعصب الديني، والذين يريدونها ان تؤمن الاستقرار في مدن لبنان وقراه، الذين يريدون كل ذلك من دون ان يتكلفوا شيئاً ومن دون ان يقدموا اية تضحية، فإنهم يعبرون عن نزعة انانية جامحة لا علاقة لها بالشأن الوطني او بالمناقشات الجادة حول قضية خدمة العلم.