موقع التيار الوطني الحر
4 سنوات على توقيع «تفاهم مار مخايل».. والتحالف يخضع لتقييم مستمر. ماذا عن مقدمات
تطورات كثيرة عصفت بالسنوات الإثنتين والعشرين التي فصلت بين السادس من شباط 1984، واليوم عينه من عام 2006، حتى كاد الربط بين أحداث اليوم الأول وحدث اليوم الثاني، يطرح علامات استفهام عدة عن المغزى والأهداف. فقد شكل السادس من شباط 1984، من خلال الانتفاضة التي قامت في الضاحية الجنوبية لبيروت وقسم من الجبل، ضد حكم الرئيس أمين الجميل، مدخلاً إلى بزوغ فجر الشيعية السياسية في لبنان، التي بدأت مذذاك نمواً مطرداً، صنع لها دوراً رئيساً في الحياة السياسية اللبنانية، صار تجاهله تجاهلاً للواقع.
وفي عودة إلى أحداث تلك المرحلة، فمع تأزم الوضع الداخلي نتيجة تمسك رئيس الجمهورية أمين الجميل باتفاق السابع عشر من أيار 1983 مع إسرائيل، بدا أن الاصطدام بين الحكم والمعارضة أمر لا مفر منه.
وفيما كانت تداعيات حرب الجبل بين مسلحي الحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية مستمرة، من خلال المناوشات المتنقلة، كانت الاحتكاكات تشتد يوماً بعد يوم بين معارضي الجميل والجيش اللبناني في الضاحية الجنوبية.
في أوائل شباط، سيطرت المعارضة على عدد من مواقع الجيش اللبناني وآلياته وأسلحـته بعد سلسلة من المواجهات العنيفة، فأمر الجميل بقصف الضاحية الجنوبية بعنف.
ردة فعل المعارضة كانت الاستيلاء على مبنيي وزارة الإعـلام في الصـنائع، حيث الإذاعة الرسمية، إضافة إلى تلفزيون لبنان في تلة الخياط، وأذيع يومذاك بيان شهير باسم الانتفاضة، شكل منعطفاً كبيراً في تاريخ لبنان.
أعطى نداء الانتفاضة مفعوله سريعاً على الأرض، فلبت الوحدات العسـكرية التـابعة للواء السادس في الجيش اللبناني النداء وعملت على سحب الجنـود إلى الثكنات وقررت عدم الانجرار في القـتال الداخـلي، فأكمل مسلحو المعارضة سـيطرتهم على الأرض.
وشكل حسم الموقف في الضاحية تمهيداً لسيطرة الحزب التقدمي الاشتراكي على الشحّار الغربي وساحل الشوف في الرابع عشر من شباط، ما أدى لاحقاً إلى إلغاء اتفاق السابع عشر من أيار.
التذكير بأحداث عام 1984 لا يهدف إلى نكء الجروح، بل لأن تلك المحطة حولة الطائفة الشيعية ومن يمثلها لاعباً رئيساً في لبنان، صار تخطيه ضرباً في المجهول، خصوصاً بعد انسحاب القوات السورية من لبنان عام 2005، وبدء رسم ملامح النظام السياسي اللبناني الجديد والتوازنات الداخلية التي يقوم عليها، والخارجية التي ترعاه.
فمهما تنوَّعت الآراء في شأن وثيقة التفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله، الموقعة في كنيسة مار مخايل- الشياح، بتاريخ السادس من شباط 2006، يبقى أن أثرها في الحياة السياسية اللبنانية بات واقعاً لا يمكن إنكاره.
العنوان الأول: الحوار
رأت الوثيقة أن الحوار الوطني هو السبيل الوحيد لإيجاد الحلول للأزمات، بالاستناد إلى إرادة ذاتية، وقرار لبناني حر وملتزم، فجاءت جلسات الحوار في المجلس النيابي أولاً، وفي القصر الجمهوري ثانياً، تطبيقاً شبه حرفي لما ورد فيها.
العنوان الثاني: الديموقراطية التوافقية
أشارت الوثيقة إلى أن مقاربة المسائل الوطنية وفق معادلة الأكثرية والأقلية تبقى رهن تحقق الشروط التاريخية والاجتماعية للممارسة الديموقراطية الفعلية التي يصبح فيها المواطن قيمة بحد ذاته. وفي هذا الإطار شكَّل التزام حزب الله المطلق عودة المسيحيين إلى الدولة تعبيراً عما ورد في التفاهم.
العنوان الثالث: قانون الانتخاب
دعت وثيقة التفاهم إلى اعتماد قانون انتخاب عصري يضمن صحة التمثيل الشعبي وعدالته، وفي هذا السياق التزم الطرفان إقرار القانون الانتخابي الراهن الذي يؤمن الحد الأدنى الذي كان غائباً خلال سنوات الوصاية.
العنوان الرابع: بناء الدولة
تناولت الوثيقة استقلالية القضاء، احترام عمل المؤسسات الدستورية، معالجة الفساد من جذوره، تفعيل مؤسسات ومجالس الرقابة والتفتيش المالي والاداري وفصلها عن السلطة التنفيذية، فتح تحقيقات قضائية تكفل ملاحقة المسؤولين واسترجاع المال العام المنهوب، إضافة إلى تشريع ما يلزم من قوانين تسهم في محاربة الفساد والإصلاح اداري الشامل.
وفي هذا الإطار، شكلت عناوين برامج الطرفين إضافة إلى ممارستيهما السياسية، التزاماً بالوثيقة، خصوصاً أنهما لم يكونا طرفين في كل ما اعترى مرحلة الوصاية من فساد.
العنوان الخامس: المفقودون خلال الحرب
طالبت الوثيقة جميع القوى والأحزاب التي شاركت في الحرب التعاون الكامل لكشف مصير المفقودين وأماكن المقابر الجماعية، غير أن تهرب معظم الأفرقاء من مسؤولياتهم شكل العائق الأبرز أمام تطبيق هذا البند.
العنوان السادس: اللبنانيون في اسرائيل
اتفق الطرفان على حلِّ هذه المسألة، غير أن ممارسات الأكثرية النيابية السابقة وحكومتها منعت إنجاز الحلِّ الذي يبقى قيد متابعة الطرفين.
العنوان السابع: المسألة الأمنية
أكد هذا البند رفض الاغتيال السياسي والمطالبة بإصلاح الأجهزة الأمنية، وهو أمر يمنعه حتى اللحظة تمسك بعض الأفرقاء بهيمنتهم على أجهزة محددة.
العنوان الثامن: العلاقات اللبنانية- السورية
دعت الوثيقة الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ الخطوات والإجراءات القانونية المتعلقة بتثبيت لبنانية مزارع شبعا، وأيدت ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، وطالبت الدولة السورية بالتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية من أجل كشف مصير المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، إضافة إلى إقامة العلاقات الديبلوماسية الذي بات أمراً محققاً، على أن تتولى الحكومة اللبنانية متابعة سائر الملفات التي باتت جزءاً من بيانها الوزاري.
العناون التاسع: العلاقات اللبنانية - الفلسطينية
رأت الوثيقة أن معالجة الملف الفلسطيني يتطلب مقاربة شاملة تؤكد حق العودة ورفض التوطين وإنهاء السلاح خارج المخيمات وترتيب الوضع الأمني داخلها.
العنوان العاشر: حماية لبنان وصون استقلاله وسيادته
شددت الوثيقة على أن حمل السلاح ليس هدفا بذاته بل وسيلة شريفة مقدسة تمارسها أي جماعة تحتل أرضها تماماً كما هي أساليب المقاومة السياسية، وأشارت الوثيقة إلى أن سلاح حزب الله يجب ان يأتي من ضمن مقاربة تقع بين حدي المبررات التي تلقى الإجماع الوطني، وتحديد الظروف الموضوعية التي تؤدي إلى انتفاء أسباب حمله.
ودعت الوثيقة إلى الحوار لصوغ استراتيجية دفاعية، وهو أمر بدأ في المجلس النيابي بعد أقل من شهر على توقيعها، أي في الثاني من آذار 2006.
وثيقة مار مخايل لم تكن يوماً ثنائية، على رغم توقيعها من العماد ميشال عون والسيد حسن نصرالله، إذ دعا طرفاها إلى انضمام الآخرين، لكن رهاناتهم منعتهم يومذاك، قبل أن يعود أكثرهم اليوم إلى تبنى مضمونها الذي شكل أبرز ما في خطاب القسم لرئيس الجمهورية ميشال سليمان، إضافة إلى الخطاب الجديد لكل من تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي.