صحيفة الخليج الإماراتية
أمجد عرار
في مطلع العام ،2000 وعلى واحد من الحواجز "الإسرائيلية" شمال رام الله، حدّق ضابط "إسرائيلي" في يافطة صغيرة مثبتة على مقدمة سيارة أحد الصحافيين، لتشير إلى مهنته . بعد تحديق في كلمتي "صحافة" بالعربية والإنجليزية، حدّق الضابط في الصحافي نفسه وسأله: هل تزور بلداناً أخرى في العالم؟ استغرب الصحافي ذلك السؤال لكنه رد بهدوء: نعم . وقبل أن يكمل حرف الميم قذف الضابط سؤالاً آخر: هل في برنامجك زيارة إلى دمشق؟ توجّس الصحافي من السؤال لكنه رد بهدوء أكثر: كصحافي نعم أزور أي مكان بما في ذلك دمشق . اقترب الضابط أكثر حتى أن وجهه لم يعد يبتعد بأكثر من خمس بوصات: إذن، قل لحافظ الأسد "إسرائيل" أقوى منك وستحطّمك .
فوجئ الصحافي بالمنحى السياسي للمقدمة، لكنه حافظ على هدوئه ورد على الضابط: ولكن حافظ الأسد لا يستقي تقييماته وأحكامه إزاء موازين القوى لا من صحافي درجة أولى، ولا من ضابط درجة عاشرة . كرر الضابط "طلبه" بإصرار، ومع يقين الصحافي بأن المسألة كلها لا تنطوي على أية جدية، قال للضابط: حسناً، ولكن هل لديك الاستعداد لتقبل الرد الذي سآتي به من حافظ الأسد؟ . ابتلع الضابط لعابه وضغط قليلاً على عينيه، وأشار بيديه للصحافي لمواصلة السير .
تلك الواقعة جاءت بعد نشر تقارير عن كشف عميل "الموساد" الذي فبرك التقارير عن هجوم سوري وشيك على جبهة الجولان، وكاد يشعل حرباً ربما لم تكن "إسرائيل" مستعدة لها . لكن التهديدات "الإسرائيلية" الآن تتبعثر يميناً وشمالاً، مرة على لسان ايهود باراك، ثم أفيغدور ليبرمان الذي خرج بنيامين نتنياهو في اليوم التالي ليؤازره، بعد ساعات من تظاهره بالتنصل، ربما في محاولة لإظهار التوحد، مستفيداً من فضيحة الانقسام الفلسطيني، ومرة أخرى على لسان قائد في الجيش يهدد بالوصول إلى دمشق، وبالتوازي معهما، يتبارى كتاب وصحافيون "إسرائيليون" في إطلاق التهديدات والتحليلات المسوّغة لها من خلال قراءة أكل الدهر عليها وشرب .
ثمة تبادل لافت بين الخطاب الرسمي العربي سابقاً، والخطاب الرسمي "الإسرائيلي" حالياً . فالأول تحوّل على ألسنة العامة إلى طرائف ونكات لفرط ما أكثر من الكلام وقلل من الفعل، فيما كنا نصحو من النوم على عدوان "إسرائيلي" هنا أو هناك بلا تهديدات أو مقدمات أو حتى مؤشرات . كانت "إسرائيل" تفعل بلا كلام، والعرب يتكلمون بلا فعل . الآن ومنذ سنوات تتوالى التهديدات "الإسرائيلية" عن جولة جديدة في الشمال، وما أن تهدأ حتى تعود مجدداً فتنتهي كما بدأت .
ولنضع النقاط على الحروف، لم يعد ما بعد عدواني لبنان وغزة، مثل ما قبلهما، ولا ينكر ذلك كثير من المحللين "الإسرائيليين"، ولم تعد "إسرائيل" قادرة على الدخول في أية مغامرة قبل أن يؤدي بها العد للمائة إلى صرف النظر، بعد إجراء حسابات الخسارة المؤكدة والربح المشكوك فيه . ولا بد من ملاحظة أن صيغة الرد السوري على تهديدات "إسرائيل" وبهذه اللغة، يعكس تغيّراً في موازين القوى، ربما يجعل "إسرائيل" ليس صرف النظر عن الحرب فحسب، وإنما وقف التلويح بها مرة أخرى .