صحيفة الوطن القطرية
عصام نعمان تناوب مسؤولون اسرائيليون في الآونة الاخيرة على تهديد لبنان. حتى وزير الحرب ايهود باراك، «المتهم» بتحبيذ استئناف المفاوضات مع سوريا «لاخراجها من دائرة العداء لاسرائيل»، رأى انه في غياب تسويةٍ «قد نصل معها الى مواجهة عنيفة يمكن ان تتدهور الى حرب شاملة». ثم جدد تهديده للبنان بقوله انه اذا اندلعت مواجهة على الحدود معه، فان اسرائيل لن تحصر نفسها فقط في ضرب اهداف لـِ «حزب الله» بل ستستهدف الحكومة اللبنانية ذاتها والبنى التحتية.
وزير الخارجية افيغدور ليبرمان زايد على باراك بقوله «رسالتنا الى الأسد يجب ان تكون واضحة. عندما تقع حرب جديدة، لن تخسرها فقط، بل ستخسر السلطة ايضا، انت وعائلتك».
مزايدة ليبرمان جاءت في معرض الرد على وزير الخارجية السوري وليد المعلم الذي كان حذّر الأعداء بقوله : «لا تختبروا ايها الاسرائيليون عزيمة سوريا. تعلمون ان الحرب في هذا الوقت سوف تنتقل الى مدنكم. عودوا الى رشدكم واسلكوا طريق السلام اذا افترضنا ان مثل هذه الحرب اندلعت، ويجب ألاّ نستبعد كل الاحتمالات من كيانٍ يقوم على الاحتلال والعدوان، فان هذه الحرب ستكون شاملة سواء اصابت جنوب لبنان او اصابت سوريا».
ليس لدى بشار الأسد اوهام حول السلام. ففي مقابلة مع سيمور هيرش، الصحفي المعروف في مجلة «نيويوركر»، اكد الرئيس السوري ان على الاسرائيليين ألاّ يتوقعوا ان تمنحهم سوريا «السلام الذي يتوقعون... الامر يبدأ بالأرض، ولا يبدأ بالسلام».
هذه المساجلة بين المسؤولين السوريين والاسرائيليين ليست مجرد تنفيس عن مشاعر عدائية وحسب بل هي تعبير ايضا عن مواقف سياسية ومخططات استراتيجية. فقد بات واضحاً ان كلا الطرفين يتوقع، ان لم يكن يستهدف، ان تكون الحرب بينهما، عندما تندلع، حرباً شاملة.
الحرب ستكون شاملة من حيث نطاقها واهدافها. نطاق الحرب لن يقتصر على اقليمي البلدين المتحاربين، بل هي ستمتد الى أراضي بلدان اخرى. كذلك المواقع المستهدفة، فهي لن تقتصر على اهداف عسكرية بل ستمتد الى اهداف مدنية كالبنى التحتية، وقد تتناول اهدافاً غير مألوفة في تقاليد الحروب وهي اشخاص الحاكمين انفسهم. ألم يهدد باراك باستهداف «الحكومة اللبنانية» نفسها لكونها تضم وزراء من «حزب الله» ؟!
قد لا يكون استهداف القادة السياسيين والبنى التحتية المدنية امراً جديداً في تاريخ العسكرية الاسرائيلية. فقد سبق للصهاينة ان استهدفوا قادة سياسيين ومنشآت مدنية وحتى مؤسسات للأمم المتحدة في فلسطين، ولاسيما في حربهم العدوانية الأخيرة على قطاع غزة. الجديد، في هذا المجال، جاء من سوريا وليس من اسرائيل. انه تأكيد وزير الخارجية السوري، لأول مرة في تاريخ الصراع بين الدولتين المتواجهتين، بأن الحرب ستكون شاملة «سواء اصابت جنوب لبنان او اصابت اسرائيل».
لماذا استعمل وليد المعلم مصطلح «جنوب لبنان» ولم يقل لبنان بالمطلق ؟
ثمة سببان وراء هذه الدقة في التعبير. الاول مرده الى ان غاية اسرائيل من الحرب في لبنان هي استهداف حزب الله بما هو القوة الرادعة الاساسية التي تواجهها في جميع انحاء الساحة اللبنانية، ولا سيما على طول حدودها الشمالية معه امتداداً الى وادي البقاع، جنوبي طريق بيروت - دمشق. الثاني مرده الى ان غاية اسرائيل من وراء مهاجمة جنوب لبنان ومحاولة اقتحام وادي البقاع في طرفه الجنوبي هي الوصول الى طريق بيروت - دمشق وبالتالي محاولة تطويق منطقة جنوب سوريا بما فيها العاصمة دمشق.
ما قصد ان يقوله المعلم لقادة اسرائيل، بل الى قادة أميركا ايضا، ان اي اعتداء على لبنان ستعتبره سوريا اعتداءً مباشراً عليها، خصوصاً في هذه الآونة ولاسيما اذا ما استهدف منطقة وادي البقاع الجنوبي بما هي الممر الطبيعي من شمال فلسطين المحتلة الى شرق لبنان وبالتالي الى جنوب سوريا.
ما كان المعلم ليطلق، باسم سوريا، تحذيره بالحرب الشاملة رداً على عدوان اسرائيل المرتقب لولا اتضاح واقع استراتيجي مستجد هو وجود اتفاق للدفاع المشترك بين اطراف اربعة : سوريا وإيران وحزب الله و«حماس»، يقضي بأن يعتبر كل طرف من هؤلاء ايَّ اعتداء عليه بمثابة اعتداء عليهـم، فرادى ومجتمعين.
اكثر من ذلك، ما كانت القيادة السورية لتتخذ قرارها الحاسم باعتبار كل اعتداء على جنوب لبنان وبالتالي على حزب الله هو بمثابة اعتداء عليها يستوجب تحويله حرباً شاملة لولا تأكدها من وجود ضمانـات اربع: اولاها انها باتت تمتلك من القدرات، لاسيما العسكرية، ما يمكّنها من الوفاء بالتزامها تجاه حلفائها من جهة وفي مواجهة اسرائيل من جهة اخرى. ثانيتها، ان حلفاءها، لاسيما إيران، تمتلك من القدرات والارادات ما يمكّنها من الوفاء بالتزاماتها تجاه سوريا خصوصاً وسائر الحلفاء عموماً. ثالثتها، ان الولايات المتحدة واسرائيل ستقيمان وزناً كبيراً لموقف سوريا الاستراتيجي المعلن وستقدران مفاعيله السياسية والعسكرية الرادعة، فتمتنعان عن المجازفة بحرب عدوانية جديدة ضد اي من الاطراف الاربعة. رابعتها، ان موقف سوريا الاستراتيجي الرادع سيترك آثاراً سياسية ايجابية في المنطقة ولاسيما على بعض الدول العربية الملتحقة بالسياسة الأميركية.
الى ذلك، لا بد من ملاحظة دورين لكلٍ من إيران وتركيا في المشهد الاقليمي عامة والموقف السوري الجديد من العدوان الاسرائيلي المرتقب خاصةً. ذلك ان إيران اطلقت، بلسان محمود احمدي نجاد، مفاجأة سياسية واخرى تكنولوجية متزامنتين في الأيام القليلة الماضية. المفاجأة السياسية تمثّلت بتصريح للرئيس الإيراني اكد فيه موافقة إيران على ارسال اليورانيوم المنخفض التخصيب الذي تملكه بلاده الى الخارج ( روسيا وفرنسا ) لمعالجته كي يصبح عالي التخصيب وذلك بشكل وقود نووي للاستعمالات العلمية. المفاجأة التكنولوجية تمثلت في اطلاق صاروخ إيراني يزيد مداه على الف كيلومتر بحيث يمكنه حمل قمر اصطناعي فضائي في المستقبل المنظور.
المفاجأتان السياسية والتكنولوجية خلّفتا مفاعيل مؤثرة على المستويين الدولي والاقليمي. الاولى، اعادت خلط الاوراق بين الدول الست الكبرى، وأحيت من جديد خيار المفاوضات مع إيران حول برنامجها النووي، وحملت الصين على تأكيد موقفها المناهض لفرض عقوبات جديدة على إيران والداعي الى التوصل لتسوية معها من خلال المفاوضات. في هذا الاطار، تَعَزَز دور تركيا الاقليمي من حيث تصديها للعب دور الموفّق بين الدول الست الكبرى وإيران من جهة، ومن جهة اخرى من حيث اعلان استعدادها لتخزين اليورانيوم الإيراني المنخفض التخصيب في اراضيها قبل نقله الى روسيا وفرنسا لمعالجته وزيادة نسبة خصوبته. كما ساعدت المفاجأة السياسية الإيرانية على احباط مساعي الدوائر الصهيونية في الولايات المتحدة الرامية الى اقناع ادارة اوباما بضرورة شن ضربة استباقية لتدمير منشآت إيران النووية.
المفاجأة الثانية (التكنولوجية) عززت مكانة إيران السياسية وقدراتها العسكرية وبالتالي دعمت صدقيتها في العالم العربي والاسلامي، واضعفت المساعي الأميركية الرامية الى اعتبار إيران، لا اسرائيل، هي الخطر الاول الذي يهدد الدول العربية، كما جوّفت جدوى التحالف مع الولايات المتحدة ضد إيران وسوريا وقوى الممانعة والمقاومة في العالم الاسلامي.
على صعيد اسرائيل، بلبلت المفاجأة السورية كما المفاجأتان الإيرانيتان الوضع السياسي الداخلي، وربما سحبت زمام المبادرة الاستراتيجية من ايدي قواتها العسكرية. ذلك ان المفاجآت المار ذكرها أضعفت الحكومة وحلفاءها في معسكر اليمين العنصري والديني المتطرف، بل اوجدت تبايناً واضحاً في صفوف الوزراء من جهة وبين الحكومة والجيش من جهة اخرى. فبحسب صحيفة «يديعوت احرونوت» (5/2/2010)، تُعارض اكثرية من خمسة أعضاء في المجلس الوزاري الامني المصغر الانسحاب من الجولان، وهي تضم نتنياهو وليبرمان وموشه يعلون وبيني بيغن وايلي يشاي، في حين ان دان مريدور وايهود باراك يؤيدان الانسحاب الكامل مقابل اتفاق سلام. اما على صعيد الجيش فان رئيس هيئة الاركان العامة، الجنرال غابي اشكنازي، يؤيد استنئاف المفاوضات مع سوريا والانسحاب من الجولان.
على الصعيد الفلسطيني، لاحظ مسؤولو السلطة كما قادة الفصائل التعديل الطارئ على موقف الولايات المتحدة من سوريا. فقد قررت واشنطن اعادة السفير الأميركي الى دمشق واقترحت دبلوماسيا معيناً ليصار الى الاستحصال على موافقة الكونغرس عليه. كما طلبت واشنطن من دمشق احياء التعاون بين وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية وأجهزة الأمن السورية في مجال مواجهة المنظمات «الارهابية» لا سيما تلك التي تحاول التسلل من الأراضي السورية للقيام بعمليات مسلحة في العراق.
الفلسطينيون وجدوا في التقارب، على محدوديته، بين الولايات المتحدة وسوريا بعد اعوام طويلة من القطيعة والتوتر، عاملاً مساعداً على سدّ الفجوة القائمة بين «فتح» و«حماس» بالنظر الى معارضة واشنطن عملية المصالحة بين ذينك التنظيمين الرئيسيين في الساحة الفلسطينية، فكان ان انتقل عضو اللجنة المركزية لـ «فتح» نبيل شعث الى غزة لمحاولة تقريب وجهات النظر بين الطرفين. فـوق ذلك، شجع الموقف الأميركي من سوريا وانعكاسه على موقف حكومة نتانياهو المتحفظ من عملية اطلاق الاسرى الفلسطينيين مقابل اطلاق الاسير الاسرائيلي جلعاد شاليت، شجع مناصري هذا الاخير على التظاهر امام مكتب رئيس الحكومة مطالبين بمعاودة المفاوضات مع «حماس»، وتصميمهم على ان التظاهر لن يتوقف قبل عودة شاليت الى منزله.
كل هذه التطورات والتحركات تشي بحقيقة ساطعة هي ضعف ادارة اوباما الواضح في ادارة قضايا المنطقة وانعكاس ذلك سلباً على اسرائيل، حكومةً ومجتمعاً. في المقابل، أسهمت المفاجأة السورية، وقبلها المفاجأتان الإيرانيتان، في دعم موقف دمشق وطهران خصوصاً وموقف اهل الممانعة والمقاومـة عموماً. كما أن مفاعيل هذه التطورات المتزايدة وتداعياتها المرتقبة اوجدت وضعاً جيوستراتيجياً جديداً عنوانه العريض ان لبنان بات، قولا وفعلاً، في حمى سوريا، وان سوريا باتت، سياسياً وعسكرياً، في حمى توازن رعب ظاهر بين معسكرين متصارعين: إيران وسوريا وقوى الممانعة والمقاومة المتحالفة معهما في المنطقة، ولا سيما المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، من جهة والولايات المتحدة واسرائيل وحلفائهما من جهة اخرى.
.. والصـراع مسـتمر.