موقع كاونتربنتش
راني أميري
في الشرق الأوسط، تكون الصلة بين المكائد السياسية، والتجسس والاغتيال، إما واضحة وضوح النهار، أو قاتمة قتامة الطين.
وفيما يخص قضية شهر شباط (فبراير) التي لم تحل بعد، والمتعلقة باغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، يبدو الطين وأنه يغادر المكان، مفسحاً الطريق لانبلاج ضوء النهار.
وكانت حملة شنت على شبكات التجسس الإسرائيلية العاملة في لبنان قد أسفرت عن أكثر من 74 عملية اعتقال خلال الأشهر الثمانية عشرة الماضية. ومن بين المعتقلين، كان هناك 4 ضباط رفيعو المستوى من الجيش اللبناني وضابط في الأمن العام -وهو شخص يتجسس لصالح الموساد منذ العام 1984.
وقد حدث اختراق يعتد به في التحقيق الجاري في أواخر شهر حزيران (يونيو) وأسفر عن اعتقال شربل قزي، رئيس البث والإرسال في "ألفا"، وهي واحدة من شركتي هواتف نقالة تمتلكهما الحكومة. ووفقاً لصحيفة "السفير" اللبنانية اليومية، فقد اعترف قزّي بزرع برامج حاسوبية وشرائح إلكترونية في أجهزة بث شركة "ألفا". وكان بالوسع استخدام هذه البرامج والشرائح من جهة الاستخبارات الإسرائيلية لمراقبة الاتصالات، وتحديد مكان الأفراد المستهدفين بالاغتيال، والتمتمع بإمكانية نشر الفيروسات القادرة على مسح المعلومات المسجلة في خطوط الاتصالات. ويعود تعاون قزّي مع الإسرائيليين وراء إلى 14 عاماً.
وفي 12 تموز (يوليو)، تم إجراء اعتقال آخر في "ألفا". وتم توقيف طارق ربعة، وهو مهندس وشريك لقزّي، بتهم التجسس لصالح إسرائيل والمساس بالأمن القومي. وبعد بضعة أيام، تم احتجاز موظف ثالث لدى "ألفا" بتهم مشابهة.
وقد رفضت إسرائيل التعليق على الاعتقالات. ومع ذلك، فإن قدرتها الظاهرة على اختراق الجيش اللبناني وقطاع الاتصالات والتغلغل فيهما هزت البلد ورفعت من وتيرة المخاوف الأمنية بشكل طارئ.
ولكن، ما شأن أي من هذا بحادثة اغتيال الحريري؟
خارج التشعبات الواضحة والضارة لضباط جيش لبنانيين رفيعي المستوى الذين يعملون لصالح إسرائيل، فإن مشروعية المحكمة الخاصة بلبنان أصبحت الآن موضع استنطاق. وهذه المحكمة هي هيئة خصصتها الأمم المتحدة لتنفيذ مهمة مقاضاة أولئك المسؤولين عن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل. وفي يوم 14 شباط (فبراير) 2005، انفجر ما يقدر بحوالي 1.000 كيلوغرام من المتفجرات بالقرب من موكب الحريري العابر، وقتل معه 21 شخصاً آخرين.
ويعتقد بأن محكمة التحقيق الخاصة بلبنان سوف تصدر لوائح الاتهام الخاصة بالموضوع في أوائل شهر أيلول (سبتمبر) -معتمدة بشكل كثيف على تسجيلات هاتفية ومكالمات بالهواتف الخلوية في إعداد لوائحها. ووفقاً لوكالة "إيه أف بي"، فإن "تقريراً أولياً لفريق التحقيق التابع للأمم المتحدة قال إنه جمع معلومات من مكالمات بالهواتف الخلوية، والتي أجريت يوم قتل الحريري، على سبيل الأدلة". كما قالت أخبار "ذا ناشيونال" أيضاً إن "التحقيق الدولي، الذي سوف يقدم لوائح اتهام أو مكتشفات بحلول شهر أيلول (سبتمبر) المقبل، وفقاً لتقارير إعلامية لم يتم التحقق منها، قد استخدم تسجيلات مكالمات هاتفية كثيفة للخلوص إلى استنتاجات متعلقة بمؤامرة قتل الحريري، والتي تلقي باللوم إلى حد كبير على سورية وحلفائها اللبنانيين...".
وفي كلمة متلفزة بثت يوم 16 تموز (يوليو) الحالي، توقع السيد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، أن تستخدم المحكمة الدولية معلومات مستقاة من اتصالات زورتها إسرائيل من أجل اتهام الجماعة زوراً بقتل رئيس الوزراء. وقال نصر الله:
"يعتمد البعض في تحليلهم للوائح اتهام المحكمة الدولية على شهود تبين أن بعضهم مزورون، وعلى شبكات اتصالات هاتفية كانت مخترقة من قبل جواسيس يمكن أن يغيروا المعلومات ويسيئوا استخدامها. وقبل حرب العام 2006، أعطى هؤلاء الجواسيس بيانات مهمة للعدو الإسرائيلي، قائمة على هذه المعلومات، وقامت إسرائيل بقصف المباني، والمنازل والمصانع والمؤسسات. وقد ذهب الكثير من الشهداء وأصيب كثيرون آخرون بجراح. إن هؤلاء الجواسيس شركاء في القتل، وفي ارتكاب الجرائم، والتهديدات والتشريد". ووصف نصر الله تلاعب محكمة التحقيق الدولية بأنه "مشروع إسرائيلي" يقصد إلى "خلق الفوضى في لبنان". وفي الحقيقة، كان لبنان قد ذاق في شهر أيار (مايو) العام 2008 طعم شيء من هذا. ففي ذروة حالة جمود استمرت 18 شهراً حول تشكيل حكومة وحدة وطنية تحت رئاسة رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، عمل قرار حكومته اعتبار نظام خطوط اتصالات حزب الله غير شرعية، ومن جانب واحد، عمل القرار على دفع البلد إلى حافة حرب أهلية.
واعترافاً بقيمة خطوط الاتصالات الآمنة هذه في مقاومة الغزو الإسرائيلي للبنان في شهر تموز (يوليو) من العام 2006، وبالاشتباه بأن تكون الاتصالات الهاتفية المملوكة للدولة مخترقة، قاوم حزب الله خطط السنيورة الرامية إلى تفكيك خطوط اتصالاته. وقام رجال الحزب باجتياح بيروت الغربية ووضعوا نهاية سريعة لخطط الحكومة. وبعد سنتين من ذلك، يبدو أن شكوكهم كانت مبررة وفي محلها.
وكان أعضاء المعارضة في مجلس النواب، وحركة التيار الوطني الحر التي يرأسها ميشيل عون، قد حذروا نصر الله مسبقاً من أن محكمة التحقيق الدولية يرجح أن توجه الاتهام إلى أتباع حزب الله "غير المنضبطين"، ليتبع ذلك "... توترات لبنانية-لبنانية، ولبنانية-فلسطينية، ثم تلي ذلك حرب إسرائيلية تشن على لبنان".
ومما أعطى المصداقية لتأكيدات نصر الله وعون، تنبأ القائد العام للجيش الإسرائيلي غابي أشكنازي "بالكثير من الأمنيات" بأن الوضع في لبنان سوف يتدهور في أيلول (سبتمبر) بعد أن تتهم محكمة التحقيق الخاصة حزب الله باغتيال الحريري.
وتكشف شهادة أشكنازي المبتهجة أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكنيست الإسرائيلي، عما تأمل به إسرائيل من أن تكون تداعيات تقرير محكمة التحقيق هي: إثارة الحرب الأهلية والنزاع والشقاق بين الجماعات الطائفية اللبنانية، المنقسمة بشكل عام بين فصائل مؤيدة لسورية وأخرى معادية لها. ويتوقع أشكنازي أن يحدث ذلك، بطبيعة الحال، لأنه يعرف أن وصول إسرائيل غير المقيد إلى تسجيلات لمحادثات هاتفية حساسة كانت قد أعدت بحيث يسند الجريمة إلى حزب الله.
لقد تمت تعرية عملاء إسرائيل وناشطيها في لبنان، واختراقها لشبكات الاتصالات. وفي أقل القليل، ينبغي على محكمة التحقيق الخاصة أن تدرك أن الدليل على تورط حزب الله المزعوم في مقتل الحريري (وهي حركة كانت تتمتع تاريخياً بروابط جيدة مع رئيس الوزراء الراحل)، هو دليل مشبوه بالكامل ويرجح أنه تعرض للتلاعب.
وينبغي أن يقود اعتقال قزي وربعة في إطار انهيار شبكات التجسس الإسرائيلية محكمة التحقيق إلى نقل تركيزها على اللاعب الإقليمي الوحيد الذي استفاد من مقتل الحريري؛ وهو اللاعب الذي سوف يستمر في الاستفادة إذا ما تم، وفي حال نجحت خططه في إقحام حزب الله في المسألة.
لقد حان الوقت لتوجيه الأنظار إلى تل أبيب.