صحيفة الخليج الإماراتية
جرافات التسوية، أو جرافات المفاوضات، التي أزالت أمس قرية العراقيب في النقب الفلسطيني المحتل من الوجود، نفذت بذلك قراراً عنصرياً بالاستمرار في اقتلاع أهل الأرض من أرضهم وتشتيتهم، في إطار المسلسل العنصري الاحتلالي الاستعماري المستمر منذ أكثر من ستة عقود، وهو تطهير عرقي اعتمده "نظام الأبارتهايد"، في إطار خطته لتهويد فلسطين كلها من النهر إلى البحر . ستصدر إدانات ومواقف شاجبة، في إطار الصراخ المتواصل بعيداً من أنين الذين يعانون هذا الإرهاب الصهيوني المتواصل، لكن، هل يكفي، بعد هذا كله، أن يتحدث العرب، أو جزء منهم على الأقل، عن نظام "الأبارتهايد" في الكيان الصهيوني، وعن ممارساته العنصرية ضد الفلسطينيين في وطنهم السليب، وهي ممارسات تتم على مرأى من الجميع، وما كان يجري في جنوب إفريقيا، زمن النظام العنصري، أقل بكثير؟
عندما يقال نظام عنصري يستدعي ذلك التعامل معه على هذا الأساس، والخطوة الأولى هي المقاطعة وليست الهرولة ومد الأيدي والتفاوض، والمقاطعة تعني محاصرة هذا الوباء والحجْر عليه إلى أن تلفظ العنصرية أنفاسها، لأن التعاطي معها بغير ذلك يمدّها بجرعات من الأوكسجين .
العنصرية تطبقها "إسرائيل" في الأراضي المحتلة عام 1948 ضد الفلسطينيين هناك، بل هي تمارس العنصرية ضد من يفترض أنهم وقودها، من شتات المستوطنين الذين تجمعهم من هذا المكان أو ذاك، هذا أسود وذاك أبيض، هذا شرقي وذاك غربي، هذا غني وذاك معدم، وثمة أصوات داخل الكيان نفسه تشكو الظلم العنصري الذي لم يعد ممكناً إخفاؤه .
التمييز العنصري عنوان آخر للصهيونية، ومن أسف فإن العرب تمكنوا في العام 1975 من استصدار قرار من الأمم المتحدة (3379) بهذا الشأن، بمعونة الكثيرين من أحرار العالم، لكنهم تخلوا عنه ومزقوه بأيديهم، وبضغط أمريكي، كما هي العادة، في زمن مؤتمر مدريد أواخر العام 1991 و"أكاذيب السلام" التي تم الترويج لها .
بعد الإلغاء ازدادت ممارسات العدو العنصرية، وتكرّس "نظام الأبارتهايد" بما هو استعمار واحتلال وتمييز عنصري، ونظام كهذا يجب فضحه وعزله إلى أن يسقط .
والعرب إن أرادوا بإمكانهم، بمساعدة أحرار العالم، وهم كثر، استرداد ذلك السلاح الفعال الذي تخلوا عنه، كما تخلوا عن سلاح المقاطعة، ليتمكنوا من مواجهة هذا العدو وعنصريته ومحاصرة مجرميه بدل مدّ اليد إليهم وانتظار أن يفتحوا الباب لهم لمفاوضتهم .