موقع ليبانون فايلز الإخباري
داني حداد إذا أراد أحد مؤرّخي المرحلة اللبنانيّة لما بعد 14 شباط 2005 أن يجمع ما قيل، تهجّماً وشتماً، في سوريا لاحتاج الى مجلّدات من أجزاء عدّة. كثرت، في تلك المرحلة الاتهامات التي أطلقت بحقّ سوريا ورئيسها وعائلته وبعض الضبّاط البارزين فيها، سواء من قبل مواطنين عاديّين، في التظاهرات التي كادت لا توفّر ساحةً، أو من قبل سياسيّين لم يوفّروا منبراً، أو إعلاميّين لم يوفّروا وسيلة. باتت سوريا مسؤولة عن التفجيرات والاغتيالات التي شهدها لبنان. وهي المسؤولة عن الفساد المستشري في "بلد الأرز"، قضاءً وإدارةً. وهي المسؤولة عن العجز المالي الناتج عن اقتطاع "الوصيّ السوري" مبالغ ماليّة ممّا تجنيه المرافق اللبنانيّة الحيويّة، كالكازينو والمطار ومرفأ بيروت... لم تترك تهمة إلا وألصقت بسوريا، وفي ذلك بعض حقّ وكثير من تجنٍّ...
إلا أنّ هذا المشهد العدائي شهد تبدّلاً جذريّاً في الشكل والمضمون، في المفردات والخطابات، وحلّت النوافذ المشرّعة مكان الأبواب الموصدة، وبات فتح "الصفحة الجديدة" شعار متِّهمي الأمس، وقد حلّ بعضهم، مباشرةً أو عبر موفدين و"سعاة خير"، ضيوفاً في مكاتب مسؤولين سوريّين، في طليعتهم، يا لسخرية القدر، اللواء رستم غزالي "بطل" التظاهرات البيروتيّة المناهضة لدمشق و"سيّد" اسكتشات البرامج الفكاهيّة التي ازدهرت في زمن "ما بعد الوصاية".
بعد الزيارة التاريخيّة للرئيس سعد الحريري الى دمشق، ثمّ زيارة الاعتذار الجنبلاطيّة، حلّ عدد من السياسيّين الآذاريّين ضيوفاً على أرض "الشقيقة سوريا"، وهو تعبير عاد الى التداول بعد غياب، وزراء ونوّاباً حاليّين وسابقين، ورسلاً لقادة في فريق 14 آذار يبحثون عن وسيلة لفتح "الصفحة الجديدة" إيّاها. ووجد بعض الزوّار، من شتّامي الأمس، في سؤالهم عن سبب زيارتهم الى دمشق ما يدعو الى الاستغراب، "لأنّ الزيارة الى الشقيقة سوريا أمر طبيعي"، والعبارة الأخيرة مستقاة من تصريحات عدّة على لسان أكثر من مسؤول.
وبالتزامن مع "الانقلاب" في مشهد العداء مع سوريا، والمتوقّع اكتماله في المستقبل القريب، غابت أصابع الاتهام المحليّة والخارجيّة التي وجّهت طيلة سنوات الى سوريا باغتيال الرئيس الحريري، لتطلّ أصابع أخرى من بين صفحات القرار الظنّي المرتقب. هكذا عادت "الشقيقة" الى بعضٍ من عهد "الودّ" السابق، ليصبح حزب الله العدو الرقم واحد لهذا الفريق الذي يكاد، لولا تجنّب استباق قرار المحكمة الدوليّة، يصدر اتّهامه لحزب الله باغتيال الحريري، يضاف إليه اتهامات أخرى متداولة مثل التبعيّة لإيران، والسعي الى تكريس ولاية الفقيه، ومحاولة السيطرة على لبنان عبر السلاح...
ويكاد بعض فريق الرابع عشر من آذار يستعير من حزب الله شعاره "أميركا الشيطان الأكبر" ليصبح "حزب الله الشيطان الأكبر"، حتى أنّ البعض لم يتردّد في إطلاق معلومات عن خلافٍ ناشب بين سوريا والحزب، لمزيدٍ من تبرئة السلطة السوريّة ممّا "ارتكبه" أو "سيرتكبه" حزب الله في لبنان.
أمّا المقرّبون من الجهتين فيكرّرون العبارة الشعبيّة "خيّطوا بغير هالمسلّة". وليد جنبلاط التقط المؤشّرات وباشر "الخياطة" قبل الآخرين...