صحيفة الأيام الفلسطينية
محمد ياغي
مرة أخرى، السلوك الإسرائيلي في الجانب المتعلق بالإصرار على المفاوضات المباشرة مريب. لماذا هذا الجهد الإسرائيلي الذي يبذل مع معسكر الاعتدال العربي لدفع الفلسطينيين للمفاوضات المباشرة، في الوقت الذي ترفض فيه الى الآن مرجعية واضحة للمفاوضات ووقفاً للاستيطان كما تطالب السلطة في رام الله؟ لماذا أيضاً لم تصدر تصريحات من قادة الاعتدال العربي عن ضرورة التزام إسرائيل بالاستحقاقات المطلوبة منها في خارطة الطريق، مثل السلطة، كمدخل للمفاوضات المباشرة؟ الإصرار الإسرائيلي على المفاوضات، والصمت العربي العلني، مصاحباً لضغوط على رام الله من أطراف أميركية وأوروبية وعربية، في وقت يعلم فيه الجميع، بأن لا فائدة من هذه المفاوضات ما لم تلتزم إسرائيل باستحقاقات السلام: وقف الاستيطان والاستعداد للانسحاب من الأرض التي تحتلها، يخفي كما يبدو ليس "مشروع سلام" ولكن "مشروع حرب".
أهي مصادفة مثلاً أن يتزامن إعلان إسرائيل بأنها رصدت مواقع أسلحة وتحصينات لحزب الله في مناطق يجب الا تكون فيها بموجب قرار وقف إطلاق النار بعد حرب العام 2006، مع نشر الدفاعات المضادة للصواريخ على الحدود الشمالية، مع التصريحات التي أصبحت شبه يومية بأن إسرائيل ستقوم بتدمير الدولة اللبنانية في أية حرب قادمة، مع تدريبات الدفاع المدني الإسرائيلي المتصاعدة منذ أشهر "لحماية الجبهة الداخلية"، مع نية المحكمة الدولية باتهام عناصر من حزب الله باغتيال الحريري؟ هذه مؤشرات تصعيد باتجاه حرب، وليس مؤشرات تهدئة أو ردع.
قبل أشهر، كتبنا في هذه الزاوية بأن إسرائيل لن تقوم بمهاجمة إيران قبل مهاجمة حزب الله وغزة، لأنها لن تغامر بدخول حرب مع إيران قبل الاطمئنان بأن حدودها الشمالية والجنوبية محمية. السؤال هل ستتم مهاجمة لبنان أولاً، أم غزة، أم كليهما معاً؟ غزة بالنسبة لإسرائيل شأن داخلي، بمعنى الحرب معها لم تتوقف، الجديد في العلاقة معها قديم. الحرب مع غزة متواصلة منذ انتفاضة الأقصى العام 2000، درجتها تخف أو تتصاعد الى المستوى الذي وصل اليه الحال نهاية العام 2008، لكنها لم تتوقف، ولا يوجد هنالك طرف ثالث لضمان وقف إطلاق النار كما هو الحال في لبنان. عندما أوقفت إسرائيل حربها الشاملة على غزة كان هذا قرارها، لم يكن هنالك قرار مجلس أمن، ولم تسع إسرائيل الى قرار، لأنها تريد أن تكون يدها طليقة في غزة، وهي كذلك الآن. في لبنان اضطرت إسرائيل للجوء لمجلس الأمن لإصدار قرار بوقف النار لتحقيق بعض المكاسب التي عجزت عن تحقيقها بالحرب، لكنها مكاسب لا تضمن لها هيمنة على محيطها كما تريد. الفرق بين غزة ولبنان، أن الاولى محاصرة منذ سنوات وهي بالكاد قادرة على إلحاق أذى فعلي بإسرائيل لأنها في بحالة متواصلة في موقع الدفاع. لبنان، حزب الله، غير محاصر، ليس في موقع الدفاع عن النفس، سورية وإيران لم يتوقفا عن دعمه منذ انتهت الحرب. حزب الله يقوم بلعب دور الند بطريقة لم تشعر بها إسرائيل منذ العام 1973، تل أبيب مقابل بيروت.. هذا آخر ما كانت إسرائيل تتوقعه بعد هزيمتها العام 2000 وخروجها تحت جنح الظلام من لبنان. وقتها رفض لبنان أية ترتيبات للانسحاب الإسرائيلي، مطالباً بتنفيذ قرار سابق لمجلس الأمن (425). وهو ما تم، وهو ما لم تعتد عليه إسرائيل في تاريخها.
الجغرافيا التي تفصل بين إيران وإسرائيل تشكل عائقاً لحرب مباشرة بين البلدين. لذلك في العقلية الإسرائيلية لا يوجد خطر فعلي من مهاجمة إيران وتدمير مواقعها أو بعض مواقعها النووية. ليس الهدف فقط تأخير البرنامج النووي الإيراني.. الهدف الأول فعلياً هو إرسال رسالة للعالم بأن موقع إسرائيل في الشرق الأوسط لم يتغير.. لن تغيره إيران ولن تغيره تركيا. بمعنى أن هزيمتها العام 2006 في لبنان، وعجزها عن إسقاط "حماس" نهاية العام 2008 وصعود قوى إقليمية جديدة، يجب ألا يعطي رسالة مغايرة لحقيقة قوة إسرائيل الفعلية ومكانتها في المنطقة. هذه القوة والمكانة اكتسبتها بحروب خاطفة، سريعة، لا تظهر عادة في حروب طويلة، ولكن بضربة جوية مثلما كان الحال العام 1967، أو تدمير المفاعل النووي العراقي 1981، أو ما قيل إنه مفاعل نووي سوري العام 2007. في الحالة الإيرانية، ليس الخوف من الرد الإيراني عن طريق الصواريخ بعيدة المدى، فهذه مسألة يمكن وقفها بعد يوم أو عدة أيام وعن طريق مجلس الأمن، والخسائر يمكن تحملها طالما أن الجغرافيا تمنع فرصة الاشتباك على الأرض بشكل يطيل أمد الحرب. ما يمنع مهاجمة إيران عدة عوامل منها الرغبة الأميركية لعدم التأثير على موقفها العسكري في العراق وأفغانستان والخليج العربي عموماً، لكن إذا لم تشترك مباشرة الولايات المتحدة في الهجوم فسيكون من الصعب على إيران التصعيد ضد الولايات المتحدة بشكل مفتوح وصريح. الأهم، كما يبدو، هو استعداد إيران لنقل حربها مع إسرائيل في حالة مهاجمتها، الى حرب مفتوحة وطويلة على الحدود الشمالية وربما الجنوبية أيضاً. لهذا لن تغامر إسرائيل بمهاجمة إيران قبل تأمين شمالها. التصعيد الذي نشاهده اليوم من قبل إسرائيل، يعطي مؤشرات على قرب مهاجمة لبنان.
المفاوضات المباشرة غطاء الحرب الجديدة. الرسالة التي سترسلها إسرائيل للعالم بأنها في حالة سلام مع الفلسطينيين ومع معسكر الاعتدال العربي.. لكنها أيضاً، مضطرة للدفاع عن نفسها من المتطرفين - حلفاء إيران - في المنطقة، يؤيدها في ذلك العرب المعتدلون. المشكلة هنا بأن رهن القرار الفلسطيني لموقف الجامعة العربية أصبح نقطة ضعف في النظام السياسي الفلسطيني. الرئيس الفلسطيني الراحل، اعتاد، ومعه الحركة الوطنية الفلسطينية جميعها، على التحدث بأن أهم إنجاز لهم، هو قدرتهم على الحفاظ على استقلالية القرار الوطني الفلسطيني. اليوم، هنالك شك بأن هذا الإنجاز ما زال قائماً. وهنالك شك أيضاً بالقدرة على الاستمرار في الموقف المعلن من المفاوضات المباشرة، ليست بسبب الضغوط الإسرائيلية التي تمارس مباشرة، وعبر حلفائها في الغرب، ولكن بسبب الضغوط التي تمارس من معسكر الاعتدال العربي.
ليس للفلسطينيين مصلحة بتوفير غطاء الحرب القادمة، خصوصاً وأن المطلوب هو غطاء وبلا ثمن أيضاً.. غطاء بلا مرجعية حتى للتفاوض. إذا كان معسكر الاعتدال العربي راغباً بالتفاوض مع إسرائيل، فبإمكان السلطة، وباسم التنسيق السياسي، أن تفوض هذا المعسكر بالتفاوض نيابة عنها. لكن سيكون من الخطأ فلسطينياً، الانجرار الى ما تدفع باتجاهه إسرائيل، وهو الحرب تحت يافطة السلام.