صحيفة الخليج الإماراتية
رغيد الصلح
عندما يحلل مؤيدو "إسرائيل" الأوضاع في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، فإنهم كثيراً ما يلجأون إلى الأرماغيدون لإضفاء مصداقية دينية وخلاصية على توقعاتهم . هذه الصورة تسترجع اليوم بمناسبة الاحاديث المتطايرة عن حرب قريبة سوف تشنها "إسرائيل" على لبنان أو على حزب الله تقريباً . في هذا السياق نشرت مجلة "تابلت" الإلكترونية المؤيدة ل "إسرائيل" تحليلاً تنبأت فيه بوقوع حرب قريبة في لبنان . السبب الحقيقي وراء هذه الحرب لن يكون، في رأي المجلة، الاعتبارات "الدنيوية" التي يجري الحديث عنها يومياً في الإعلام الدولي، ولكنه الصراع (الحضاري) بين دولة مكونة من مؤسسات تختزن آلاف السنين من "المبادئ والقيم التي أوصلتنا إلى الحداثة السياسية" . هذا من جهة، وبين "الفوضى البدائية لقبائل متصارعة عبر المنطقة حيث العنف والغموض هو السائد، وحيث المصالح الوطنية هي غطاء للأعمال الدموية التي تقوم بها أجهزة السلطة"، من جهة أخرى . مقابل هذه التوقعات ذات المذاق الديني، تتسم تحليلات وتنبؤات أخرى يقدمها فريق آخر من مؤيدي "إسرائيل" بطابع أكثر دقة وواقعية لاحتمالات قيام "إسرائيل" بشن حرب على لبنان . فدانيال كورتز، السفير الأمريكي السابق في "إسرائيل" ومصر يعتقد أن "إسرائيل" تتهيأ لشن حرب ضد لبنان، وأن ترجيح احتمال الحرب يعود إلى شعور "الإسرائيليين" بأن حزب الله تجاوز "الخط الأحمر" في تنمية قدراته العسكرية في جنوب لبنان . ويقدم كورتز في دراسة أعدها إلى مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية ثلاثة أسباب لهذا الشعور الذي ينتاب الاستراتيجيين "الإسرائيليين":
أولاً، حصول حزب الله على صواريخ "سكود" وصواريخ "إم 600" التي تحتوي على أجهزة توجيه دقيقة، بحيث تمكن المقاومة اللبنانية من إصابة أهداف تبعد قرابة 160 ميلاً عن الحدود اللبنانية .
ثانياً، حصول حزب الله على صواريخ تبلغ حمولتها 500 باوند من المتفجرات بحيث تلحق أضراراً كبيرة بالمناطق المستهدفة .
ثالثاً، احتمالات حقيقية حول تطوير صواريخ أرض- جو التي يمتلكها حزب الله .
إن هذه الاعتبارات الثلاثة جديرة بأن تؤثر في موازين القوى بين "إسرائيل" وجيرانها العرب، وأن تحدث خرقاً استراتيجياً في جدار الأمن "الإسرائيلي"، وهو أمر لا يمكن ل "الإسرائيليين" تحمله كما تقول "تابلت" .
يعزز كورتز توقعاته هذه بالتنبيه إلى ثلاثة مؤشرات ترجح وقوع حرب "إسرائيلية" لبنانية جديدة . من هذه المؤشرات ما يصفه بالتصعيد الخطابي الذي صدر عن حزب الله في الأسابيع الأخيرة وبدءاً من موقعة "أسطول الحرية" . ومن هذه المؤشرات أيضاً، التهديدات المتوالية التي تصدر عن المسؤولين "الإسرائيليين" ضد حزب الله وضد إيران وحتى ضد الحكومة اللبنانية . يضيف كورتز هنا، أن هذه التهديدات تصدر بعد جلسات حكومية مع القيادات العسكرية "الإسرائيلية" مما يضفي عليها، أي التهديدات، طابع الجدية . أخيراً لا آخراً، الاستعدادات "الإسرائيلية" العسكرية والدفاعية التي تتكاثر بصورة لافتة للنظر مثل المناورات العسكرية الواسعة التي قامت بها القوات "الإسرائيلية" خلال شهر فبراير/ شباط من هذا العام، والمناورات التي نظمتها مؤسسات الدفاع المدني "الإسرائيلية" خلال شهر مايو/ أيار الفائت درءاً لهجوم محتمل على المدن "الإسرائيلية" .
تتسم توقعات كورتز بالأهمية لأن صاحبها قريب من الإدارة الأمريكية الحالية، فقد ساهم مع دنيس روس في إعداد الخطاب الذي ألقاه باراك أوباما، وحدد فيه سياسته تجاه الشرق الأوسط خلال صيف عام 2008 في افتتاح منظمة ايباك المؤيدة ل "إسرائيل" . ثم إن تقديرات كورتز حول نمو قدرات حزب الله العسكرية وردود الفعل "الإسرائيلية" على هذا المتغير ليست بعيدة عن الواقع، فهي تتكرر في تقارير يومية تقريباً . وقد أضيف إليها وإلى مفاعليها المتوقعة اعتبارات أخرى أشار إليها محللون آخرون أكثرهم من مؤيدي "إسرائيل" مثل الصحافي الأمريكي لي سميث الذي يذكر عاملين مهمين يساهمان في ترجيح خيارات الحرب "الإسرائيلية" اللبنانية:
العامل الأول، هو اقتراب مواعيد انسحاب الولايات المتحدة من العراق وأفغانستان . فلقد حدد الأمريكيون نهاية العام المقبل كموعد لسحب كافة القوات الأمريكية من العراق . كذلك تسعى إدارة أوباما إلى تهيئة الظروف المناسبة للانسحاب من أفغانستان بعد استكمال بناء القوات الأفغانية . إن هذه الانسحابات سوف تترك "إسرائيل"، كما يعتقد بعض "الإسرائيليين" في العراء . وفي غياب القوات الأمريكية، فإن الأوضاع في العراق وأفغانستان قد تتبدل على نحو يخدم قوى المقاومة المسلحة ضد "إسرائيل"، أي حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين . واستباقاً لهذه الأوضاع فإن "إسرائيل" ستجد نفسها أمام حرب ضرورة ضد حزب الله، وليس أمام حرب اختيار كما كان الأمر عام 2006 .
العامل الثاني، هو اكتشاف الكميات الكبيرة من الغاز . ويعتقد لي سميث أن الغاز سوف يسهم في حمل "إسرائيل" على شن حرب على لبنان . لا يبين الصحافي الأمريكي بدقة لماذا يحفز العامل الثاني "إسرائيل" على مهاجمة لبنان وحزب الله؟ ولكن يمكن الاستنتاج أنه سوف تكون رغبة "إسرائيل" في الاستحواذ على أكبر كمية من هذه الطاقة، وهو أمر سوف يؤدي إلى احتكاكات قوية، ثم حرب بين اللبنانيين و"الإسرائيليين" .
اذا استبعدنا الحتميات الارماغيدونية عن الحرب، فإنه يمكن القول إن الحرب "الإسرائيلية" ضد لبنان ليست مستبعدة، ولكنها ليست حتمية . طبعاً هناك توق "إسرائيلي" عارم للحفاظ على موازين القوى الشرق أوسطية على حالها الراهن، حيث تستطيع "إسرائيل" الاضطلاع بدور "القوة الإقليمية العظمى" التي تستطيع بمفردها أن تهزم جميع القوى المعادية، سواء تفرقت أم تكتلت . ولكن هل يحفز هذا التوق الزعماء "الإسرائيليين" على شن حرب جديدة ضد لبنان وضد المقاومة اللبنانية؟ إن التفكير بشن مثل هذه الحرب سوف يصطدم بعقبات كبيرة تأتي في مقدمتها الصعوبات التالية:
1- إن سيناريو عام 2006 قد يتكرر مرة أخرى: أي أن تنجح "إسرائيل" في إلحاق أضرار كبيرة بلبنان، بل بمضاعفة الأذى الذي أنزلته باللبنانيين، أما نجاحها في القضاء على المقاومة فهو مغامرة تحيطها مخاطر كثيرة .
2- إن الأجواء الدولية ليست مؤاتية ل "إسرائيل"، إذ باتت تسبح في منطقة مشبعة بالعداء لها والحرب سوف تشعل مشاعر العداء ضدها . أما على الصعيد الدولي فإنها سوف تصطدم بعقبة كبرى في واشنطن نفسها بعد خروج حلفائها من البيت الأبيض . فالنظرة السائدة في الإدارة الأمريكية اليوم هي، كما وصفها لي سميث نفسه بعد جولة من المحاورات مع المسؤولين الأمريكيين بأن "إسرائيل" تحولت من رصيد لحساب أمريكا إلى عبء عليها، وأن أفضل شيء يفعله "الإسرائيليون" هو ألا يثيروا المتاعب لأنفسهم وللغرب .
رغم هذين الاعتبارين، ورغم ادعاءات العقلانية والواقعية التي ينسبها "الإسرائيليون" وأنصارهم في الغرب إلى السياسة "الإسرائيلية"، فإن العقل الصهيوني لا يزال ينقل اليهود من مسعدة إلى أخرى، بدلاً من أن يوفر لهم العيش الآمن والحرية والازدهار . ومن ثم فإن الحرب "الإسرائيلية" ضد لبنان ليست من الاحتمالات الكبيرة، لكنها تبقى على كل حال من الاحتمالات .