الخبير الإيراني ناصر هاديان جازي لـ«السفير»: لو أردنا القنبلة النووية لصنعناها.. لكننا لا نريدها

Nasser Hadian Jazee - professor of international relations in Tehran

قبل سنة من الآن، كان البروفيسور ناصر هاديان جازي يتحدث بحذر وغموض عن المسافة التي تفصل بلاده عن إنتاج قنبلة نووية.

الرجل أستاذ في العلاقات الدولية والعلوم السياسية في جامعة طهران، والملف النووي مجال بحثه منذ أكثر من عشر سنوات.

الباحث المرموق، والضيف المطلوب على المنابر الدولية، تخلى عن حذره، وشارك أخيراً في مؤتمر دولي، عقد في بروكسل حول نزع الأسلحة وحظر انتشارها.

ويعكس هاديان، على ما يبدو، في حواره مع «السفير»، مناخاً من «الإجهار» يسود طهران الآن، إذ يقول مبدداً «الغموض» السابق: «إذا أرادت إيران الآن صنع قنبلة نووية، يمكنها القيام بذلك، ولا يمكن لأحد أن يمنعها».

وبرغم تحقق «امتلاك القدرة»، كتسوية داخلية بين صانعي السياسة في إيران، إلا أن هاديان يشدد على أن صناعة القنبلة لا تخدم مصالح بلاده بأي شكل، لدرجة تكاد تكون خطاً أحمر رسمته إيران لنفسها.

حديث هاديان كان له رنين في كبرى صالات المؤتمر الدولي. سألناه مجدداً، هل يمكن لإيران الآن إنتاج السلاح النووي؟ هل أنت واثق؟ فرد دونما تردد: «الملف النووي هو حقل بحثي، وقد تابعته عن كثب على مدار أكثر من عشر سنوات. نعم، يمكننا إنتاج القنبلة الآن. فحتى في باكستان، وقبل سنوات طويلة، أمكنهم صناعة قنبلة في ذلك الوقت وبالاعتماد على وسائل محدودة جداً. إذاً، نحن نمتلك الإمكانات والموارد البشرية لصناعة قنبلة إذا أردنا، لكننا لا نريدها لأن ذلك لا يخدم أمننا الوطني، بل يضعفه».

ويوضح «إذا أردنا امتلاك السلاح النووي، فالآخرون يريدون ذلك أيضا، وهكذا سنحرك سباق تسلح في المنطقة. وبسرعة، سيسعى كل من الأتراك والسعوديين، والمصريين للحصول على قنبلة».

يفضّل هاديان أن يتحدث على أرضية عملية، وحتى تقنية، شارحاً عواقب دفع الآخرين إلى امتلاك سلاح نووي، فيوضح «إذا امتلكوا القنبلة، وإذا نظرنا إلى شبكات الاتصالات المتوفرة وهياكل القيادة التي لدينا، سيأخذ الأمر ثلاث أو أربع دقائق حتى تضرب الصواريخ مواقع مهمة في بلدنا. إذاً، شبكة اتصالاتنا، وأقمارنا الاصطناعية، يجب أن تكشف الصواريخ التي تتوجه إلينا، وأن تحدد إذا كانت أسلحة تقليدية أم نووية، ومن ثم إرسال المعلومات إلى هياكل القيادة، وهناك سيقررون ما يجب القيام به. فهل يمكنك أن تتخيل القيام بكل هذا خلال ثلاث أو أربع دقائق؟».

يصمت تاركاً لمعنى جملته الأخيرة أن يأخذ مداه… يرسم إشارة تعجب بملامحه، ثم يعقب بثقة: «لهذه الأسباب لن يزيد الأمر أمننا».

الخبير الإيراني متخرج من جامعة «تينيسي» في نوكسفيل الأميركية، وقد حلّ لسنوات استاذاً زائراً في جامعة «كولومبيا»، وشغل مناصب رفيعة في جامعة طهران، وهو يحرص الآن على التفريق بين امتلاك القدرة وامتلاك القنبلة، قائلاً «أنا أنظر إلى الموضوع من وجهة نظر إيران، فهم لا يقولون لا نريد القدرة (على صناعة السلاح النووي)، بل يقولون لا نريد القنبلة. التقديرات الاستخبارية الوطنية، بشكل أساسي، تنم عن أن ما تريده إيران هو القدرة. الإجماع هو حول القدرة.

ما يقوله هاديان يتسق مع الصورة التي دأب على تظهيرها. قبل سنوات، تحدث عن وجود مواقف متفاوتة حول النووي، متولدة من أربع مجموعات داخلية، تتراوح بين سقفين: مجموعة نخبوية صغيرة تقول بعدم الحاجة إلى الطاقة النووية، وأخرى متطرفة تنادي بصناعة القنبلة. وبينهما مجموعتان تشكلان غالبية وازنة، وقابلة للانسجام على حل وسط: امتلاك القدرة على صناعة السلاح وليس السلاح نفسه.

حجة متبني الخيار الأخير يقدمها قائلاً إن «هذه القدرة وحدها، وليس السلاح الفعلي، قد تؤدي إلى ردع حقيقي، وتساهم بشكل إيجابي وضروري في الدفاع والأمن الوطني الإيراني».

ما يعلنه هاديان الآن، من إجهار «تمام القدرة»، يعكس حصول التسوية الداخلية التي استشرفها سابقاً، وتمامها خلال سنوات سياسة الضغط الغربي بالعقوبات. فكما أوضح، بخلاف باقي القضايا، تؤخذ القرارات حول الملف النووي بالإجماع بين ثلاث مجموعات أيديولوجية مؤثرة في السياسة الأمنية والدفاعية لطهران: «الإسلاميون الثوريون، الإسلاميون الإصلاحيون، والوطنيون الإيرانيون».

نسأل هاديان، هل نفهم من كل هذا أن معسكر مناوئي التطرف هو المهيمن في إيران الآن؟.

فيقول إن «الراديكاليين هم أقلية صغيرة جداً الآن، إنهم قلة، ولكن إذا هاجمت إسرائيل يمكنهم كسب النفوذ. لكن الغالبية المطلقة، بمن في ذلك القائد الأعلى السيد علي خامنئي، تعارض التسلح (النووي). لكن هجوماً إسرائيلياً يمكنه أن يغير كل شيء، لا أقول إنه سيقود (تلقائياً) إلى الحصول على قنبلة، لكن أيدي الراديكاليين، الذين يريدون الحصول على قنبلة، ستشتدّ بسبب الهجوم. ولكنهم أقلية صغيرة جداً وتحت السيطرة تماماً».

كلام البروفيسور الإيراني حظي باهتمام لافت في بروكسل. ديبلوماسيون حرصوا على مناقشته، ووسائل إعلام عالمية طلبت مقابلته تواً بعد كلمته في المؤتمر.

من وجهة نظره، فإنّ الأميركيين قبلوا أن الخط الأحمر هو «ألا تحصل إيران على السلاح الفعلي»، ولم يقبلوا بالخط الأحمر الإسرائيلي الذي يتحدث عن تجريد إيران من القدرة النووية بالكامل، بمعنى «صفر تخصيب» لليورانيوم.

نسأل هاديان، إذا كانت إسرائيل تعرف قدرة إيران على صناعة هذا السلاح، فلماذا يتحدث عن خط أحمر يتجاهل هذا «الواقع»؟. فيرد مباشرة: «إنه مجرد تكتيك للضغط على إيران أكثر، هذا كل ما يريدونه. القضية أن إسرائيل لا يمكنها مهاجمة إيران، وليس لديها القدرة، وإذا فعلت، فهذا سيدعم وجهات النظر المتطرفة في إيران. يمكنهم الهجوم عبر الغارات الجوية والصواريخ، ولكن لا يمكنهم إحداث أضرار كبيرة (توقيف البرنامج النووي). لذلك سيقولون هذه الأشياء، بشكل أساسي، للضغط على المجتمع الدولي لفرض المزيد من العقوبات».

ولا يتردد هاديان في الإشارة مباشرة إلى مخاوف إسرائيل من «اختلال التوازن» في المنطقة، مذكراً بأن حروب أميركا أزاحت عدوين كبيرين لإيران في أفغانستان والعراق. ويوضح، «الإسرائيليون لا يريدون حتى أن يوجد ولو مجرد إحساس لدى الناس العاديين في الشرق الأوسط، أن ثمة تكافؤاً بين إسرائيل وإيران، ولذلك يريدون استعادة النظام القديم بأن إسرائيل هي القوة العظمى وأن لا أحد يشك في ذلك».

ملف المفاوضات بين الغرب وإيران يتقدم، من الجانبين، والخبير الإيراني يقول إن القبول بخفض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 5 في المئة، هو هدف «مقبول» للتفاوض، لأن التخصيب «حقّ» تكفله الاتفاقات الدولية.

ولكن ماذا عن الشكوك الغربية في الصلاحيات التي لدى الرئيس الإيراني حسن روحاني للتفاوض، خصوصاً بعد إلغائه اللقاء مع الرئيس الأميركي باراك أوباما والتعذر بتعقيدات داخلية؟

يرد هاديان: «لا. عدم اللقاء كان قراره هو (روحاني)، ومن ثم قام بمكالمة هاتفية. كان هناك بعض من يعارض هذا الاتصال، ولكن بالتأكيد الغالبية العظمى تدعمه».

 

المصدر: صحيفة السفير اللبنانية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*