تحليلات غربية: هجمات ’داعش’ في الخارج دليل على أنه ’يتألّم’

 

كشف مدير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية “سي أي إي” جون برينان عن إجرائه محادثات مع نظيره الروسي خلال الاسابيع الاخيرة حول سبل مواجهة التهديد الارهابي، في وقت رأى عدد من الباحثين الغربيين أن لجوء “داعش” إلى تنفيذ عمليات ارهابية في الخارج سببه الخسائر الميدانية التي تتلقاها الجماعة، ودليل على فشل سياسة الاحتواء التي اعتمدها التنظيم المتطرّف.“داعش” يرد على النكسات الميدانية

وفي هذا الإطار، تطرّق الباحث في المعهد الاسترالي للسياسة الاستراتيجية “Tobias Feakin” في مقالة نشرها على الموقع الخاص بالمعهد على شبكة الإنترنت، إلى تحول في التهديد الذي يشكله تنظيم “داعش” على ضوء هجمات باريس، معتبراً أنه يخلق مشاكل كبيرة لأجهزة أمن الدول ويطرح اسئلة حقيقية حول كيفية التعاطي مع “داعش” على المدى الطويل”.

ورأى الكاتب أن الأسبوعين الماضيين كشفا عن قدرة “داعش” على تنفيذ مختلف العمليات الارهابية، فقد تمكن التنظيم من وضع جهاز متفجر على متن طائرة مدنية (في إشارة إلى إستهداف الطائرة الروسية)، وتنفيذ تفجيرات انتحارية عديدة (كتفجيرات برج البراجنة)، وعمليات منسقة إستهدفت العديد من المواقع وتضمنت احتجاز الرهائن واعدامات ميدانية (هجمات باريس).

وأكد الكاتب على أن “داعش” قد طورت قدرتها على تنفيذ مختلف الهجمات التي من شأنها أن توقع أعداداً كبيرة من الضحايا، مع مستوى عال من التنسيق والتخطيط. واعتبر أن تنظيم “القاعدة” لم يكن يوماً قادراً على القيام بتلك الهجمات حتى عندما كان في قمة قوته”.

وأشار الكاتب إلى أن العمليات التي قام بها التنظيم المتطرّف ترتبط بشكل مباشر بكون التنظيم “يتألم في سوريا والعراق”، حيث يخسر الاراضي والدعم، ولفت في هذا الاطار إلى أن الضربات التي يشنها “التحالف الدولي”، إضافة الى الأداء الفاعل للقوات البرية “المحلية” على الارض تظهر نتائج حقيقية. غير انه حذّر من ان رد “داعش” واضح، وهو “نقل المعركة الى ساحة الاعداء”. ووضع ذلك في اطار “العمل اليائس”، لكنه حذر من محاولات القيام بهجمات مماثلة في المستقبل، معتبراً أن ذلك يخلق مشاكل حقيقية لجهة كيفية التعاطي مع هذا التهديد.

وأكد الكاتب على ضرورة أن تجري قوات الأمن في أستراليا “تقييماً سريعاً وممنهجاً” حول مدى استعدادها لمثل هكذا هجمات، وأن تبدأ التخطيط لحصول سيناريوهات مشابهة.

ورأى أن ما حصل في باريس يظهر مدى صعوبة التعامل مع هكذا تهديد، على الرغم من التدريبات على سيناريوهات مشابهة. وأشار إلى أن المشكلة التي ستواجهها الاجهزة الامنية تتمثل بتقييم قدرتها على الرد على مختلف انواع الهجمات، والتي قد تقع في مواقع مختلفة الامر الذي يتطلب تخصيص كافة الموارد التي هي بحوزة هذه الاجهزة”.

وعلى ضوء ذلك، شدّد الكاتب على أن السلاح الأمضى لمنع وقوع أي هجوم إرهابي يتمثل بالمعلومات الاستخباراتية القوية، مشدداً في هذا السياق على أهمية التنسيق الاستخباري الدولي. ونبّه الكاتب إلى أن “داعش” ترغب بإثارة الإنقسامات وخلق حالة عداء تجاه اللاجئين الذين يتدفقون الى أوروبا، كما ترغب بصعود المعسكر اليميني الاوروبي بغية تغذية الانقسامات السياسية المتزايدة، متوقّعاً بالتالي المزيد من الهجمات التي قد تستهدف اوروبا بهدف زرع المزيد من الانقسامات.

التصدي للفكر الوهابي

وتحت عنوان “الوهابيون السعوديون هم العدو الحقيقي”، كتب الصحافي اللبناني الاميركي المعروف “نسيم نقولا طالب” مقالة نشرتها مجلة “بوليتيكو”، انتقد فيها السياسة الغربية المتبعة لمحاربة الارهابيين منذ هجمات الحادي عشر من أيلول. وقال إن هذه السياسة هي بمثابة معالجة العوارض مع التغاضي عن المرض بحد ذاته، الذي يمثّله الفكر الوهابي.

الكاتب رأى أن صنّاع السياسة في دول الغرب قد سمحوا بنمو الارهاب من خلال تجاهل جذوره، الأمر الذي أدى برأيه إلى خسارة جيل بأكمله،حيث قال :”إن من ارتاد المدرسة الثانوية في السعودية عقب احداث الحادي عشر من ايلول اصبح الآن ناضجاً” و يدعم العنف السلفي ويرغب بالتالي بتموليه”.

الأسوأ من ذلك يقول الكاتب، هو ان الوهابيين كثفوا مساعي غسل دماغ الآسيويين الشرقيين والغربيين على حدّ السواء من خلال مدارسهم، وذلك بفضل الارباح النفطية.

وعلى ضو ذلك، اعتبر الكاتب انه وبدلاً من استهداف الارهابيين الأفراد وبالتالي خلق أعداد أكبر منهم، من الاسهل تركيز الجهود على مصدر كل هذه المشاكل أي بطبيعة الحال الثقافة الوهابية المتعصّبة التي تعتبر الشيعي او الايزيدي او المسيحي شخصاً منحرفاً.

وتابع الكاتب انه اذا كان لا بد من وضع الناس في سجن غوانتانامو، فسيكون أكثر فاعلية بكثير ارسال الدعاة السلفيين ورجال الدين الوهابيين الى هناك، وليس فقط من يتأثّر بتعاليمهم، واذا كان العنف لا بد منه، فيجب أن يوجّه ضد “ممولي العنف السعوديين والقطريين، اضافة الى المنظرين السلفيين، بدلاً من المنفذين الشباب”.

تنسيق استخبارتي اميركي روسي

في غضون ذلك، نظّم مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية مؤتمراً في واشنطن تحدث خلاله مدير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية “جون برينان”، كشف خلاله الأخير عن أنه وعلى رغم وجود “خلافات سياسية حقيقية” مع روسيا في سوريا، فقد أجرى “العديد من المحادثات مع نظيره الروسي خلال الاسابيع الماضية حول سبل تعزيز التعاون الاميركي الروسي في مجال مكافحة الارهاب، وتحديداً بشأن التهديد الذي تشكله داعش”.

وأوضح برينان أنه أجرى العديد من المحادثات مع نظيره الروسي خلال العام الحالي، بما في ذلك في مرحلة ما بعد دخول القوات الروسية الى سوريا، وشدد على أن هذه الخطوة أبقت على العلاقة مع روسيا مستمرّة، وأضاف أن هذه المحادثات “تركز على ما قد نقوم به معاً من اجل محاولة منع تدفق الافراد من والى مسرح العمليات”. واشار في الوقت نفسه الى أن “ما يزيد عن الفين – و ربما ثلاثة آلاف — مواطن روسي قد دخلوا منطقة سوريا و العراق آتين من القوقاز، من الشيشان و داغستان و مناطق اخرى”. كذلك لفت الى وجود شيشانيين من بين القادة الكبار لدى “داعش”.

وحذر برينان من ان هجمات باريس ليست عابرة، ورجح بأنه تم التخطيط لها بدقة على مدار اشهر عدة، متوقعاً ان “داعش” بصدد التخطيط لهجمات مستقبلية، مشيراً إلى أن الارهابيين تعلموا كيفية إبقاء أنشطتهم مخفية عن السلطات.

وكشف برينان أيضاً عن أنه يلمس عند لقائه نظرائه من بلدان اخرى، خشية حقيقية من عدم الاستقرار، حتى من “مسؤولي الحكومات التي ربما تساهم بتفاقم المشلكة”، على حدّ تعبيره.

كما اشار برينان الى ان الالعاب الاولمبية التي اقيمت بمدينة سوتشي في قلب القوقاز عام 2012 قد عززت التعاون الاستخباراتي الاميركي الروسي. وأعرب عن رغبته بمواصلة هذا التعاون “بغض النظر عن الخلافات السياسية حيال سوريا”.

هذا وقد شارك بالمؤتمر ايضاً وزير الخارجية الاميركي الاسبق هنري كسنجر الذي اعتبر أن اكثر المخاوف الاستراتيجية لدى روسيا هو ان يؤدي ترسيخ تواجد الانظمة الراديكالية في الشرق الاوسط الى وصول الراديكاليين الى روسيا. وقال إن “روسيا تحاول منع نشوء ومنع تقوية هذا النوع من التهديد الراديكالي، لذلك فإن أهدافهم تشبه أهدافنا”.

“داعش”..”الدولة” الإرهابية

وتحت عنوان:”كيف اعلنت الدولة الاسلامية الحرب على العالم” كتب الباحث الاميركي ويليام مكانتس، الباحث الأميركي المتخصص في مجال الجماعات المتطرفة، محذّراً من أن “داعش” ظهر “على مدار الأسبوعين الماضيين كإحدى أكثر الدول الإرهابية عدوانية”. ولفت الى انه “بحوزة داعش ملايين الدولارات من اجل تمويل مغامراتها العسكرية بالداخل و الخارج”.

الكاتب حذر من انه اذا كانت “داعش” قد اضافت العمليات في الخارج الى نفقاتها، كما تدل الهجمات الاخيرة، فإن الاحتمالات وخيمة. واشار في هذا الاطار الى أن “داعش” تمتلك ثروة الدولة، وتطمح لأن تكون قوة امبريالية، ولديها كذلك لائحة من الاعداء. على ضوء ذلك وصف “داعش” بانها بمثابة تنظيم “القاعدة” الذي “يفتقد أكثر الى الضمير”، والذي يملك عدداً أكبر من العناصر، وكمّية أكبر من الأموال”.

ولفت الكاتب الى ان ميزانية “داعش” تتراوح بين مليار وملياري دولار في العام الواحد، ما يعني انها أغنى من بعض الدول مثل بورما وموريتانيا. كما أشار الى أن هذه الارباح تتخطى بكثير ما يمتلكه تنظيم “القاعدة”، الذي استطاع خلق الاضطراب بشكل أقل من “داعش”.

وبينما أشار الى أن الدول الراعية للارهاب عادة ما تدعم الوكلاء لأنها لا تريد إعلان مسؤوليتها، قال إن هذا لا ينطبق على “داعش”. فتحدث عن اعلان التنظيم مسؤوليته عن هجمات باريس، وأكد أن “داعش” تريد ان يكون اعدائها الخارجيين على علم بأنها قادرة على إلحاق خسائر كبيرة داخل مجتمعاتهم المدنية.

وشدد الكاتب على ان السياسات المعتمدة من قبل المجتمع الدولي في التعاطي مع الدول الراعية للارهاب لن تنجح مع “داعش”، حيث ان الاخيرة ليست جزءاً من النظام الدولي وبالتالي لا يمكن فرض حظر تجاري او تجميد لحساباتها المصرفية. ولفت إلى أن الحظر على بيع السلاح لن ينجح ايضاً، حيث ستواصل “داعش” الاستيلاء على الاسلحة من الاعداء او شرائها من السوق السوداء.

واعتبر الكاتب أن الهجمات التي تستهدف المدنيين، كتلك التي حصلت في باريس، تهدف إلى إجبار الحكومات على تغيير سياستها. واستبعد الكاتب أن تتوقف هجمات “داعش” في الخارج خلال المدى القريب، متوقعاً مواصلة ضرب “الاعداء البعيدين” بينما تنهار حكومة “داعش” في سوريا و العراق. كذلك حذّر من ان التنظيم قادر على الانتقال الى ساحات اخرى مثل ليبيا، والعمل من هناك.

غير ان الكاتب اشار الى ان هجمات “داعش” الاخيرة ربما “دفعت أخيراً المجتمع الدولي إلى التحرك من أجل منع وقوع المزيد من المجازر كتلك التي وقعت في باريس”. و توقع أن تشهد “داعش” انهياراً تدريجياً لحكومتها وأن تخسر القدرة على السيطرة على مناطق جديدة جراء المزيد من العمل الدولي المنسق ضدّها.

فشل استراتيجية الاحتواء

من جهته، كتب الضابط الاميركي السابق في مجال مكافحة الارهاب “Clint Watts” مقالة نشرت على موقع “War on the Rocks”، اعتبر فيها أن الهجمات الارهابية الثلاث الاخيرة التي نفذتها “داعش” (اسقاط الطائرة المدنية الروسية وتفجيرات برج البراجنة وهجمات باريس)، انما تدل على عدم نجاح استراتيجية إحتواء الجماعة.

ورأى الكاتب أن المسار الذي سلكته حركة الشباب في الصومال لجأت إلى الهجمات الارهابية التي استهدفت اولاً العاصمة مقاديشو، قبل ان تتوسع اقليمياً من خلال شبكة الدعم الموجودة في القرن الافريقي. و اضاف ان العبرة المستخرجة هي ان الجماعة المتطرفة التي تبدأ بخسارة المناطق التي استولت عليها، سيكون لها حوافز كبيرة للجوء الى العمليات الارهابية التي تسمح بتحقيق نتائج كبيرة بتكلفة اقل.

وتحدث الكاتب عن خسارة “داعش” للاراضي التي تسيطر عليها وعن مقتل الكثير من قواتها في المعارك، معتبراً ان ذلك يتطلب منها تقديم النجاحات من اجل الحفاظ على المناصرين. بالتالي  نبّه إلى أن على “داعش” اللجوء الى الهجمات الارهابية في حال تعذر تحقيق النجاحات الميدانية.

و لفت الكاتب الى ان الغرب وقف متفرجاً لاعوام بينما تدفق عدد غير مسبوق من المقاتلين الاجانب الى سوريا و التحقوا بـ”جبهة النصرة” و”داعش”، محذراً من أن بعضاً من هؤلاء قد عاد منذ اشهر او اعوام. و اشار الكاتب الى أن استخدام الأحزمة الناسفة في تفجيرات باريس بشكل غير مسبوق في الدول الغربية يفيد بوجود شبكة اروبية كبيرة لتسهيل العمليات الارهابية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*