تقرير شامل من #دمشق: ماذا بعد #جرابلس؟

1280x960 (59)

محمد بلوط – صحيفة السفير

جو بايدن نائب الرئيس الأميركي، لن يُخرِج القوات التركية من سوريا قبل ان تنهي محاربة “داعش”، وستبقى ما لزم الامر. الصعود التدريجي التركي في توضيح اهداف عملية الغزو، وصل الى ما قاله ايضاً وزير الدفاع التركي بأن الجيش التركي سيبقى في المنطقة (الآمنة) ولن ينسحب الا بعد ان تتمكن مجموعات “الجيش الحر” من بسط سيطرتها على كامل تلك المنطقة، بحسب ما جاء في صحيفة “السفير”.

وأشارت “السفير” إلى أن الامر يفتح الباب امام توزيع النفوذ في سوريا أيضاً، بين حلفاء واشنطن المتخاصمين. المعارضة المسلحة في ريف حلب الشمالي، الاكراد وفدراليتهم شرق الفرات، الجيش التركي على ابواب حلب، وفي المنطقة الآمنة على شطر من الحدود بين عفرين وجرابلس، لاحتواء الاكراد و… الجيش السوري، وانشاء خط تماس لأول جيش “اطلسي” مباشرة، مع الايرانيين والروس في حلب، وتهديد مشروع الروس والسوريين بتقصير امد الحرب، بمحاصرة حلب.

كل تلك المؤشرات شجعت المعارضة والأتراك على رفض العرض الروسي بهدنة 48 ساعة اسبوعية انسانية في حلب. الوسيط الدولي ستيفان دي ميستورا تلقى جواب المعارضة المسلحة بالأمس، ولم يبقَ امامه سوى الاستقالة او انتظار ادارة هيلاري كلينتون العام المقبل، لعقد جولة جديدة من جنيف. الاتراك والاميركيون يفضلون استمرار الحرب لاستنزاف الروس والسوريين، والتوجه بعد جرابلس الى منبج والباب… وحلب.

وبحسب الصحيفة فإن الامر “احتلال تركي ـ اميركي” تدريجي لريف حلب الشمالي، يذهب اوسع وابعد من المنطقة الآمنة التي تمّ الاتفاق عليها بين الاتراك والاميركيين. ابعد من التسعين كيلومتراً التي ستفصل عفرين الكردية في الغرب، عن شقيقتها عين العرب كوباني، واعمق بكثير من الثلاثين، وربما الخمسين كيلومتراً، التي تمتد ما بين جرابلس حتى مدينة الباب، وربما حلب التي يتطلع الأتراك الى تحويل عمليتهم نحوها، بعدما امروا “داعش” بالانسحاب من جرابلس وتجميع قواته مع كتائب الخلافة التي تضم ما لا يقل عن خمسة آلاف مقاتل من قوات النخبة. وقد بدأوا شنّ عملياتهم على خطوط إمداد الجيش السوري في خناصر، نحو حلب، والاحتشاد لمهاجمة مطار كويرس، حيث تتمركز الوحدات الاساسية من الافواج الخاصة، التي يقودها العقيد سهيل النمر. وهي الافواج التي تقوم بدور محوري في مواجهة جيش الفتح “التركي” في الكليات العسكرية، وهي رأس الحربة ايضاً في عمليات اغلاق ثغرة الراموسة، جنوب المدينة، مع قوات الحرس الجمهوري، ومقاتلي “حزب الله” ومجموعات “النجباء”، والحرس الثوري الايراني.

فرقة موسيقى عسكرية عند بوابات قرقميش التركية مع جرابلس السورية، الدبابات تتمهل امام المنصة، لرد تحية من يعزفون نشيد الحرب العثمانية. الفرقة أخرجت من ارشيفها النشيد الذي لم يعزف منذ قرن تقريباً، عندما غادرت العام 1918 آخر فرق الجيش العثماني، ولاية الشام بعد اربعة قرون طويلة من الاحتلال التركي لسوريا. النشيد العثماني ليس وحده العائد الى جرابلس، الاحتلال المنسي يعود الى المدينة السورية، مع دبابات الجيش الثالث التركي، ووحدة من قواته الخاصة.

المدينة السورية مجدداً تحت الاحتلال التركي المباشر. التوافق التركي ـ الأميركي على احتلال جرابلس استغرق ثلاثة اعوام من التجاذبات بين باراك اوباما ورجب طيب اردوغان انتهت الى اقناع الاتراك بارسال جيشهم الى سوريا، والتحول الى القوة البرية التي اراد الاميركيون استخدامها ضد الجيش السوري، وانتزاع الشمال السوري من دمشق، وضمان “منطقة آمنة” للمجموعات المسلحة التي تعمل بإمرة الاستخبارات الاميركية.

البنتاغون استعاد المبادرة عبر عملية “درع الفرات”، ووضع جميع اللاعبين من خصوم الجيش السوري، مجدداً تحت مظلته. الاكراد والاتراك و”داعش” ومجموعات المعارضة السورية المسلحة، بدوا جميعا مع الغزو التركي لمدينة جرابلس، اوراقاً اميركية متفاوتة الأدوار، في السيناريو الذي بدأ عند السادسة من فجر امس الاول، مع دخول 15 دبابة تركية، وتحت غطاء جوي مشترك أميركي ـ تركي الى الأراضي السورية.

تركيا

وأضافت “السفير”: اولا الاتراك الذين قرروا في مجلس الوزراء في 20 آب، تجاوز الحدود السورية التركية، عند قرقميش، نحو المدينة السورية، من محاورها الشمالية والغربية، يوافقون اخيرا على لعب الدور الذي كان الاميركيون قد عرضوه عليهم قبل ثلاثة اعوام. الرئيس اوباما كان قد طلب منهم التدخل عسكرياً، كما قال في مقابلته الشهيرة لصحيفة “اتلاتنيك”، قبل اشهر.

القبول التركي كان مشروطاً بمواكبة القوات الاميركية لوحداتهم. الاميركيون رفضوا آنذاك، فسقط المشروع موقتاً ريثما تنضج الورقة الكردية. وعندما زاره جوزف فوتيل الجنرال الاميركي، وقائد المنطقة الوسطى، كان رجب طيب اردوغان قد استنفد المهلة المعطاة له لاخراج “داعش” من ريف حلب الشمالي كما طلب الاميركيون. تم ابلاغهم عندها، ان البنتاغون سيقوم بدعم عملية كردية غرب الفرات، فيما يتعدى الخطوط الحمر التركية، التي تعتبر تجاوز النهر من شرقه عبر سد تشرين، الى منبج، ليس مجرد قيام كيان كردي يمكن استيعابه واستتباعه اقتصادياً وسياسياً، كما جرى مع كردستان العراق، الذي يبيع نفطه عبر جيهان التركية، وتجري امواله عبر مصارف اسطنبول، وحتى ان محطات الطاقة، وشبكات الكهرباء يمكن اطفاؤها بكبسة زر من اسطنبول.

الأميركيون

وبحسب الصحيفة إن القرار الاميركي بدعم حزب العمال الكردستاني في سوريا، وحتى توفير العبّارات التي حملت اسلحة المقاتلين الاكراد عبر الفرات، رأى فيها الاتراك بداية ارتسام قاعدة خلفية لحزب العمال الكردستاني في سوريا، لتوسيع نشاطه المسلح في التجمعات السكانية الكردية الكبرى جنوب الاناضول التي تدور فيها منذ عام حرب مدن حقيقية، اصابت بدمار كبير ديار بكر، ونصيبين وعشرات البلدات والقرى الكردية، ويلوح عبرها التهديد بتقسيم تركيا نفسها.

الاتراك في “درع الفرات” عادوا ورضخوا للمطلب الاميركي بعد طول ممانعة. والعملية ليست سوى انتاج لفكرة قديمة، عن المنطقة الآمنة التي اعلن الاتراك والاميركيون مرارا التفاهم حولها. ولكن اهم ما في «درع الفرات» هو انها تجسد التفاهم التركي الاميركي حول الدخول الى سوريا، وانه يحدث في ذروة سجال وتحليلات عن خلافات اميركية تركية لم تتوقف منذ اسابيع، بل ورهانات بانتقال تركيا من “الناتو” الى محور تركي ايراني روسي، بعد انكشاف التورط الاميركي بتدبير الانقلاب الفاشل، بل واغتيال رجب طيب اردوغان، الذي ملأ سجون تركيا بعشرات الآلاف من المتآمرين. هذا التلاقي يحدث على حساب سوريا اولا، وعلى حساب الاكراد بشكل خاص.

الأكراد

اما الاكراد، فيختبرون مرة جديدة، حدود الرهان على الاميركيين وخذلان الحلفاء لهم في لحظات حاسمة. نائب الرئيس الاميركي قال للاتراك ان الاكراد بدأوا بالخروج من غرب الفرات، وان واشنطن ابلغت الاكراد انهم لن يحصلوا على دعمها اذا لم ينسحبوا من غرب الفرات. المقاومة الكردية للاملاءات الاميركية كما تحدث بها جو بايدن، لم تدم طويلا. ريدور خليل، الناطق باسم وحدات حماية الشعب الكردية، رد بان “قواتنا في غرب الفرات لا يمكن ان تتراجع تحت الضغط التركي او تحت اي ضغط آخر لاننا اصحاب الارض”. بيان الوحدات الكردية بين تراجعا سريعا عن نبرة ناطقها العالية ردا على بايدن. البيان اعلن انسحابا وشيكا نحو عين العرب، العبارات الاميركية نفسها التي نقلتهم من الضفة الشرقية للفرات المحرم تركيا، تستعد لاعادتهم الى حيث اتوا. الاكراد اختبروا ايضا العطب البنيوي في حركتهم القومية. وصحة المقولة عن شجاعة شعب الجبال في القتال كما في ايران الاربعينيات في جمهورية القاضي محمد في مهاباد، او عراق الملا بارزاني والمقايضة بين صدام حسين وشاه ايران في اتفاق الجزائر، اختبروا ابداعهم في الميادين العسكرية، ولكنهم اصطدموا كالعادة بانعدام قدرتهم على تحويل تلك الانتصارات الى انجازات سياسية وكيانية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*