جرس الإنذار.. أم “سهم ذهبي” مضاد؟

  hassan-choukeir-russia-iran

موقع إنباء الإخباري ـ
حسن شقير:
ما إن حط الملف النووي الإيراني أوزاره في الرابع عشر من الشهر الماضي، حتى تسارعت حمى المبادرات المتعلقة بأزمات المنطقة بمعظمها، وذلك دفعة واحدة، ولأجل هذا، كثُر الحديث عن تلك الإنعكاسات الحتمية لذاك الإتفاق التاريخي على هذه الملفات جميعها، وإن اختلف أهل التحليل والسياسة حول طبيعة وكيفية الإنعكاس تلك.. من جازمٍ بأن عُقد المنطقة وُضعت بشكل آلي على دروب الإتفاق، إلى معتقدٍ بأن في الأمر شيئاً من المبالغة في التعويل على ذلك… وصولا ً إلى وجهة نظرٍ ثالثة – وأنا من متبنيها – ، تعتقد بأن آلية الإنعكاس تلك، لهي مرآةٌ حتمية في ولوج مسارها، وخصوصاً بأن فن التفاوض النووي الإيراني، ونتائجه التي انبثقت عنه، لا بد أن تسير به إيران ومعها محور المقاومة والممانعة، في باقي الملفات الأخرى في المنطقة ، وذلك بتطبيق – ما اسميته سابقاً ـ “إستراتيجية تضييق الخيارات في التقليدي، بعد النووي”.
إنطلاقاً من ذلك – وبحسب اعتقادي – كانت المبادرة الروسية المفاجئة – اللامفاجئة، بالدعوة العاجلة إلى تشكيل جبهة موحدة في المنطقة لمكافحة الإرهاب، والذي يعتقد بخطورته جميع الأضداد – وإن ظاهراً –  وذلك كمدخل أساس لولوج الحل السياسي في سوريا تحديداً، ومن هذه المبادرة أيضاً، كان ترتيب اللقاء – المعجزة في السعودية ما بين اللواء المملوك وولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والذي أعقبته تلك اللقاءات المكثفة لكلٍ من وزراء خارجية إيران وروسيا وأمريكا في الدوحة، وذلك في سبيل البحث عن مبادرة توافقية لحل الأزمة السورية، وصولا ً إلى طرح وزير الخارجية الإيراني في مقالة له، لفكرة “مجمع الحوار الإستراتيجي” بين دول المنطقة… لتختتم هذه المبادرات بلقاءات روسية مكثفة مع وفود المعارضة السورية، وذلك بهدف إعادة إحياء مساري موسكو وجنيف معاً، بحيث تكامل كل ذلك مع طروحات دي مستورا الأربع في مبادرته الأخيرة.
جملةٌ من التطورات المهمة، حصلت مؤخراً، والتي ترافقت مع بعضٍ من التصريحات اللافتة لبعض من أصحاب القرار والشأن في أزمات المنطقة، والتي لا بد من التوقف عندها، كونها قد تؤشر إلى نوعٍ من الإنعطافات المفصلية في الوجهة التي ستسلكها أزمات المنطقة برمتها على وجه العموم، وفيما خص الحرب على سوريا على وجه التحديد..
انجلت غبرة الحراك الدبلوماسي الدولي المكثف أعلاه، عن جملة من الاستنتاجات المهمة، والتي عُبِّرَ عنها بجملة من المواقف الدولية الدالة على حقيقة الموقف من أزمات المنطقة فيما بعد الإتفاق النووي، فكانت تصريحات بعض مسؤولي  روسيا حول “كذب أمريكا ” حول الأهداف الحقيقية المعلنة لبناء الدرع الصاروخية في أوروبا، بأنها أهداف مخادعة، وأن هذه المسألة، وتشبث واشنطن بإكمال المشروع ، يدللان على البعد الروسي الحقيقي في إتمام ذلك المشروع، بعيداً عن الإدعاءات الأمريكية السابقة، بأنه مرتبط بصواريخ إيران البالستية، وهذا يدلل على أن فجوة الثقة في العلاقات الروسية – الأمريكية  لا زالت عميقة، وأنهما لا يزالان في كباش مخاض تشكيل النظام العالمي الجديد، والتي لم تتحدد أو تقتسم مناطق النفوذ بينهما لغاية الآن، هذا فضلاً عن بقاء الملف الأوكراني في مربع التجميد، وليس الحل لغاية الآن …
ما ينسحب على الملفات أعلاها، ينسحب أيضاً على سوريا، وقد ظهر التباين جلياً في الدوحة واللقاءات الثلاثية، ومن ثم في موسكو، مع زيارة وزير الخارجية السعودي إليها مؤخراً، والتي أظهرت عمق الخلاف والتباين في الرؤيتين الروسية والسعودية، ومن خلفها الأمريكية، في مقاربة هذا الملف..
تطورٌ مهم آخر يحصل اليوم في الميدان السوري أيضاً، والذي يتعلق بذاك الإتفاق الأمريكو- تركي حول محاربة داعش، وما يحصل بينهما من غموض وتعمية مقصودتين، حول تفسيرهما للمنطقة الآمنة في الشمال السوري، وما يرافق ذلك من مباركات لبعض الفصائل والمجموعات الإرهابية المصنفة في خانة “الاعتدال” لذاك التفاهم الأمريكي على إقامتها، والإستعداد لدى هؤلاء لملأ فراغ الدواعش منها، والذي يبدو أن مخطط ديمبسي لتلك المنطقة، قد تخطى المرحلة الأولى، إلى المرحلة الثانية، والتي تحدث عنها في تشرين الأول من العام الماضي، بضرورة “إيجاد كيان سياسي وعسكري موحد للمعارضة المعتدلة في سوريا”، والذي نخشى أن يصبح لاحقاً واقعاً على الأرض، تمهيداً لمراحل أخرى قد تكون رُسمت مسبقاً، ولم يحن أوان تنفيذها بعد..
ما يحصل في اليمن اليوم من تطورات ليست لصالح أنصار الله والجيش اليمني، وما يرافقها من تهديدات خليجية، وتحديداً سعودية لبعض من المكونات السياسية اليمنية، بالتدمير تارة ً، والعزل السياسي تارةً أخرى، يدللان أيضاً على أن الأزمة اليمنية، ومسار التفاوض في عُمان، تسير في طريق ما يسميه البعض “التوقيع بالتركيع”، والذي يُراد فرضه على بعضٍ من أطياف السياسة اليمنية، وأن “الانتشاء بالنصر” لا زال يُدغدغ أركان التحالف السعودي هناك….
ولكن، وبالعودة إلى سوريا، فإنه – وفي خضم ما ذكرناه سابقاً – برزت عدة تطورات ملفتة في الشأن السوري، والتي اعتقد بأنها محورية ومفصلية في هذا التوقيت بالذات من عمر الحرب عليها، والتي تجلت في
– مد سلالم النجاة والتلاقي الروسية في خطوة تُعبّر عن رغبة صادقة في إيجاد تكاتف وتآزر الأضداد لحل الأزمة السورية، ومعالجة مشكلة الإرهاب، بعيداً عن صفة الغالب والمغلوب …
– الطرح الجريء للمبادرة الإيرانية المعدلة، والتي تسرب منها، يُعبّر عن مدى سعتها لما يمكن أن تطالب به بعض القوى الدولية والمحلية للقبول بها، وجعلها مرتكزاً وقاسماً مشتركاً عند مختلف أطراف الأزمة، ببعديها الداخلي والخارجي..
– تصريحات وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف، وذلك بعيد لقاءاته المكثفة مع بعضٍ من أطياف المعارضة السورية… بأن روسيا ” لم تعد تقبل ببقاء الوضع الحالي في سوريا على حاله، وأن ذلك مرفوض روسياً” (كلام جديد وله دلالات ومؤشرات)
– إعلان مصادر روسية عن تزويد سوريا – وإن كان ضمن اتفاقات سابقة – بطائرات حربية متطورة جداً، وصواريخ موجهة و حديثة… بالإضافة إلى وصول هذا النوع من الصواريخ مؤخراً إلى اليمن!!  وهذا أيضاً له دلالاته في تلك الساحتين، بحيث أن أمريكا وتحالفها بتخطيها بعض من الخطوط الحمراء في بعض ميادين الإشتباك، سيدفع روسيا أيضاً إلى اللعب في الميدان ذاته..
– دلالات الزيارة المنفية روسياً  بشكل ملتبس، والمؤكدة أمريكياً، للقائد في الحرس الثوري الإيراني الجنرال سليماني إلى موسكو.. ومدى ارتباطاتها بملف الإرهاب ومكافحته في المنطقة..
السؤال الذي نطرحه: هل يمكن لهذه التطورات التي ذكرناها أن تكون فعلا ً  مفصلية في مسار الأزمة والحرب على سوريا؟ وهل يمكن اعتبارها واقعاً أشبه بجرس إنذارٍ روسي – إيراني  لكل من يعنيهم الأمر في سوريا؟
لماذا نطرح هذا التساؤل؟ هل من مؤشرات فعلية  تدلل على أن روسيا وإيران قد شارفتا على قرع جرس الإنذار في سوريا؟
الإجابة – بحسب اعتقادي – هي نعم … ولكن لماذا؟
– أولاً: الإتفاق النووي يُفترض به أن يُشكل أرضية صالحة لمقاربة باقي الملفات في المنطقة، وذلك وفقاً لمعادلة رابح – رابحـ إن كان هناك نوايا صادقة فعلاً.
– ثانياً: التدخل المباشر – وليس من الخلف – لقوى التحالف السعودي في اليمن، ومحاولتهم قلب الموازين لصالحهم هناك، وبنسبة وازنة لهم، مع بقاء الإعتراض الإيراني على ذلك ضمن حدوده المعقولة وحتى الدنيا أيضاً!! وذلك باعتقادي أيضاً، لهو سلم نجاة إيراني جديد نحو المملكة، لكي تقارب الملف السوري بنظرة مختلفة تماماً هذه المرّة ..
ـ ثالثاً: تزايد الاندفاعة الإرهابية في سوريا إلى مناطق استراتيجية وحساسة داخلياً وخارجياً، وهذا تطور خطير، لا يمكن لكل من يعنيهم الأمر من لاعبين محليين ودولتيين في الشأن السوري بأن يسلّموا بذلك، لأن هذه التطورات الميدانية تلامس بلا شك خطوطهم الحمراء….
ـ رابعاً: إدراك روسيا وإيران وسوريا والمقاومة بأن مشروع هيلاري كلينتون، الذي طرحته بعد مؤتمر ” الدعم لأفغانستان الجديدة ” في صيف ال ٢٠١٢، حول “حتمية التدخل الدولي في سوريا تحت بند الفصل السابع”، بأنه مشروعٌ قد تنفض أمريكا الغبار عنه، فيما لو أوحي أو سُمح للإرهابيين البرابرة بارتكاب مجازر مروعة في بعض المدن والبلدات السورية، والتي تجعل من التدخل الدولي عندها مطلباً دولياً، لا يستطيع أحد الاعتراض عليه، ولو حتى أخلاقياً … فمحور الممانعة وروسيا معها، يعتقدان بأن الإرهاب ما هو إلا ّ عاملٌ حيوي في خدمة المصالح الصهيوأمريكية تحديداً.
ـ خامساً : اقتراب المشاريع الأمريكية وتحالفها في المنطقة من خطوات عملية، لفرض التقسيم المقنع في سوريا، وتحديداً من شمالها، وذلك لفرض نموذج، قد يكون  مغرياً لمناطق أخرى فيها ..
ـ سادساً: الرفض المطلق من قبل روسيا، ومحور الممانعة معها،  لمشروع أمريكا بإبقائهم في مربع الإستنزاف المديد لهم في سوريا والمنطقة برمتها، نظراً لما لذلك من تداعيات فوق استراتيجية عليهم، لا مجال للتفصيل فيها حالياً…
بجملة واحدة، ربما يكون جرس  الإنذار الروسي الأخير، من أولى مؤشرات “السهم الذهبي المضاد” في سوريا واليمن … إلا ّ إذا، وهذا يتوقف – تحديداً – على إنصات  آذان أمريكا وحلفائها في المنطقة.

باحث وكاتب سياسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*