دخول مباشر للاعبين الدوليين في سوريا ـ حركية الصراع في الشرق الاوسط

lina-balaghi-middle-east

موقع إنباء الإخباري ـ
د. لينة بلاغي:

أواخر العام 2010 قام الشاب التونسي طارق البوعزيزي باشعال النار في نفسه في احد شوارع تونس فاتحا الباب دون ان يدري لتاريخ جديد لمنطقة الشرق الاوسط خصوصا والعالم عموما .
في اقل من ثلاثة اشهر شهدت المنطقة سقوط ثلاثة انظمة ، التونسي والمصري والليبي ، سقوط يحمل من وجهة نظر جغرافية الكثير من علامات الاستفهام ، الترابط الجغرافي فيما بينها اولا ، ثم كونها تتميز نسبيا بمساحات جغرافية شاسعة ، ترابطها مع العالم الاسلامي عموما والعربي خصوصا ، الى جانب موقعها من الساحل الشرقي للمتوسط الذي شكل انطلاقة فاشلة نسبيا ” لشرق اوسط جديد ” عام 2006 .
ان تحديد وترتيب الخصائص التي تميز دول هذه المنطقة (1)، بناء على الاهمية، تحديدا لبنان وفلسطين، انطلاقا من وصف المعطيات وتحليلها نوعيا وكميا ، ساعد في التوصل الى جملة من المعطيات التي تساهم في تأكيد ان منطقة الساحل الشرقي للمتوسط تلعب دورا اساسيا في المعادلات الدولية نظرا لتمتعها بخصائص ومميزات ، ياتي في طليعتها الموقع الجغرافي ، لفلسطين من منطلق ذاتية موقعها ، او للبنان من منطلق موقعه الجغرافي بالنسبة لفلسطين ، الى جانب تاكيد اهمية موقع هذين البلدين في المعادلات الدولية لجهة اهمية اسرائيل كقاعدة عسكرية لامريكا في منطقة حيوية ، ولجهة العامل الديني والثقافي … ومن بين معطيات التحقيق الميداني (2)، كان هناك توقع لحرب جديدة في المنطقة ( بلوك غربي واخر شرقي ) رغم اختلاف وجهات نظر المستطلعين حول اسبابها من اقتصادية الى ايديولوجية ….
عشية سقوط حسني مبارك في مصر وبداية الازمة في ليبيا ، طرح السؤال التالي ، لماذا شمال افريقيا او بمعنى ادق ، لماذا الساحل الجنوبي للبحر المتوسط ؟
في توصيف سريع للواقع في الساحل الشرقي للمتوسط ، يمكن القول ان دول الساحل الشرقي للمتوسط ، باستثناء سوريا نسبيا ، تتمتع بمساحات جغرافية صغيرة جدا اذا ما قيست بالدول الكبرى ، تجتمع فيها معطيات دينية ، ثقافية ، اقتصادية ، علمية عسكرية ولاسيما بالنسبة لاسرائيل ،وغيرها من المعطيات التي تتراكم فوق بعضها البعض مما يجعل من الصعب على اي لاعب دولي الاستفراد بممارسة الضغط عليها ، نظرا لانه اذا ما اراد التفاعل مع اي ملف في هذه البقعة ، فهو مجبر على التعاطي مع مختلف الملفات مما يستدعي بقية اللاعبين الى الساحة ، على سبيل المثال ، اذا اراد لاعب دولي او اقليمي التدخل في شان داخلي صغير على المستوى اللبناني لحماية طرف ما ( منصب حكومي مثلا ) ، فانه يستدعي بذلك مختلف اللاعبين ما فوق المحليين ، والسبب ان مجمل الخصائص التي يتمتع بها هذا البلد تتراكم فوق بعضها ، وتؤثر في بعضها بعضا وفي موقع اللاعبين فيها ، محليين وما فوق المحليين ، على عكس الدول ذات المساحات الكبيرة حيث انه يسهل على دولة ما ،ان تمارس تاثيرا ونفوذا على ملف كالنفط او القومية او .. في دولة اخرى ، دون ان تستدعي مثلا نعرات طائفية او اثنية او … وشبهت الدراسة لبنان وفلسطين ، بانهما كالذرة التي يصعب شطرها وان تداعت عليهما الضغوط .
لكن هذه المواصفات تغيب بالمجمل عن الساحل الجنوبي للمتوسط ، اذا ان غالبية هذه الدول ذات مساحات جغرافية كبيرة ، مقسمة تقسيما هندسيا متعارضا نسبيا مع طبيعتها ،غير متماسكة ديموغرافيا على مستوى الجماعات البشرية وتنوع قبائلها ولغاتها ، متاكلة داخليا على المستوى السياسي والاجتماعي (3) ، وعلى الرغم من اتصالها بالعالم العربي والاسلامي وهو بيت قصيد المصالح الدولية ، لا تستدعي تلك الهبة السياسية والعسكرية الاقليمية والدولية ، الذي يستدعيه تدخل ما في الساحل الشرقي للمتوسط ، ولاسيما اذا انطلقت بالكثير من الدهاء الذي سيرته مجموعات من المجتمعات المدنية ووسائل التواصل الاجتماعي .
تعتبر المنطقة الممتدة على مساحة الخلافات الاسلامية الماضية ، وباقل تقدير المنطقة التي تشمل الساحل الجنوبي والشرقي للمتوسط مرورا بالاردن والسعودية والعراق .. وصولا الى تركيا من اكثر المناطق في العالم التي تشكل فيها فكرة الوحدة والتوحد عاملا يدغدغ عقول السكان فيها انطلاقا من معطيات دينية ايديولوجية ، وهي معطيات اساسية في تشكيل الوعي في هذه المنطقة ،وان سنة الحياه الطبيعة تسير باتجاه ” ان الارض يرثها عبادي الصالحون ” ، وبالتالي تشكل خطرا اساسيا على اي مشروع للسيطرة والتمدد الدولي اقتصاديا او لاي اسباب اخرى .وتعتبر منطقة الساحل الشرقي للمتوسط بوابة هذه المنطقة عموما ، والمدخل الى التاثير بها ، وقلبها النابض على ارجاء العالم .
لقد اعتنت الدراسة (4)بالشروط المبدئية او الاساسية التي من شانها ان تؤثر على هذه المنطقة الديناميكية ، استنادا الى نظريتي الفوضى وفيزياء الكم ، وكيف ان لشرط مبدئي في محيط ديناميكي وحساس ان يحدث اثرا بالغ الضخامة مع الوقت ، وهو ما احدثه البو عزيزي ” بمساعدة الاعلام الممنهج بمختلف مستوياته” (5 )، لاطلاق منظومة فوضى تحركت من تونس لتطال المنطقة ككل ، بالاستناد الى معطى ان المنطقة متصله جغرافيا وسياسيا واجتماعيا ودينيا وحضاريا … لكن هذه المنظومة اصطدمت ليس بقدرة الجيش السوري او غيره على الصمود فحسب ، وانما اصدمت بمعطيات الساحل الشرقي للمتوسط الذي سبق واشرنا الى بعضها ، لتتعرقل في سوريا .
ان تطبيق النموذج البياني للدراسة على الوضع السوري ، يشير الى ان عدم قدرة منظومة الفوضى ،على تحقيق النتائج التي حصلت في دول الثورات قبل سوريا ، سبب ضغطا لمختلف الدول المعنية بشكل مباشر في الصراع ما اسفر عن تغيير خطابها الدولي الاول ( اسقاط النظام السوري بشخص بشار الاسد ) ، ودفع باتجاه دخول لاعبين اقليميين كاحزاب وجماعات ( كالجيش الحر وما تلاه من احزاب وليس اخرها داعش ) في المرحلة الاولى تحت عناوين مختلفة ابرزها الديني ، لكن شدة الصراع وتداخل المعطيات الجغرافية والدينية والاقتصادية .. مجددا ، باثاره ، التي تركها على القوى الاقليمية والدولية ، وتخوفا من تبعات المعركة واثارها على النظام والخطاب الدولي ككل ، دفع باتجاه دخول اللاعبين مباشرة وبالنيابة سويا ، الى ساحة القتال ، كما حدث مع روسيا في ظل تواجد حزب الله وفيلق القدس ، ومن المرجح ان يحدث بشكل مباشر مع تركيا و السعودية بعد نيابة جبهة النصرة وداعش ، دخول من المرجح ان يكون بترحيب امريكي – اسرائيلي علني او ضمني ، ومن غير المستبعد الدخول الامريكي المباشر وفقا للمعطيات التي ستفرضها الساحة السورية في المستقبل القريب .

هوامش:

1- بلاغي، لينة / نقش مكانهاي كوچك جغرافيايي در سياستهاي جهاني مطالعه موردي: ساحل شرقي مديترانه ، طهران : تربية مدرس ، 2011 . (رسالة جامعية تاسيسية في مجال الجغرافيا السياسية والجيوبلتيك ، تحت عنوان ” اثر الاماكن الجغرافية الصغيرة على السياسات الدولية : الساحل الشرقي للمتوسط ” لجامعة تربية مدرس الايرانية ، تحت اشراف البروفسر محمد رضا حافظ نيا )
2 – المصدر السابق
3- لمزيد من الاطلاع راجع : رياض ، محمد / افريقيا : دراسة لمقومات القارة ، محمد رياض وكوثر عبد الرسول ،القاهرة : هنداوي ، 2015 ، http://www.hindawi.org.
4- بلاغي، لينة / نقش مكانهاي كوچك جغرافيايي در سياستهاي جهاني مطالعه موردي: ساحل شرقي مديترانه ، طهران : تربية مدرس ، 2011 .
5- لمزيد من المعلومات حول الموضوع راجع : الزين ، حسن محمد / الربيع العربي : اخر عمليات الشرق الاوسط الكبير ، بيروت : دار القلم الجديد ، 2013 .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*