روسيا وسوريا.. العزل والحصار في السياسة والميدان

hassan-choukeir-syria-russia-maydan

موقع إنباء الإخباري ـ
حسن شقير:

منذ أن انطلقت العمليات العسكرية الواسعة للجيش السوري في سوريا، وذلك بعيد  توفر الغطاء الجوي الروسي في الثلاثين من أيلول/ سبتمبر الماضي، أصابت الحيرة  كثرٌ من الخبراء العسكريين المتابعين للإستراتيجية العسكرية للجيش السوري وحلفائه في الميدان، وذلك بحثاً عن مزيدٍ  من وضوح الرؤية حول الخطة التي يُعمل على أساسها في الميدان وذلك في مختلف المحافظات السورية ..
بعيد الغارات الأولى للطيران الروسي، والتي غطت مختلف ساحات المسلحين على الأرض السورية، من “معتدلين” وإرهابيين على حد سواء، ازدادت معها الضبابية حول ما ذكرناه أعلاه، وانهالت الإتهامات على روسيا حول طبيعة أهدافها الحقيقية من تدخلها العسكري المباشر هناك… ولكن، وبغض النظر عن كل ما طُرح ويطرح حول حقيقة الموقف الروسي في سوريا، فإنه واستناداً إلى مسألتين أساسيتين، يمكننا تلمس الإستراتيجية العسكرية للجيش السوري على الأرض، وماهية الخطة التي يتبعها في الميدان لتخليص سوريا من الإرهاب الذي يعصف بها، فضلا ً عن حصار مشاريع تلك الدول، من أولئك الذين كانوا يستثمرون بالإرهاب، واليوم يريدون وراثته …
هاتان المسألتان تتمحوران حول رفض روسيا وسوريا لإعتبار “جيش الإسلام” فصيلا ً عسكريا “معتدلاً” وفقا للتصنيف الأمريكي والسعودي، وبالتالي فإن هذه المسألة تحدد الوجهة العسكرية على تخوم العاصمة دمشق، وقطع دابر النفوذ السياسي للسعودية على تخومها، وذلك في حال لم تصل العملية السياسية في جنيف المزمع في التاسع والعشرين من الحالي،  أو حتى في ملحقاته، إلى خواتيمها المأمولة.. ومن هنا، فإن التعنت ورفع السقوف التفاوضية من قبل معارضة الرياض بضرورة وقف الغارات الروسية وفك الحصار الذي يفرضه الجيش السوري على بعض المدن في أماكن تواجد الجناح العسكري لهذه المعارضة في محيط دمشق، فإن من بين أهدافه الأساسية عرقلة المصالحات التي تفرض على المسلحين في بعض المناطق الحيوية في سوريا، وإعادة تعويم هذه المجاميع المسلحة في بيئاتها التي تكاد تقترب من لفظها، كما حدث تماماً في مناطق حمص ومحيط دمشق بالأمس القريب، وذلك في استغلال واضح لما حذرنا منه عند صدور القرار ٢٢٥٤ في الثامن عشر من الشهر الماضي، والذي يتعلّق بإجراءات بناء الثقة.
المسألة الثانية تتعلق بالجانب العسكري للعمليات التي تحدث على الأرض،  من اللاذقية في الشمال الغربي لسوريا صعوداً باتجاه الحدود التركية، والذي يكاد يكتمل اليوم في الريف الشمالي لهذه المحافظة في جبلي الأكراد والتركمان، وذلك بعد السيطرة على مدينتي سلمى وربيعة في هذه المنطقة، وصولا ً إلى وسط سوريا على تخوم مدينة القريتين في في ريف حمص الشرقي…
بين الغرب السوري ووسطه يمكننا رؤية المشهد العسكري ضمن “استراتيجية الأصابع الأربعة” في الكف دون الإبهام، وذلك  لمحاصرة “زوايا إرهابية” ثلاثينية الدرجة – إن صح التعبير –  ورأسية في قلب الجغرافيا السورية، والتي إذا ما قُدّرَ لهذه الأصابع أن تكتمل فإنها ستصيب بالتأكيد مقتل “حرب الوكلاء” التي حذر منها لافروف في مؤتمره الصحفي الشهير في فيينا الأول مع جون كيري، وذلك عندما كانت الطائرات الأمريكية ترمي الأسلحة لمن أسمتهم في حينها “أبناء سوريا الجديدة”، هذا فضلا ً عن إصابتها لمشاريع التفتيت والتجزئة للأرض السورية – وإن بشكل مبطن – وخصوصاً في المناطق الإستراتيجية فيها ..
بدأت الخطة العسكرية الفعلية من ريفي حلب الجنوبي والشرقي على حد سواء، ومن ثم في ريف اللاذقية الشمالي، وحتى ريف حمص الشرقي… وذلك ضمن الاستراتيجية أعلاه “الأصابع والزوايا”.
ففي ريف اللاذقية الشمالي يقترب الإصبع الأول من اكتماله بالسيطرة على كامل هذا الريف وصولا ً إلى الحدود التركية ليعمل على إغلاقها في تلك البقعة، ويسدد الضربة القاضية لمشروع المنطقة الآمنة، أو “الولاية العثمانية” في الجغرافيا السورية. وبالتالي، وانطلاقاً من هذه المنطقة تبدأ بالتشكل الزاوية الإرهابية الأولى في محافظة إدلب وريفها الشمالي وصولا ً إلى الحدود التركية، والتي ستُحصر – وبحسب العمليات العسكرية الجارية – ضمن الإصبع الثاني الممتد من ريف حلب الجنوبي وصولا ً إلى الريف الغربي حتى الحدود التركية، مما يسمح بتشكل الزاوية الإرهابية الثانية  في ريف حلب الشمالي، والتي ستُحصر أيضاً من خلال الإصبع الثالث في ريف حلب الشرقي، وصولا ً إلى مدينة الباب فالحدود التركية.. وما إن يكتمل هذا الإصبع الأخير حتى تتشكل – وبشكل تلقائي – الزاوية الإرهابية الثالثة في الرقة وبعض مناطق دير الزور، والتي سيكون الإصبع الرابع الممتد من القريتين فمدينة تدمر في ريف حمص الشرقي، وصولا ً إلى الحدود العراقية، الضلع الثاني لهذه الزاوية.
إذا ما اكتملت هذه المشهدية الميدانية في سوريا، فإن الواقع الجغرافي السوري سيجعل الإرهابيين محشورين في ثلاث زواية ثلاثينية الدرجات ، رؤوسها في القلب السوري ، محاطة بأصابع صلبة، تشكل عليها إطباقاً من جانبيها، وصولا ً إلى فتحاتها على الحدود مع تركيا.
هذه الإستراتيجية العسكرية للجيش السوري وحلفائه في ذاك الحيّز من الأرض السورية، سيجعل – وبلا أدنى شك – من حرب الوكلاء الني تحدثنا عنها، بأنها حربٌ بلا أفق في الزمان والمكان على حد سواء. فمن الناحية الأولى، لا يمكن لهذه المعركة أن تكون مفتوحة ً في مداها الزمني بالقدر الذي كانت ستكون عليها قبيل إتمام مد الأصابع المُحاصِرة للزوايا الإرهابية المتقطعة في تلك البقعة الجغرافية من الأرض السورية، وذلك يعود إلى أن عملية الإطباق التدريجي ستنطلق من رأس الزواية وصولا ً إلى ضلعيها، وذلك في توقيت متزامن، ومن ناحية أخرى، فإن معظم الزوايا الثلاث، تضم بين جنباتها مجاميع إرهابية صرفة، وباتفاق من قبل التحالفين الحاليين الذين يعملان على الأرض السورية… مما سيكون مانعاً جدياً لإستثمار أمريكا وتحالفها بهؤلاء أو ببعضهم في السياسة من خلال استثناءهم – المتفق عليه وفقاً للقرار ٢٢٥٤ – والذي يدعو إلى وقف إطلاق النار في ظل العملية السياسية، والتي يفترض بها الإنطلاق لاحقاً..
وبالتالي، فإن التئام مؤتمر جنيف ٣ في القادم من الأيام، ووفقاً لآخر التسريبات حول وجود وفدين منفصلين للمعارضة السورية، إحداهما تحظى برعاية أمريكية – سعودية، وأخرى برعاية روسية، فإن قبول رعاة الأولى بهذا المبدأ ـ إن حصل فعلا ً ـ فإن روسيا وسوريا، يكونان قد نجحا بنزع اللغم السياسي من جنبات ذاك القرار الدولي، وذلك بعد أن نزعا لغمه الإنساني بجر معارضة الرياض على التفاوض دون الإمتثال لشروطهما المسبقة.
أما الجنوب السوري … فبعد تطورات الشيخ مسكين فله بحثٌ آخر.
باحث وكاتب سياسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*