زواج المصلحة بين تركيا وداعش…طلاق مؤكد بعد حين!!

 

 

صحيفة المنار الصادرة في فلسطين المحتلة عام 1948 ـ
الدكتور خيام الزعبي:

هناك علامات إستفهام كثيرة تدور حول طبيعة العلاقة بين أنقرة وداعش أفرزتها إتهامات متتالية من أطراف إقليمية ودولية ومحلية متعددة لأنقرة بدعم تنظيم داعش من خلال تسهيل دخول المقاتلين الأجانب والقوى المتطرفة عبر أراضيها بإتجاه الأراضي السورية، هذه الفرضية عززتها صفقة إطلاق سراح الرهائن الأتراك في مدينة الموصل والتواطؤ في معركة كوباني السورية فضلاً عن التردد التركي في محاربة التنظيم لحسابات داخلية وإقليمية، في هذا الإطار أهدرت تركيا سنوات من المواقف المترددة والمتذبذبة من تنظيم داعش وحاولت الرّبط بين قتال تنظيم داعش وبين الأزمة السورية وإنهاء النظام السوري وبذلك أسهم هذا الموقف في تسهيل مهمة داعش، إذ تمت أكبر عمليات تدفق المقاتلين الى التنظيم من خلال الأراضي التركية، وأهم عمليات بيع النفط التي قام بها داعش بعد سيطرته على مناطق غنية بالنفط تمت أيضاً عبر الأراضي التركية. إستمرت تركيا منذ بداية الأزمة السورية تغمض عينا وتفتح أخرى فيما يتعلق بما يجري على حدودها مع سورية، ففي الوقت الذي كانت دول المنطقة منشغلة بمحاربة داعش كان أردوغان يناور من خلال محاولة التركيز على الوضع الداخلي السوري، مهاجماً النظام السوري لإسقاطه، ذلك أن سقوط هذا النظام سوف يزيل من أمامه عدواً لدوداً كان لا يتوانى عن تقديم الدعم لحزب العمال الكردستاني -الخصم التاريخي لتركيا- وفي نفس الوقت سوف يضعف سقوط النظام السوري إيران، الحليف الإستراتيجي للرئيس الأسد، ما سيعطي لتركيا حضوراً ودوراً أكبر في السياسة الإقليمية والدولية بعد إنتهاء الصراع في سورية. اليوم بدأ حزب العدالة والتنمية يدرك جيداً إن المتغيرات الإقليمية والدولية التي أفرزها الإتفاق النووي الإيراني وتصاعد الإحتجاجات بشأن موجات الإرهاب والدعوات لإيجاد حل سياسي للمنطقة جعلت من هدف القضاء على داعش على رأس أولويات القوى الغربية وليس سقوط النظام السوري كما تطالب أنقرة، فرغم أن تفجر الصراع بين تركيا وداعش جاء عقب التّفجير الأخير بمدينة سوروج القريبة من الحدود السورية، غير أن الثابت أن هذا التغيّر جاء نتيجة تراكم أزمات داخلية إتسم بها المشهد السياسي والأمني التركي على إمتداد السنوات الماضية، وأخرى خارجية تمثلت في القضايا الشائكة والمهمة في المنطقة بشكل عام، غير أن الهجوم الأخير في مدينة سوروج كان بداية ظهور الصراع التركي مع تنظيم داعش بشكل علني خاصة بعد توجه أنقرة الى تبني سياسة جديدة ضد هذا التنظيم من خلال منعها مرور عدد كبير من المقاتلين الى سورية عبر أراضيها، ولعل إتهام السلطات التركية بشكل مباشر لتنظيم داعش بالوقوف وراء التفجير الأخير كان النقطة الفاصلة في سياسة تركيا تجاه الإرهاب في المنطقة، إذ سمحت لطيران التحالف الدولي بتنفيذ غارات ضد المتطرفين فضلاً عن حملات ومداهمات وإعتقالات طالت المشتبهين بإنتماءهم لداعش فضلاً عن تشديد الإجراءات على الحدود لمنع تدفق المقاتلين الأجانب إلى سورية. في سياق متصل إن التغيير السريع في الموقف التركي من الحرب المفروضة على سورية، كإعلان الحرب على داعش، بعد ان كان التنظيم يعمل بحرية كاملة في الأراضي التركية تحت رعاية الإستخبارات التركية والغربية، هذا التغيير جاء بعد الإنتصارات المتلاحقة التي حققتها وحداث حماية الشعب الكردية في سورية، والتي إنتهت بطرد داعش من بعض المناطق، بالإضافة الى أن هناك عوامل أخرى ساهمت في تغيير توجهات تركيا لعل أهمها الإتفاق النووي الإيراني الذي يحمل معطيات سمحت لها بإعلان تطوير موقفها ضد تنظيم داعش من الحياد الى المساهمة في الحرب، مع إنها حتى اليوم مساهمة غير فعّالة، بالإضافة الى الضغوط الداخلية التركية، ففشل حزب العدالة والتنمية في الإنتخابات الأخيرة ووصول تيارات تمثل الأقليات في تركيا الى البرلمان “الاكراد”، والخروقات الأمنية الكبيرة التي أحدثها تنظيم داعش في تركيا من خلال ضرب مدينة سوروج التركية، وإعلان الإستخبارات التركية إكتشافها مخططاً كبيراً للتنظيم لضرب العاصمة التركية، كل هذه المعطيات والضغوطات أجبرت تركيا على إتخاذ خطوات سريعة الى الأمام لمواجهة داعش، بالتالي فإن إستهداف الطائرات التركية معاقل داعش خير دليل على تغيّر السّياسة الخارجيّة لأنقرة تجاه أهم الملفّات المطروحة في المنطقة، وهي الحرب ضد الإرهاب والتنظيمات المتطرفة، فبعد أن كانت تركيا ممراً أساسياً للسلاح والمقاتلين، أصبحت اليوم هدفاً للتنظيم ممّا يعني دخول أنقرة خطّ المواجهة والحرب ضد داعش من أوسع الأبواب. مجملاً… إن ما تواجهه تركيا اليوم هو مأزق صنعته هي لنفسها عندما تبنت الخيار العسكري لاسقاط النظام السوري، فإذا بالأعداء يتوالدون ويزدادون بالقرب من الحدود، وبالتالي فإن ما يحدث من إشتباكات بين تركيا وداعش هو ثمن تدفعه تركيا لدعمها لهذا التنظيم، فهي مرشحة لدفع فاتورة هذه السنوات الضائعة بسبب سياسة التعنت التي إتبعتها تجاه الأزمة السورية، وأن شهر العسل بين تركيا وداعش قد إنتهى، بالإضافة الى أن هناك إحتجاجات في تركيا لكي يحارب أردوغان هذا التنظيم خاصة بعد تفجيرات مدينة الأكراد، فضلاً عن الضغوط التي تمارس عليه من قبل الأكراد، فهناك إحتمال عودة الأكراد لحمل السلاح ضد تركيا وخاصة بعد وعودهم بحرب الشوارع, فالأكراد يمثلون 20% من سكان تركيا و قادرون على زعزعة حكم أردوغان، بالتالي يمكن النظر الى هذه الدلالات انها إشارة واضحة ودعوة للاستيقاظ من خطر داعش، في إطار ذلك يمكنني التساؤل، هل بدأت تركيا بدفع الثمن كونها طرفاً أساسياً في الأزمة السورية؟.أما مستقبل المشهد التركي فإن الإقتصاد سيكون العامل الحاسم لرسم توجهات تركيا المستقبلية، وبالتالي فإن أي هزة إقتصادية تحصل جراء إضطرابات أمنية وعسكرية في تركيا سيكون الرد التركي في أعقابها عنيفاً وباهظاً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*