سباق ما بعد الموصل: خرائط التقسيم حاضرة!

صحيفة الأخبار اللبنانية ـ
دعاء سويدان:
من تكريت، إلى الرمادي، فالفلوجة، حاولت واشنطن إخضاع المعادلة الميدانية لحساباتها، وتمرير مشاريعها من بوّابة محاربة «داعش». نجحت، طوال الفترة التي أعقبت تشكّل قوّات الحشد الشعبي، في تأخير المعارك وتكثير البؤر الإرهابية وضرب القوى العراقية بعضها ببعض وتضعيف حكومة بغداد المركزية.
لكنها على الرغم من ذلك، لم تفلح في صدّ الموجة التي كانت تدفع باتّجاه استعادة الأراضي الخارجة عن سيطرة الدولة، أو أقلّه تلك المشتملة خطراً كبيراً على العاصمة.
اليوم، تظهر الموصل كأنها «الجوكر» الأخير الذي يمكن الإدارة الأميركية المقامرة به، لكن ليس على قاعدة «التخادم» مع الإرهاب ومناكفة الحشد الشعبي هذه المرّة، إنّما على ما هو أشدّ خطورة، كونه يتّصل برؤية واشنطن لمستقبل الأقلّيّات الدينية والإثنية في غرب العراق، وبتطلّعها إلى تقوية نفوذها في الشمال والشرق السوريّين، تحضيراً لهندسة أميركية محتملة لمآلات الصراع في سوريا.
منذ بدء المواجهات التمهيدية لمعركة الموصل، بدا واضحاً أن التحرّكات الأميركية العملياتية أو الإستشارية تدفع بقوّة باتّجاه حصر عناصر «داعش» في الصحراء الغربية للعراق، ما قد يدفعهم في حال عجز خندقهم الناري (الذي حفروه باتّساع مترين حول الموصل بغرض عرقلة تقدّم القوّات العراقية وحجب الرؤية عن طائرات الإستطلاع) عن تحقيق أهدافه، إلى تسليم المدينة والفرار باتّجاه مناطق الرقة ودير الزور؛ هناك حيث تسعى الولايات المتّحدة إلى إغراق الجيش السوري في دوّامة جديدة من الإستنزاف، وتعويم حلفائها وسط الأطراف المحتشدة لمحاربة «داعش»، ما يمكّنها لاحقاً من فرض شروطها السياسية على دمشق وحلفائها.
على المقلب العراقي، لا يبدو المشهد إلّا أكثر إقلاقاً. آخر التصريحات الصادرة عن واشنطن، على لسان نائب وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، تؤكّد أنّه لن «يتمّ السماح للحشد الشعبي بدخول مدينة الموصل بعد استعادتها»، وأن «قوة قبلية، تمّ تدريبها وتجهيزها، مكوّنة من 15 ألف شخص، أُنيطت بها مهمّة السيطرة على المدينة بعد تحريرها». تصريح ينبئ بأن الإدارة الأميركية ستجتهد في منع تشكّل مشهدية جامعة، ولو رمزيّاً، في عاصمة نينوى، وإدخال المدينة ضمن سلطة مستحدثة «طائفية» صافية، يتمّ فرضها تدريجيّاً تحت ستار «دمج المكوّنات»، بما يتوافق، في نهاية المطاف، مع تطلّعات أثيل النجيفي وطارق الهاشمي ومن لفّ لفّهما إلى «حكم سنّي».
في هذا السياق، ليس مشروع القرار الذي تقدّم به للكونغرس نوّاب جمهوريّون وديموقراطيّون، في أوائل أيلول الماضي، تفصيلاً عابراً. صحيح أنّه لن يلقى سبيله إلى التنفيذ على الأمد القريب، إلّا أنّه يبقى مشروعاً قائماً تمكن استعادته من الأدراج أنّى شاءت واشنطن، تماماً كما يتمّ التلويح دوريّاً بمشروع جو بايدن (القديم) لتشطير العراق إلى ثلاث دول، سنية وشيعية وكردية. يدعو مشروع القرار المشار إليه إلى تحويل سهل نينوى لمحافظة مستقلّة، وجعله منطقة غير متنازع عليها، متذرّعاً، في ذلك، بحقّ السكّان السريانيّين والآشوريّين والكلدانيّين (المسيحيّين) والأيزيديّين وغيرهم (تعمّد المشروع تمييع الإشارة إلى بقية المكوّنات التي تضمّ عرباً سنة وشيعة) في تقرير مصيرهم (وهي دعوة أعادت إحياء طموحات قديمة، تمتدّ إلى عام 2004، لإنشاء «كيان مسيحي» في سهل نينوى). هكذا، وجد مؤيّدو المشروع فرصتهم لبعث مناداة المؤتمر الآشوري العام والحركة الديموقراطية الآشورية والمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري بمنح المسيحيّين حكماً ذاتيّاً في منطقة سهل نينوى.
رهانات الأكراد
لم يعدم المشروع الأميركي أصواتاً تنظّر له في منابر مختلفة تحت عنوان حماية الأقلّيّات وتعويضها عمّا لحق بها من ظلم على أيدي مسلّحي «داعش» وإشراكها في القرار السياسي والإداري. غير أن أكثر من بدا متحمّساً للمشروع لم يَعْدُ أربيل عاصمة إقليم كردستان، إذ إن الأخير يراهن على استفتاء مسيحيّي «سهل نينوى» مستقبلاً في الإنضمام إلى الإقليم، وبالتالي اقتطاع أراضيهم من العراق وضمّها إلى كردستان.
علاوة على ذلك، تظهر أربيل متطلّعة بشغف إلى مشروع يتجاوز مجرد تحويل سهل نينوى إلى محافظة، ليقتضي تقسيم نينوى نفسها إلى ثماني محافظات. إفادة الإقليم من المشروع المذكور ذات أوجه متعدّدة: أولها أن قضاء سنجار، الذي كان رئيس الإقليم، مسعود البرزاني، قد وعد عقب استعادته على أيدي «البيشمركة» بدعم أميركي في تشرين الثاني 2015، بتحويله إلى محافظة وضمّه إلى كردستان، سيشكّل وناحيتَاه (الشمال والقيروان) محافظة واحدة مع نواحي القحطانية (بعد استقطاعها من قضاء البعاج)، وربيعة وزمار (بعد استقطاعهما من قضاء تلعفر)، ووانة (بعد استقطاعها من قضاء الموصل)، وبهذا يسهل ضمّ محافظة أولى إلى كردستان. ثاني أوجه الإفادة يكمن في قضاء مخمور، الذي يُفترض أن يتحوّل ونواحيه الثلاث (الكوير، فايدة، القراج) إلى محافظة ثانية تبدو، من الناحيتين الجغرافية والديموغرافية، مهيّأة لإلحاقها بكردستان. أمّا ثالث أوجه الإفادة فيكمن في المحافظة السابعة، أي الموصل، التي ستُستقطع منها نواحي بعشيقة، المحلبية، القيارة، الشورة، حمام العليل، فيما ستُضم أجزاء واسعة من ناحية حميدات إلى كردستان، وذلك عن طريق إلحاق الجانب الأيسر من طريق تلعفر ــ الموصل، حيث مركز الناحية (بادوش) والقرى التابعة له، بناحيتَي وانة وزمار اللتين ستتبعان محافظة سنجار. (للاطلاع على بقية المحافظات المفترضة وفق المشروع، راجع الكادر 1)
تركيا و«النجيفيّان»
لم يُفلح عرابو مشروع تقسيم نينوى إلى ثماني محافظات في تمريره برلمانيّاً، إذ صوّت مجلس النوّاب العراقي، في 26 أيلول الماضي، على إبقاء المحافظة بحدودها الإدارية الحالية (التي كانت عليها قبل عام 2003)، مشيراً إلى أن أيّ تغيير في ذلك مخالف للدستور وباطل. بيد أن إسقاط المقترح في البرلمان لا يعني أفول الحديث عنه إلى غير رجعة.
لم تكد تمرّ أيّام قليلة على تصويت مجلس النوّاب، حتّى سارع رئيس قائمة «متّحدون»، أسامة النجيفي، إلى بدء سلسلة لقاءات بالسفراء العرب لدى العراق، استهلّها باجتماعه بالسفير الأردني، أشرف الخصاونة، حيث استعرض معه مشروع «إقامة إقليم في نينوى». وقال النجيفي، أثناء اللقاء، إن «إقامة إقليم في نينوى، يضمّ محافظات عدّة، من شأنه أن يمنح الأقلّيّات خصوصيّتها، ويطمئن أبناءها إلى المستقبل»، نافياً أن يكون ذلك «دعوة للتقسيم».
وكان محافظ نينوى السابق، قائد قوّات «الحشد الوطني»، أثيل النجيفي، قد أعلن، في 9 أيلول الماضي، أنّهم «يعملون على مشروع سيجري بموجبه تقسيم نينوى إلى ما بين 6 و8 محافظات»؛ علماً أن النجيفيَّين كانا قد رفضا، في ما مضى، قرار مجلس الوزراء المبدئي، في آذار/مارس 2016، بتحويل طوزخورماتو والفلّوجة وسهل نينوى وتلعفر إلى محافظات مستقلّة، ما يعني أن الحديث عن «معالجة الشرخ الذي أوجده داعش والظلم الذي ألحقه بالأقلّيّات»، ليس سوى ستار لتمرير مشاريع مشبوهة على أنقاض التنظيم الإرهابي. وأشار أثيل النجيفي، في التصريح المذكور، إلى أن «تركيا تعتبر ما يحدث هنا يؤثّر على أمنها القومي بشكل كبير جدّاً، فمن غير المعقول أن تسمح بتهديد أمنها القومي»، مستبعداً «وجود حديث عن انسحاب القوّات التركية من معسكر زليكان (المعروف بمعسكر بعشيقة)». تصريح يثبّت أنّه لا يزال لأنقرة ظهير قوي في الموصل، تستند إليه لتثبيت «احتلالها» المعسكر رغم كلّ التحرّكات الحكومية الرافضة لذلك، وتراهن عليه في فرض مطالبها على أجندة ما بعد «داعش».
ربّما هذا هو ما دفع الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إلى رفع سقف خطابه قبل أيّام، مؤكّداً أنّه لن يسمح بـ«أيّ سيادة طائفية على الموصل، لأن الهدف فقط هو تطهيرها من داعش»، مشدّداً على أنّه «يجب أن يبقى في الموصل بعد تحريرها أهاليها فقط من السنّة العرب والسنّة التركمان والسنّة الأكراد»، وأنّه “يجب ألّا يدخل الحشد الشعبي الموصل». وقال إردوغان «إنّنا سنبذل قصارى جهودنا في عملية تحرير الموصل، ويجب أن نكون على طاولة الحلّ، ويجب ألّا نكتفي بالمراقبة». لا حاجة للإشارة، هنا، إلى المطامع التركية التاريخية في مدينة الموصل، التي بات حديثها معروفاً، إلّا أن ما يُضاف إلى تلك المطامع تطلّع أنقرة إلى القضاء على عناصر حزب العمّال الكردستاني (الفرع التركي) في سنجار، والبقاء على مسافة قريبة من تلعفر تسمح لها بشدّ عضد «التركمان السنّة»، فضلاً عن الوقوف سدّاً منيعاً ضدّ أيّ تواصل حيوي بين أكراد سوريا وأكراد نينوى.
تراهن تركيا، في ما تقدّم، على مساندة «الحشد الوطني» و«البيشمركة» لها، إلّا أن حسابات الحقل قد لا تطابق حسابات البيدر، إذ لا يُستبعد حدوث تصادم بين «الحزب الديموقراطي الكردستاني»، بزعامة مسعود البرزاني، و«الإتّحاد الوطني الكردستاني»، بزعامة جلال الطالباني، تأسيساً على اتّهامات بأن الأوّل «وضع كلّ بيضه في سلّة إردوغان»، وآثر علاقاته المميّزة مع تركيا على التحالفات الكردية العابرة للحدود. كما أنّه ليس من الواضح حتّى الآن ما سيؤول إليه موقف البرزاني إزاء الحضور التركي في الموصل، وخاصة بعد اتّفاقه مع بغداد على ترتيبات مشاركة «البيشمركة» في تحرير المدينة مقابل اتّفاق على تقاسم نفط كركوك مناصفة.
وسط ذلك كلّه، لا يزال «الحشد الشعبي» رافضاً وضع «فيتو» على مشاركته في أيّ موقعة من المواقع «الوطنية» في العراق. قيادات الحشد ووجوهه تؤكّد أن لا مناص من مشاركة فصائله في معركة الموصل، مشدّدة على رفض أيّ حضور أو مشاركة أجنبية في المعركة، وذلك في وقت تتعالى فيه الأصوات السياسية المحذّرة من مخطّطات التفتيت والمطامع الأميركية والتركية. وهي تحذيرات يشتدّ إزاءها إصرار أنقرة على «منع إشراك ميليشيات شيعية في العملية… والإقتصار على القوّات التي درّبناها في معسكر بعشيقة»، وفق تعبير وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو. ومن جهة إقليم كردستان، فإنّ مستشار مجلس أمن الإقليم، سرور البرزاني، شدد أمس على أن «المناطق التي تخضع حاليّاً لسيطرة البيشمركة هي مناطق حُرّرت بدماء الأكراد»، وأن «البيشمركة لن تنسحب منها».
في ظلّ هذا المشهد، لا يبدو أن مواجهة المشاريع التقسيمية التي استشرست الأنياب لتحقيقها ستكون سهلة المخاض. ومن هنا، قد يكون غرب العراق مقبلاً على تطوّرات خطيرة، يظهر واضحاً أن ارتداداتها ستطاول بقية بلاد الرافدين وما جاورها من بلاد الشام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*