كازاخستان نزارباييف.. جهوزية سياسية وعسكرية ووقائع إستراتيجية (1)

marwan-soudah-kazakhstan2

موقع إنباء الإخباري ـ
مروان سوداح*:
في الوقائع الجيوسياسية لجمهورية كازاخستان التي صارت تتصدّر الحياة السياسية الدولية بعد تصدُّرِها حِراكات سياسية آسيوية وشرق أوسطية، تميّز ومكانة يَندر مَثيلها، ومن المؤكد أن عشرات دول العالم وشعوبه تفتقر إليها.
برزت مكانة جمهورية كازاخستان بعد انفراط العقد السوفييتي. وكازاخستان التي هي بمثابة القلب لآسيا، انتقلت بعد استقلالها الى صدارة هذه القارة الأكثر تركيزاً للسكان والتي يعود الفضل إليها في توليد الحضارة العالمية. وكازاخستان تُعتبر بحق مُفتَرَق طرق أسيا بالنسبة للثقافات الإنسانية القديمة وللعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين الشعوب، والى يومنا وعصرنا. فهي تقع على تقاطع الطرق بين الشرق والغرب وبين الجنوب والشمال، مِمَا سَهّل أن تقبض الدولة ومنذ إعلان استقلالها على البوابة الإستراتيجية لدول إقليم آسيا الوسطى السوفييتية “سابقاً”، وبسطِ سيطرتها على سُبلِها القازاقية المفضية الى الطُرق الاستراتيجية والحدود الدولية المؤدية الى الجنوب الآسيوي والمحيط الهندي والعالم العربي، وها هي حتى اللحظة تبقى تحتفظ بقوّة ساعِدها العسكري – السياسي على مفتاح بوابة جنوب روسيا الفيديرالية.
يبلغ طول حدود كازاخستان الإجمالية 15 ألف كم، وتتشارك كازاخستان وروسيا في حماية حدود الدولتين الطويلة المشتركة مع بعضهما البعض، إذ يبلغ طولها حوالي 6467 كـيلـومتر، بينما يَبلغ طولها مع أوزبكستـان 2300 كيلـومتر، ومع الصين الشعبية 1781 كيلومتر، ومع قيرغيزيا 980 كيلومتر، ومع تركمانستان 380 كيلومتر. لذلك، أهّلت ديكتاتورية الجغرافيا وفرّادة التاريخ القومي كازاخستان للعب دور سياسي مُتعاظم في مَجالها الحيوي، والارتقاء الى أدوار رئيسة على الصُعد الآسيوية والاوروبية والعربية والعالمية، بخاصة الدور الذي بَرز لكازاخستان مؤخراً في احتمالية استضافة الحِوار بين “المعارضة السورية” من جهة، وبين الدولة الوطنية السورية من جهة أُخرى، سيّما أن عناصر القوة والمَنعة الاستراتيجية ثابتة لدى كازاخستان، وأما تأثيرها السياسي والعسكري فيتعاظم ويُفضي الى أدوار في كل الفضاءات، ناهيك عن ثرواتها الطبيعية الهائلة، التي حافظ عيلها الانسان القازاقي منذ ظهوره في أصقاع بلاده، وهي بِقاع ما توقّف امتدادها وانتشارها في مختلف الاتجاهات، لذا هيمنت كازاخستان سلامياً على درب التبّانة الارضي القديم للبشر. أضف إلى كل تلكم العناصر التاريخية والاقتصادية والاستراتيجية، وسطية رئاسة الدولة التي يُدير دفّتها بنجاح المؤسس والرئيس وصاحب الشعبية الطاغية نور سلطان نزارباييف، الحليف الموثوق لموسكو.
وكان لافتاً قبل فترة لإنتباه المُتابعين والخبراء السياسيين والعسكريين، الأشادة التي أطلقها وزيرا دفاع روسيا وكازاخستان حِيال تطور التعاون العسكري بين بلديهما، بينما قالت وزارة دفاع كازاخستان في بيان صحفي، أن العلاقات الكازاخستانية الروسية “تشهد في مجال الدفاع تطوراً إيجابياً.. وتتطلع كازخستان إلى مواصلة تطويره”. عِلماً، ان القوات المسلحة الكازاخستانية تمتلك منظومات صواريخ “أس-300” تكفي لحماية المجال الجوي للبلاد والعاصمة أستنا.
وفي بعض التفاصيل الضرورية التي تُفضي الى محاولة لفهم الدولة ومكانتها الاستراتيجية المُمَيّزة، أنها تحتل المرتبة التاسعة في العالم من حيث المساحة، بعد روسيا و الصين و الولايات المتحدة و الأرجنتيـن و البرازيل و كندا و الهند و أستراليا، كما أنها الثانية بعد روسيا من بين جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، و تزيد مساحتها عن مجموع مسـاحة باقي الجمهوريات مجتمعة، فيمـا عدا روسيا الفيديرالية.
وفي الاضافات الاستراتيجية للدولة الكازاخية، عضويتها النشطة في المجتمع الدولي, ورابطة الدول المستقلة، وحِراكها الفعّال في الهيئات والمنظمات الأوروبية والآسيوية، وعضويتها في منظمة معاهدة الأمن والتعاون الجماعي في اوروبا، التي أُقيمت في العام 1992، وترأستها كازاخستان في العالم 2010، وتضم عدة دول بالاضافة الى كازاخستان، وهي روسيا، بيلاروسيا، أرمينيا، قرغيزيا وطاجيكستان. كما شكّلت كازاخستان إتحاداً مع روسيا وروسيا البيضاء (بيلوروسيا)، أدى الى تحويل تلك الدول الى فضاء اقتصادي مشترك في العام 2012. وفي 19 نوفمبر 2011، وضعت الدول الأعضاء لجنة مشتركة لتعزيز علاقات اقتصادية “أوثق” مع إنشاء الاتحاد الأوراسي في عام 2014. وقد أسست كازاخستان الجماعة الاقتصادية الأوروآسيوية مع قرغيزستان وطاجيكستان. كما دعت كازاخستان الى تحقيق التكامل بين بلدان منطقة آسيا الوسطى والتكامل الدولي السلمي وتناغم المصالح في تلك المنطقة.
كما انضمت كازاخستان بعد استقلالها مباشرة إلى منظمة التعاون الإسلامي (المؤتمر الإسلامي سابقاً)، فأصبحت أكبر بلد مسلم في العالم مساحةً، الأمر الذي وسّع رقعة العالم الإسلامي بما يُقدّر بـ 2,7 مليون كم مربع (را. الشبكات الاعلامية الكازاخية). و تعزّز  كازاخستان يوماً في إثر يوم تعاونها مع المؤسسات الدولية ذات النفوذ، على مِثال الاتحاد الأوروبي، و البنك العالمي، و البنك الأوروبي للتنمية والإصلاح و صندوق النقد الدولي، و وكالة الطاقة الذرية العالمية، و منظمة اليونسكو، و اليونيسيف، و منظمة الصحة العالمية، الخ. و انضمت كازاخستان إلى عشرات الاتفاقيات و المعاهدات المتعددة الأطراف، والى  أكثر من 700 إتفاقية ثنائية.
كازاخستان التي يُسمّيها شعبها الكازاخي في لغته القومية “قازاقستان”، لا تعزّز مكانتها السياسية والاقتصادية والعلمية التعليمية غير المسبوقة فحسب، بل والعسكرية الى جانبها أيضاً. وهي إذ تنجح في تصليب وإعلاء قواها العسكرية وتقنياتها الحربية ونفاذها، طبيعتها، عديدها، رُقِّيها، صناعاتها الدفاعية وأبعادِها، تنحى في خط صاعد وبإصرار نحو تأكيد قواعد التطوّر المُتناغم للفروع الرئيسية للمسيرة الوطنية العامّة، بدعم الاستراتيجية السياسية للدولة ومكانتها ودكتاتوريتها الجيوسياسية وتفعيلها الأمثل، وحراسة القوات المسلحة للمنجزات المُتحقِّقة ومهنيتها الرفيعة، التي عَرضت لقوّتها وواقعها، على سبيل المثال، في المسابقة العسكرية الدولية التي شارك فيها الفريق العسكري الكازاخي في الاردن مؤخراً.
القوات المسلحة الكازاخية ومنجزاتها ومدرستها العقيدية، تُعتبر ضمانة أكيدة بلا شك للتطور العام والناجح للدولة، ولتأكيد السِلم الاجتماعي فيها، ولالتفاف الشعب بألسنته المتعدّدة وقومياته وأديانه مِن حولهان وتشعر فيها وكأنك في “دولة عالمية”.
وفي الفضاء العسكري الذي تعتز به الدولة القازاقية التي حافظت على نفسها ومُكوّناتها خلال حقبة تاريخية طويلة، نشهد اليوم على الدور الكبير لذاك البلد الشقيق في النقلات الاقتصادية، وفي تطور أوضاعه السياسية، ضمن التحالفات الاستراتيجية والكونية مع دول الإقليم الآسيوي الكبرى، في إطار من مؤسسية ومنظومة إقليمية وعالمية الى جانب حلفائها. ونتابع كذلك ونلاحظ الى جانب التطورات الكازاخية، تلاحقُ الاعمال الهادفة الى إمداد القوات المسلحة القازاقية بمزيد من أنواع وأطوار الأسلحة غير التقليدية، الضامنة لسلامها وسلامتها، مكانتها وقواعدها على الأرض، وفي الأجواء السيادية للنظام السياسي الدولتي الراهن القائم، ويتم استيراد بعضها من روسيا.
وفي العام المنطوي، 2014م، ركّزت قيادة القوات المسلحة الكازاخستانية على أهمية ودور القدرات القتالية والعملانية للقوات، أضافة الى الطرق الاهم الواجب إتّباعها لمُضَاعَفة القدرات القتالية للقوات المسلحة. وكان جراء ذلك، أن توصّلت القيادة الى ان السبيل الأمثل الى تعزيز ذلك الواقع، بالارتقاء بالقوات من خلال تواصل حيازة الارقى من المعدات العسكرية الحديثة، التي يتم توفيرها واستخدامها الدقيق. ومن تلك الاسلحة الحديثة التي تلقتها قوات وحدات الدفاع الجوي، طائرات “سو 30” الفائقة القدرة، وهي روسية الصنع، وتم شراؤها في عام 2014، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا العام عديد الطائرات من طرازات “سو” لدى كازاخستان، ما يؤكد ان القوات الجوية الكازاخية تعتمد أساساً على الصناعات العسكرية الروسية في مجال الطائرت، برغم وجود تنويع لمصادر التسليح، الذي منه، بالمناسبة، الاسباني.
وفي العام الماضي كذلك، شهدت كازاخستان تعزيزاً لم يَسبق له مثيل لوضعها الآسيوي ولعملانية قواتها المتطورة تقنياً، ما يَدفع وهذه الحالة المتجددة، الى التركيز على حماية الانجازات الوطنية بمزيد من إمداد قوات كازاخستان المسلحة بأليات عسكرية نوعية، وطائرات  ذات أهداف دفاعية، ومتقدمة وعصرية، وتكثير عديد الطائرات بدون طيار. لهذا نرى أنه تم في عام 2014 تشكيل 10 وحدات لطائرات بدون طيار، وتلقت القيادة الإقليمية لجيوش “الجنوب”، “الشرق” و “الغرب” عشرات الطائرات بدون طيار من الإنتاج الروسي، و “تم استخدامها بنجاح في جميع أنشطة القوات وفي التدريب والتخطيط”، وسيتم استخدامها كذلك في عملية ضمان آمان المعرض الدولي المتخصّص “إكسبو 2017” في أستنا، وفي الدورة الـ28 للالعاب الجامعية الشتوية الأُونيفيرسياد- 2017 في ألماتي.
القوات المسلحة الكازاخية التي هي صمّام أمان البلاد، تُدرك ببصيرة قيادتها أهمية التزوّد بتقنيات قتالية متطورة ونافذة في سوح المعارك الفاصلة. وفي هذا نراها تلجأ الى عمليات التدقيق المفاجئ على القوات العسكرية، ومدى جهوزية صنوف القوات وقابلتها العلمياتية. وإتساقاً مع ذلك، رفعت القيادة العسكرية من مستوى جاهزية القوات، وطوّرت إمكانيات القوات المسلحة، وتُجري بانتظام وصرامة عمليات للتفتيش على  القوات، وقد رفعت القيادة الجاهزية الى أقصى درجة وفقاً لأنظمة جديدة.
كما تكتسب أهمية خاصة ملفّات على شاكلة نشر الانظمة المادية – التقنية، وجذب وتوفير المصادر المحلية الداعمة للقوات، من ضمن قِوام هيئات الحكم والإدارة والمنظمات الوطنية، وتوظيفها لجهة تصليب دفاعات أفعل للبلاد، وحمايتها من تقلّبات السياسة الدولية.
في القوات الكازاخية نلاحظ الكثير من العمل على مسائل التحديث، فقد بذل العسكريون والخبراء العسكريون الكازاخ جهوداً جبّارة وباهرة لتحسين خصائص الآليات القديمة، وصقل مهارات الأفراد لإدارة وتطويع الأنظمة الحديثة، يَستحقون الثناء عليها والاعجاب بها. وفي هذا السياق العسكري، نجحت تطلعات القيادة السياسية لكازاخستان في استبدال النظام التسليحي القديم، الذي عفا عليه الزمن مع زوال الاتحاد السوفييتي، بآخر جديد ومتطور وقادر على التصدي بفعالية للتقنيات الحربية التي قد تتهدّد البلاد مستقبلاً.
وتنسحب عملية التطوير العسكري على مختلف فروع القوات البرية والجوية والبحرية. ومن ذلك على سبيل المِثال، توافر وسائل اتصال حديثة في التقنيات العسكرية العصرية، وأجهزة تكييف للهواء، ووحدات تزويد مساعِدة بالطاقة، وحماية العَسكر في ألياتهم القتالية من الاستهداف في الاماكن المفتوحة، والتصدي الناجع بالاليات المتطورة للخنادق المزدوة بقواذف متقدمة مضادة للدبابات، وتقليص حجم الأضرار والاستهدافات المُتأتية من الأبنية المُحصّنة القادرة على تدمير الدبابات وآليات الجُند، وقنص المقاتلين أو تحييدهم وتصفيتهم. وفي الخصوص، يُراهن العِلم العسكري الكازاخي على تعظيم قدراته الاستباقية للإستهداف والإصابة وتدمير الدبابات المتطورة المعادية قبل ان تشرع في استهداف العسكريين الكازاخيين. أي، ضرورة الاعتماد على إنجاح عملية المبادأة الكازاخية في ما يمكن تسميته بالدفاع الهجومي، وشل قدرات الخصم، والتدمير التام لتقنياته والقضاء عليه فيزيائياً.
وفي جديد الأنشطة العسكرية الكازاخية اللافتة في أجواء عَالمنا المضطرب، مُتابعة القيادة الكازاخية للأحداث الحربية على الساحات الخارجية، فمراكمة الخبرات القتالية في ظروف الحرب المناهضة للارهاب الدولي الذي يُشن على العالم العربي. لذا، يَتضح للمُتابع ان القيادة السياسية الكازاخية تعمل بهدوء وحثيثاً لإكساب قواتها خبرات جديدة، من خلال المتابعة عن كثب لتطورات الحروب الارهابية، آفاقها وتكتيكاتها، والاسلحة الموظّـفة فيها. أضف إليها ملاحقة الوقائع المُتشكِّلة في ساحات المعارك، ودراسة طبائع الحَسم العسكري في دول أبتليت بالاهاب الدولي مثل سوريا والعراق، وكذلك افغانستان. وفي هذا المضمار أجرت قوات كازاخستان تدريبات مناهضة للارهاب لفِرق الاستخبارات القتالية من نوع “بارلاو 2015″، وتتقدم قدراتها في هذا المجال، وتكتسب أبعاداً حقيقية.
•    خبير بشؤون أسيا والاتحاد السوفييتي السابق وجمهورياته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*