كيف تمّ التحضير لمعركة ريف حلب الشمالي؟

syrian-army1

وكالة أوقات الشام ـ
سمير الفزّاع:

كيف تمّ التحضير لمعركة ريف حلب الشمالي؟ وما هي احتمالات التدخل العسكري المباشر في سوريا؟ سؤالان سأحاول مقاربة الإجابة عنهما.

 ساعة الصفر:

بالتزامن مع بدء فعاليات جنيف، الخميس 28/1/2016 يصل وزير الدفاع السوري العماد فهد جاسم الفريج إلى موسكو، وهناك اتفق الطرفان على الكثير من الأشياء -حتماً لا أدعي معرفتها- بالقراءة السياسية والتاريخية للأحداث، كان أحدها وضع اللمسات الأخيرة لساعة الحسم، وكيفية مواجهة كل الاحتمالات. 30/1/2016، تظهر صور لسرب يصل إلى مطار حميميم في اللاذقية يضم طائرة من نوع “tu-154” وخمس مقاتلات من نوع “SU35S” انطلقت من مطار “استراخان” الروسي. تمركز في مطار حميميم أربع مقاتلات”SU35S” وعادت طائرة “TU-154” ومقاتلة “SU35S” إلى روسيا. الاثنين 1/2/2016، اللواء إيغور كوناشينكوف الناطق باسم وزارة الدفاع يعلن: “منذ الأسبوع الماضي بدأت مقاتلات”SU35S” ذات القدرة الفائقة على المناورة أداء المهام القتالية من قاعدة حميميم الجوية”. فجر ذات اليوم، 1/2، يبدأ الجيش العربي السوري والحلفاء معركة فك الحصار عن مدينتي نبل والزهراء، عشية عدة مناسبات عزيزة وذات دلالات معبرة جداً: 1/2/1958 سوريا ومصر توقعان ميثاق الوحدة العربية بين البلدين تحت اسم الجمهورية العربية لمتحدة… وذكرى انتهاء حرب القرم بين الدولة العثمانية والإمبراطورية الروسية والتي ساندت فيها فرنسا وبريطانيا العثمانيين، لكن مع فارق مهم هذه المرة، حيث عادت القرم لروسيا، وتمددت القوات الروسية إلى الجانب الآخر من الحدود التركية، وفي المياه الدافئة التي حاولت تركيا وبريطانيا وفرنسا حرمان موسكو منها… كما يصادف مناسبة عزيزة على قلب كل مواطن روسي وإنسان، ذكرى تحرير ستالينغراد من الاحتلال النازي الألماني 2/1/1942.
فك الحصار عن نبل والزهراء، ليس فقط إنقاذ لعشرات ألاف المواطنين من نازيي القرن الواحد والعشرين؛ بل هي محطة فاصلة وخطيرة جداً في مشوار إسقاط مشروع غزو سوريا بالكامل. كلنا يذكر المحافظ الذي عينه اردوغان لإدارة شؤون السوريين في شمال بلدهم، وإطلاق المحافظ رقم (82) على حلب، واستخدام العملة التركية في الشمال السوري المحتل… معركة ستالينغراد، المعركة الأقسى في تاريخ البشرية، لم تنجز تحرير مدينة فقط؛ بل كانت نقطة التحول الحاسمة في مجرى الحرب العالمية الثانية بأسرها، حيث فقدت المانيا النازية بعد هذه المعركة قوتها، ولم تعد قادرة على إحراز أي نصر حقيقي… وهذا يشبه حال أميركا بعد محاولة احتلال العراق 2003، أو الكيان الصهيوني عندما حاول غزو لبنان 2006، وغزة 2009، وحال أميركا وحلفائها في الحرب على سوريا حالياً… كما كانت معركة ستالينغراد، وبسبب تحول موازين القوى، البوابة الحقيقية لمؤتمر يالطا في شبه جزيرة القرم الروسية 1945… ربما، ولهذا السبب تحديداً، سقط جنيف-3 بالضربة القاضية، بعد أن صُدم “النازيون الجديد” بهذا الخلل الكبير في موازين القوى على الأرض، وإستحالة تحقيق أي مكسب حقيقي استناداً إليها.
عندما أحكم الجيش العربي السوري وحلفائه قبضتهم على الريف الشمالي لمدينة حلب، أصبحت حلب بأكملها على مسار التطهير والتحرير. تحرير يعني فيما يعنيه، أن مشروع تقسيم سورية سقط، وأن موعد الهجوم الجبهي الشامل في شمال سوريا وفي الغاب وادلب والكثير من المناطق الأخرى بات قاب قوسين وأدنى. لنتذكر هنا ما قاله رئيس الوزراء التركي من الرياض في 31/كانون الثاني: “نحذر روسيا أن الإضرار بالمعارضة السورية المعتدلة، أو التهديدات المتكررة للأجواء التركية، لا يصبّ في مصلحتها… وأن بلاده “تقف إلى جانب الشعب والمعارضة السورية المعتدلة، في مواجهة داعش والنظام والقوات الأجنبية التي تحتل سوريا والعناصر التابعة للدول الأجنبية”. كان التحسب موجوداً، لكن الاستعدادات لاتخاذ القرار الكبير وتنفيذه قد أنجزت… من جهة، تمّ عزل جيش الغزو النازي من الباب حتى نبل والزهراء بطوق ناري لا يمكن كسره إلا بحرب عالمية ثالثة، ومن جهة ثانية بدأت ساعة الرمل للجماعات المسلحة داخل حلب بالعد العكسي.

ما هي احتمالات قيام تركيا بعدوان على سورية؟

الواقعية السياسية تقتضي وضع كل الاحتمالات على طاولة البحث مهما تدنت نسبة تحول الاحتمال المفترض إلى حقيقة، هكذا تكون قادراً على التحسب والاستعداد، وغير ذلك يكون التفكير رغائبياً مبني على الأمنيات. ما هي الخيارات أمام أمريكا وحلفائها:
1- التدخل العسكري المباشر في الميدان لوقف الانهيار الشامل لأدوات الغزو الإرهابية.
2- الاشتباك السياسي عبر جنيف، والميداني بتكثيف الدعم للأدوات الإرهابية، لكسب الوقت بانتظار متغير ما.
3- تشجيع عملية سياسية تفضي لحوار سوري-سوري، تسليماً بوقائع الميدان، وايماناً بأهمية التعاون والتعايش.
4- الإقرار بالهزيمة، والتركيز على الحدّ من الآثار الكارثية لخسارة الحرب على سوريا، بإنجاز تسويات وعقد تحالفات الضرورة الوجودية، مثل تسوية ما للقضية الفلسطينية، وتحالف آل سعود مع الكيان الصهيوني… واستمرار الصراع بأشكال وساحات أخرى.
هذه هي الاحتمالات الممكنة أمام أعداء سوريا، وبما أن خيار التدخل العسكري المباشر راج مؤخراً، ما هي احتمالية هذا الخيار؟ أفترض بأن هذا الاحتمال أقرب إلى المستحيل، لكن لماذا؟
1- خلال عمليات فك الحصار النازي عن نبل والزهراء وتطهير ريف حلب الشمالي، أُستخدم صاروخ توشكا للمرة الأولى، وهذا الصاروخ بعث برسائل فاقت بأهميتها هدفه العسكري، منها: عزم أكيد على التحرير. للأدوات الإرهابية صاروخ توشكا ولمشغليهم ما هو أعظم في أي حرب قادمة. يُقال أن من أطلق الصاروخ إخوة في حزب الله، وهذه رسالة ميدانية لأميركا والعدو الصهيوني… تسليح الأدوات الإرهابية بأسلحة نوعية سيقابله تزويد حزب الله بمثل هذا الصاروخ.
2- قلت سابقاً أن هناك نسبة من عديد وعتاد الجيش العربي السوري دخلت الميدان، وبقي الجزء الأكبر من الجيش موجهاً لاحتمال قيام حرب إقليمية مفاجئة، مع الكيان الصهيوني أو تركيا… أما اليوم فإن الصورة انقلبت، حيث الجزء الأكبر من الجيش في الميدان بعد “ضبط” الميدان والحدود بمعادلات ردع كبرى… أي عموما –وبعيداً عن حالات الفساد والخيانة- زُج في الميدان بما يكفي لمشاغلة أدوات الغزو الإرهابية، ولكن مع التدخل التركي المباشر في معركة ادلب تحديداً، ظهر الفيلق الرابع كجزء من فائض قوتها الذاتية، وجاء حزب الله روسيا وإيران وبقية الحلفاء رداً على هذا التدخل، كجزء من فائض القوة الموضوعي لسوريا.
3- الجمعة، 5/2/2016، قال داود أوغلو في خطاب ألقاه في جامعة ماردين بجنوب شرق تركيا حضره مسؤولون محليون وأعضاء في حزب العدالة والتنمية الحاكم من بينهم وزراء: “نحن نبدأ فترة جديدة من أجل وحدتنا الوطنية وأخوتنا، سنتحدث للناس بشكل مباشر، سنتحدث للجميع إلا من يحملون السلاح في أيديهم… إن خطة الحكومة تشمل إجراءات اقتصادية مثل منح قروض بدون فوائد للمزارعين”. أن يأتي هذا الخطاب الآن وبعد أن أعلن الثنائي اردوغان-اوغلو إنهاء محادثات السلام مع الأكراد قبل أشهر فقط، ليظهر حجم المأزق الداخلي المتفاقم الذي طالما عزفا عليه في الإقليم، التفتيت العرقي والمذهبي والطائفي… .
4- جاء في تغريدة لماريا زاخاروفا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، قالت فيها: “السعودية مستعدة لعمليات برية في سوريا ضمن جهود التحالف الدولي الذي تقوده أميركا. جاء هذا على قناة العربية (السعودية) عن مستشار وزارة الدفاع، أحمد العسيري.. أخاف أن أسأل.. هل غلبتم الجميع في اليمن؟!”. وللأمانة، الأمر نفسه ينطبق على تركيا التي تخوض حرب تطهير عِرقي ضد الأكراد في تركيا بإستخدام كافة أنواع الأسلحة، لكن الإعلام “الحر” يأبى رؤية هذه المجازر، كيف لا ونائب الرئيس الأميركي “بايدن” جاء إلى تركيا لتأيد هذه السياسة النازية.
5- منذ الإعلان عن تشكيل الفيلق الرابع 30/9/2015، والخط البياني لإنتصارات الجيش العربي السوري وحلفائه في تصاعد مستمر، مقابل هزائم متتالية في الجانب الآخر، وهذه الانتصارات فرضت واقعاً ميدانياً وسياسياً من المستحيل تغييره إلا بتدخل عسكري خارجي مباشر وحاسم، وهنا يظهر الجذر الحقيقي لمأزق معسكر واشنطن… من يستطيع التدخل؟ وأين؟ هل ستبقى الحرب داخل سوريا؟ إلى أي مدى ستصل نيران الحرب؟ وماذا عن الأسلحة غير التقليدية والإغراق الصاروخي؟ واشنطن، هل هي مستعدة وقادرة على مثل هذه المواجهة؟… . يبدو بأننا أمام تحولات كبرى لا يمكن منع حدوثها، ورد الفعل الوحيد المتاح التسليم بها… هذا ما تقوم به سورية وحلفائها رغماً عن أنف نظام دولي ظالم عاش أكثر مما ينبغي.

كلمة أخيرة:

إذا كان اردوغان ومن خلفه يريدون “تصحيح” التاريخ بإستعادة السيطرة على حلب والموصل… عليهم إذن تعديل ما يعتبرونه “خطأً” لنتائج الحرب العالمية الأولى، تعديل لن يكون إلا بحرب عالمية ثالثة، فهل يجرؤون؟ توشكا رأس جبل الجليد الصاروخي والمتأهب لكثير من الأهداف أعظم… وما انهيار الأدوات الإرهابية إلا تعبير دقيق عن انهيار مشغليه… فابيوس ليس أولهم ولن يكون آخرهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*