مجلس الوزراء أمس وهاجس القصر والقبر

lebanon-cabinet

صحيفة الأخبار اللبنانية ـ
جان عزيز:

كان يفترض بجلسة مجلس الوزراء أمس أن تكون منقولة مباشرة على الهواء. أو على الأقل كان يجب أن يسمح للبنانيين بأن يسترقوا النظر خلسة إلى مجرياتها. فقط، من أجل أن مشاهدة الحقائق كما هي. ومن أجل اكتشاف حقيقة بعض المسؤولين، وعمق مقاربتهم للقضايا الوطنية أو سطحيتها، ومقدار الصحة والخطأ، والمعرفة والجهل، والاطلاع والأمّية، في كل كلمة يقولون وكل موقف يتخذون.

ليست الجلسة في حد ذاتها ما يفسر هذا التوصيف. بل كل السياق السياسي والوطني الذي جاءت ضمنه. فمنذ ثلاثة أيام، هبّت عاصفة كبيرة على البلد. هجوم صاعق في السياسة والإعلام. موقف صادم من دولة عربية. خسارة دعم مالي كبير كان موعوداً للقوى العسكرية اللبنانية… بعدها سلسلة لم تنته من التهديدات والتهويلات. سقط في غمارها وزير، هو أشرف ريفي. رجل دفع ثمن اقتناعاته، أياً كان الموقف منها أو الخلاف حولها. فيما سواه يدفع من اقتناعه ثمن موقع أو منصب. وبين سقوط الوزير وقرع النفير، حبس مئات الآلاف من اللبنانيين أنفاسهم. فالتهديدات طاولت لقمة عيشهم وفلس تعبهم وجنى عمرهم… فضلاً عن اقتصاد وطن وتوازن دولة وكلام كبير خارق لكل السقوف… بعد كل هذه الحملة، طالب الفريق الحريري بالذهاب إلى جلسة استثنائية لمجلس الوزراء، لمعالجة الأزمة التي أثارها، وإيجاد حلول جذرية للقضية التي فجّرها.

بعد ساعات من التداول والحوار والسجال، خرج الحريريون في بيروت، بأقل مما كان وزير الخارجية جبران باسيل قد حققه وحده في الخارج. إن لجهة تأكيد حياد لبنان، أو تكريس موقفه العربي، أو حتى وخصوصاً لناحية التضامن مع المملكة العربية السعودية. ليست المسألة ههنا عواطف. بل وقائع، يمكن ويجب مقارنتها حرفياً كالتالي:

ففي الموقف الرسمي لوزارة الخارجية اللبنانية في المنتديات العربية والإقليمية، سجل باسيل خطياً وبوثائق مكتوبة، ما يلي: “أتينا الى القاهرة للتضامن مع المملكة العربية السعودية ضد اﻻعتداء الذي تعرضت له سفارتها وقنصليتها في ايران. وذلك التزاما منا باﻻتفاقات الدولية ورفض انتهاك حرمة اي سفارة او بعثة ديبلوماسية خصوصا اذا كانت للمملكة”. أمس، وفي المقابل، تنازل الحريريون في حكومة تمام سلام حتى عن المطالبة بإدانة ما تعرض له مقرا البعثتين الدبلوماسيتين السعوديتين.

وفي الموقف الرسمي لباسيل أيضاً، وفي المحافل العربية والإقليمية ذاتها، سجل الوزير “المتهم” أيضاً خطياً ما يلي: إن لبنان يجدد ” التزامه خصوصاً بالمادة الثامنة من ميثاق جامعة الدول العربية، الذي ينص على عدم التدخل في شوؤن الدول الداخلية”. أمس، وفي المقابل، لم يتمسك الفريق الحريري حتى بالتشبث بهذا المبدأ الميثاقي الذهبي، لجهة إدانة أي تدخل خارجي في شؤون داخلية لأي دولة عربية، كما كان يفترض به أن يفعل، صوناً لمبدأ أولاً، ودعماً لموقفهم المزعوم، في الدفاع عن سيادة دول عربية شقيقة، في مواجهة أطماع أجنبية، مشهودة أو مزعومة.

أكثر من ذلك، أمس، حين وضعت كل المواقف على طاولة مجلس الوزراء، وجد العديد منهم أنفسهم مضطرين للاعتراف بأن جبران باسيل لم يقدم على أي هفوة. لا في تجسيد الموقف اللبناني، ولا في تظهير السياسة الحكومية المنبثقة من بيانها الوزاري. خصوصاً لجهة التزام لبنان وحكومته سياسة النأي بالنفس. وهو ما جعل نهاد المشنوق يرتكب هفوة، حين اعتبر أن البيان الوزاري يحدد سياسة النأي بالنفس تلك حيال الأزمة السورية وحدها دون سواها. عندها، سحب المعنيون البيان المذكور، ليقرأوا في فقرته الختامية ما حرفيته: “تقتضي الحكمة، في هذه الأوقات العصيبة التي تمر بها منطقتنا، أن نسعى إلى تقليل خسائرنا قدر المستطاع، فنلتزم سياسة النأي بالنفس ونحصن بلدنا بأفضل الطرق تجاه تداعيات الأزمات المجاورة ولا نعرّض سلمه الأهلي وأمانه ولقمة عيش أبنائه للخطر”. هي كل الأزمات المجاورة إذن. لا سوريا وحدها. حاول المشنوق التعويض عندها عن هفوته. فتحفّظ عن مقولة ربط “الإجماع العربي” بالوحدة الوطنية، ليخرج بنظرية التمييز بين كلمة “صون” وكلمة “حفاظ”. هذا هو الإنجاز الحريري أمس!

هكذا في كل حرف وعبارة وصياغة، بين ما خطّه جبران باسيل في 8 كانون الثاني الماضي، وما حققه الفريق الحريري من عراضته في الأيام الثلاثة الماضية، يظهر بشكل قاطع، أن الأول أعطى البعد العربي للموقف اللبناني، والتضامن مع السعودية، والحرص على الاستقرار الوطني، أكثر بكثير مما طالب به الحريريون. لماذا إذن هذا الجنون؟ بكل بساطة، لأنه بين 8 كانون الثاني العربي و19 شباط السعودي، كان ثمة تاريخ آخر. إنه 18 كانون الثاني اللبناني. تاريخ اتفاق ميشال عون وسمير جعجع. تاريخ إقفال المشهد الرئاسي على عنوان ميثاقي وشعبي ووطني واحد. هذا هو الهدف. وهذا هو الغرض. وهذا هو المرض. ممنوع أن يكون للبنان رئيس رئيس. ولو كان الثمن صراخاً هستيرياً من فريق، وصمت قبور من آخر. ففي بعض الثقافة العربية ثمة معادلة إما القصر وإما القبر. وفي لبنان ثمة من لم يدرك بعد، أن المطروح له وللجميع، هو القصر لمن يستحق، والنصر لكل اللبنانيين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*