المستشفى المعمداني.. الجريمة الأحدث

موقع العهد الإخباري-

أحمد فؤاد:

“كلانا يريد السلام، لكن السلام الذي تنادي به هو سلام الأجساد المتساقطة التى تنزف بدون ضجيج، سلام الأدخنة المتصاعدة من أراضينا المحترقة فى صمت، بينما السلام الذي أتحدث عنه هو القتال حتى تدمير آخر بندقية فى يد من يقهر حريتنا”..
أمليكار كابرال ـــ أحد أبرز قادة التحرر الأفريقي في القرن العشرين.

جريمة المستشفى المعمداني ليست جديدة، ولا هي الأولى من نوعها، ولن تكون قطعًا الأخيرة، أنها أقرب إلى كونها “التجربة المعتادة” في المواجهات العربية الصهيونية، بدءًا من دير ياسين وبحر البقر وقانا الأولى وقانا الثانية وصولًا إلى المستشفى المعمداني، إنها التصرف الوحيد الثابت والعقيدة الراسخة لجيش الكيان الصهيوني في الحرب.

ما جرى في المستشفى المعمداني، يوم 17 تشرين الأول/ اكتوبر 2023، ليس مرده أبدًا تحقيق هدف سياسي أو عسكري ما، قد يبرر أو يدفع إلى قتل 500 إنسان، أو أكثر، العنف والعنف أولا والعنف دائمًا هو المبدأ المقدس الدائم وأحد أسس قيام هذا الكيان السرطاني، ومسلسل المجازر والذبح الممنهج ليس جديدًا ولا هو موقف حكومة حرب فقط، بل هو السياسة الإستراتيجية العليا لكيان العدو ضد كل عربي وفي أية بقعة مهما بلغت قداستها، أو ثبت خلوها من المقاتلين، وتاريخنا معهم لا يحمل سوى مسلسل معتاد من الدم والغدر، منذ 1948 وحتى اليوم.

بدأ تاريخ المذابح مع لحظة ميلاد هذا السرطان على الأرض العربية، ابتدع الكيان إستراتيجية الردع في مواجهة أمة عربية ضخمة تحيط به من كل جانب، وتعاديه حتى النخاع، لم تكن دير ياسين وقانا وبحر البقر شذوذًا عن الإستراتيجية العليا التي تحكم أفعال الصهاينة، بل كانت التعبير المجرد عن عقيدتهم في مواجهتنا، ومع النجاح الذي صادف الكيان، في وسط عربي مشغول باحتلال قديم لم يكن يريد أن يرحل، ونخب لا تزال مشوشة بين ضرورات التحرر وتكاليفه، تحولت نظرية الردع الصهيونية إلى ألف باء الحركة، وكان ضمانها واستمرارها أولوية للقوى العظمى، بريطانيا ثم الولايات المتحدة، ضمن مخطط يرى في الكيان العصا الغليظة لكل خارج عن الإرادة الغربية أو رافض لها.

يمكن اعتبار حرب النكسة (5 حزيران/ يونيو 1967) أهم موقف تاريخي لهذه العقيدة، فبنهاية الحرب كانت الدول العربية المنخرطة في المواجهة المباشرة، مصر والأردن وسوريا، ممزقة الصفوف مبعثرة الكرامة، عقب أثقل هزيمة عسكرية عربية في العصر الحديث على الإطلاق، حيث ساعات قليلة من مواجهة جيوش عربية جرارة، كاملة العدة غزيرة العتاد، أثبتت أن السلاح الأميركي في اليد الصهيوني قادر على فرض إرادته على عشرات الملايين من العرب، وفي غياب عقيدة لدى المحاربين، كان النصر مدويًا، وكان السقوط العربي هائلًا، أليمًا، ولا يزال العقل ــ حتى بعد مرور كل هذه السنوات ــ قادرًا على استيعابه.
ومع حقبة الربيع العربي المشؤوم، تحول الكيان إلى انتهاج سياسة جديدة، لاقت بفعل مخططاته والمؤامرات الأميركية، نصيبها من النجاح السهل، ودون حتى أن يطلق رصاصة واحدة، واستطاع عبر وسائل إعلام عربية الاسم صهيونية الهوى أن يزرع فينا الخوف والهلع من المواجهة، وكرّس صورة ذهنية لدى الشعوب العربية بالذات، إنها دولة تملك الكفاءة والقدرة، وتعليم هو الأرقى في المنطقة، وسلاح فتاك لا نحلم حتى بمضاهاته، ومع كل هذا، راية منتصرة ترتفع بعد كل مواجهة عسكرية، ومدن تضج بالحياة وتشبع لهوًا واحتفالًا، فيما تئن مدننا وقرانا المقصوفة بموتاها وتلملم دمائها وجرحاها.

وبكل أسى، فقد نجح الكيان في رسم هذه الصورة الزائفة، ونجح أكثر في تمريرها إلى الوجدان الجمعي العربي، وبينما يكرس هو عقيدة التفوق، حصدنا نحن أثقال عقدة النقص ونجني توابعها مرًا ومرارة.

كانت النتيجة المباشرة هي أن الأنظمة الرسمية العربية تسابقت إلى أبواب الكيان، المغرب والسودان ودول الخليج تهافتت إلى رحلة الحج الأميركية الجديدة، علها تحصد البركة والرضا من واشنطن، وتحقق حلم ناحوم غولدمان القديم بتزاوج المال العربي والذكاء الصهيوني، كمفتتح لعملية سقوط عربية جديدة، وشاملة.

لكن في هذا الزمن بالذات، فإن العرب يملكون طريقًا جديدًا يدعى “المقاومة”، أثبتت وتثبت يوميًا قدرتها على المواجهة، وعلى الفعل، وهي متحملة لعواقب الحركة والخطوات، وتتحرك جماعيًا لتخليصنا من تبعات الزمن القديم وثوابته، وبكل صدق سيبقى يوم الثامن عشر من تشرين الأول 2023 يومًا فارقًا ولحظة تاريخية غير مسبوقة في صراعنا مع العدو الصهيوني، اليوم الأبهى والأجمل، الذي زينته الصواريخ اللبنانية التي أشعلت جبهة الشمال، والصورايخ العراقية التي دمرت قاعدتي العدو الأميركي عين الأسد وحرير في العراق، والرشقات التي لا تتوقف من مقاومة غزة الأبطال نحو تل أبيب والمدن الفلسطينية المحتلة، لتقول ببساطة ووضوح أن هذه الأمة ليست جسدًا ميتًا، وإنما هي حية وقادرة على الرد.

..

ما يجرى في المنطقة العربية خلال هذه الأيام الساخنة ليس صدامًا جديدًا، وقع دون تخطيط مسبق، ولا هو تطور طبيعي لما كان قبله، ما نشهده هو أقرب إلى وصف المستقبل عند مرحلة الخلق الأولى، زمن جديد بالكامل أطل علينا وأظلنا، وضعنا نحن للمرة الأولى مبتدأ جملته، وقرر محور المقاومة فرض معادلاته على العدو، الذي لا يجد في مواجهة واسعة من هذا النوع إلا تعجيلًا بالهلاك، ويبتلع يوميًا وكل ساعة ــ رغم كل التهديدات وحاملات الطائرات الأميركية ــ الضربات، وأكثر من هذا، يعجز حتى عن الرد الذي يقنع به نفسه وترضى به قطعان مستوطنيه، والأجمل أنه وجد نفسه في ركن زاوية معرض للمزيد من “الضربات القاضية”.

ما تقوم به صواريخ المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية هي أنها تحطم صورة الكيان المتفوق، التي أريد لها أن تكون النموذج، بكل بهاء وقدرة وحسم، وتمطرنا الأخبار الواردة من فلسطين العربية بشريط طويل من صور حطام المنازل ولهيب الحرائق المندلعة في الشمال والجنوب والشرق، وتروي قلوبنا وأرواحنا بوجوه قد صبغها الخوف وعلاها الرعب وكسرها الإذلال، وفي الخلفية ألحان موسيقية خلابة من أصوات صفارات الإنذار ودوي أصوات سيارات الإسعاف.

لم يكسر سلاح محور المقاومة “عقيدة الردع” الصهيونية، وفقط، بل كسر أيضًا “النموذج” الصهيوني المتفوق، ليس عبر جولة القتال المستمرة منذ يوم السابع من تشرين الأول، وفقط، ولكن عبر طريق طويل معبد بالدم والخطوة فيه أخذت منا ما أخذت من تضحيات هائلة، ودماء الأبناء والأخوة والأباء من أهل الله وأصحاب تاج الشهادة ومجدها السماوي، وهي التي جعلت هذا اليوم ممكنًا.
..
ما جرى في المستشفى المعمداني جريمة سوداء بكل معنى ومذبحة على أي مقياس، ويمكن ردها كلها إلى الموقف العربي المتخاذل سياسيًا من قضية فلسطين، فالعدو ــ أي عدو ــ حين يعرف مقدمًا أنه لا يحاسب، فإنه لن يفكر مرتين في ارتكاب أبشع الجرائم وأكثرها ترويعًا، الخطأ كان في حسابات الأنظمة العربية والشعوب العربية، والخلل الواقع كان في دفاترنا أولًا، والسياسة العربية الرسمية ذاتها هي التي تكفلت منذ زمن بنزع سلاحها وتقليم أظفارها، ثم هي قد تطوعت ثانية بنزع ملابسها بعد تسليم أقدارها إلى “السيد” الأميركي، وفي الأخير فرطت في ثقتها بنفسها، ومعها أو قبلها في كل اعتبار كرامة أو شرف أو دين، كان يقتضي منذ اللحظة الأولى لمعركة “طوفان الأقصى” موقفًا واضحًا وصلبًا مع الشعب الفلسطيني.

لم يبقى الكثير على قطعان المستوطنين حتى يدركوا أن مشروعهم قد فشل، وأن الحل الوحيد هو الهرب إلى الدول التي جاؤوا منها، مصداقًا لما بشرنا به سماحة السيد حسن نصر الله، وأكد سماحته عليه في أكثر من مناسبة، والله هو أوهن من بيت العنكبوت يا سيد، لو توفرت الإرادة لكل إنسان على أرض فلسطين، هذا الكيان الذي يستشرس على المدنيين والضعفاء وقصور الحكم العربية، يهتز ويتداعى أمام مسدس في يد فلسطيني، ويرتعد أمام سلاح خفيف في الداخل المحتل، ويفزع أشد الفزع أمام صواريخ المقاومة، وحقًا وغدًا سيعودون من حيث جاؤوا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.