لكي نفهم ما يجري وما سيجري في أوكرانيا… ثورات ملونة مزورة…. وانقلابات حقيقية من صنع الناتو

 

 
“لا تُغادروا الشارع طالما أن النظام لم يسقط بعد”
يوليا تيموشنكو (زعيمة أوكرانية من الطبقة العليا)

“من اليوم، يبدأ الاضراب العام. لقد انطلقت الثورة في أوكرانيا”
أوليغ تياغنيبوك (أحد قادة المعارضة الأوكرانية)

1) انقلاب وضيع في كييف… الغرب يعتمد خيار القوة والشغب

“ثورة ملونة”، أي انقلاب وضيع من صنع الاتحاد الأوروبي والناتو. ذلكم ما يجري في كييف، عاصمة أوكرانيا. نشهد فيها بواكير تحركات معروفة جيداً في شرق أوروبا.

في يوم الأحد، الأول من كانون الأول : ديسمبر 2013، سيطرت أعداد من المتظاهرين على مكاتب بلدية كييف وذلك خلال تظاهرات المعارضة في العاصمة. هذا ما صرحت به أولغا بيليك، الناطقة باسم الشرطة الأوكرانية لمراسل وكالة الأنباء الفرنسية.

وأضافت: “والآن يتباحث المسؤولون عن قوى الأمن مع المواطنين الذين سيطروا على مكاتب البلدية. يشرحون لهم أن ما يفعلونه غير قانوني ويطلبون منهم مغادرة المبنى”. ولاحظت صحافية تعمل في وكالة الأنباء الفرنسية أن المتظاهرين كانوا يدخلون إلى مبنى البلدية حيث علقوا على واجهة المبنى لافتة كتب عليها “مركز إدارة عمليات الثورة”. كما احتلوا “بيت النقابات” وحولوه إلى “قيادة أركان” المعارضة. وهنا عليكم أن تتذكروا ما حدث في بلغراد في تشرين الأول / أكتوبر 2000، إذ أن كل شيء كان قد بدأ هناك بالطريقة نفسها.

أما المناسبة فهي هزيمة الاتحاد الأوروبي -الذي لا يمثل هنا غير الجناح السياسي لحلف الناتو- أمام موسكو في مفاوضات انضمام أوكرانيا اقتصادياً إلى الاتحاد. فبدلاً من الاتحاد الأوروبي ووعوده الفارغة، يبدو أن كييف تفضل الانضمام إلى الكتلة الاقتصادية الأوراسية التي تقودها موسكو. وعلى الفور، جاء النداء بالنزول إلى الشارع. تظاهرات، شغب، تحريض واستفزاز، ونداءات إلى إسقاط الرئيس والبرلمان المنتخبين بطريقة شرعية.

“متظاهرون سلميون” في كييف أم مخربون فاشيون جدد ؟

بعيداً عن البروباغندا التي تبثها وسائل إعلام الناتو عن “المتظاهرين السلميين”، فإن المعارضة الأوكرانية هي عنيفة إلى الحد الأقصى. وتعترف وكالة الأنباء الفرنسية نقلاً عن مصادر حكومية أوكرانية بأن “الاشتباكات التي وقعت في الحي الحكومي القريب من “ساحة الاستقلال” التي حدثت فيها التظاهرات راح ضحيتها حوالي مئة جريح في صفوف رجال الشرطة”. وتضيف بأن “الصدامات الأولى قد وقعت أمام مركز الإدارة الرئاسية الذي تحرسه القوات الخاصة والذي حاول اقتحامه مئات الشبان الذين يخفون وجوههم بالأقنعة. وقد ردت القوات الخاصة باستخدام القنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع ضد هؤلاء المهاجمين الذين كانوا قد أتوا ببلدوزر، على ما يبدو بقصد تحطيم مدخل المبنى”، وهذه الطريقة سبق واستخدمت في بلغراد في تشرين الأول / أكتوبر 2000.

حاضرة على الدوام هي الأعلام الحمراء ـ السوداء التي يرفعها الفاشيون الأوكرانيون الجدد البنداريون (أتباع بنديرا) زعيم الفاشية الأوكرانية التي أعيد إليها الاعتبار من قبل الثورة البرتقالية. جنباً إلى جنب مع الفاشيين “التضامنيين” من جماعة “التحالف الشعبي للعمل) (NTS) (وهي جماعة معارضة وناشطة منذ ما قبل تفكك الاتحاد السوفياتي). والواضح أن وسائل إعلام الناتو لا تلحظ وجودهم. في العام 2004، خلال مظاهرات البرتقاليين في ساحة “ميدان”، كان هؤلاء هم من شكل المجموعات الصدامية.

okrain

من جهة أخرى، هنالك أنباء تتوارد على وسائل الاتصال الاجتماعي مفادها أن المجموعات الصدامية تضم إسلاميين وهابيين من التتر القادمين من شبه جزيرة القرم (وهؤلاء موجودون بشكل بارز في صفوف جهاديي سوريا). وقد تم استقدام أعداد منهم للجهاد في أوكرانيا. كما أن أعلامهم حاضرة أيضاً. والمعروف أن تتر شبه جزيرة القرم قريبون من البنداريين، وشأن الكثيرين من الأوكرانيين كانوا في عداد المتعاملين مع النازيين. وإلى جانب هؤلاء، هنالك إسلاميون قادمون من إمارة القفقاس (الشيشان، داغستان)، وهم يشكلون مجموعات إرهابية تضرب في روسيا وتحارب في سوريا.
البيت الأبيض هو من يمسك بأطراف الخيوط في أوكرانيا

إذا كان هنالك ما يؤشر إلى أن بروكسل، وهي مقر الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي خصوصاً، على علاقة بما يجري في كييف، فإن الولايات المتحدة هي التي تمسك بأطراف الخيوط في أوكرانيا. لقد بدأ الموقع الالكتروني الرسمي للرئاسة الأميركية بنشر العرائض والنداءات بغرض إقرار عقوبات ضد كييف، ولكن أيضاً بغرض إقالة الرئيس والحكومة المنتخبين.

وقد نشر موقع البيت الأبيض الأميركي عريضة تطالب بفرض عقوبات على الرئيس الأوكراني، فيكتور يانوكوفيتش، وعلى أعضاء الحكومة الأوكرانية. وجمعت هذه العريضة التي انطلق العمل بها في 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2013، أكثر من مئة ألف توقيع. والمعروف أن وثيقة تجمع مئة ألف توقيع خلال ثلاثين يوماً يصار رفعها بشكل آلي إلى الإدارة الرئاسية للنظر فيها. ويطالب أصحاب العريضة بأن تقوم السلطات الأميركية بفرض حظر على دخول يانوكوفيتش والوزراء الأوكرانيين وأفراد أسرهم إلى الولايات المتحدة. كما تطالب بتجميد حسابات الشركات التي يملكها هؤلاء الأشخاص. هذا، ويعرب هؤلاء عن إصرارهم على عدم القبول بحرمان الأوكرانيين ـ من قبل يانوكوفيتش وحكومته ـ من حقهم في الاقتراب من الحضارة الغربية.
ولنضف بالاستناد إلى سيرغي فلاسنكو، المحامي الموكل بالدفاع عن يوليا تيموشينكو، أن مجلس الشيوخ الأميركي قد أقر بالإجماع قراراً حول أوكرانيا يدعو إلى “إطلاق سراح رئيسة الوزراء السابقة، يوليا تيموشينكو، وغيرها من السجناء السياسيين على الفور”. وفي هذه الوثيقة، حث مجلس الشيوخ الأميركي “إدارة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش على إطلاق تيموشينكو والسجناء السياسيين فوراً”. وفوق ذلك، طلب إلى وزارة الخارجية الأميركية وإلى منظمة الأمن والتعاون الأوروبي ممارسة الضغط الديبلوماسي على يانوكوفيتش.

من الثورات الملونة إلى الربيع العربي

السيناريو الذي يرتسم في أوكرانيا معروف جيداً. فبين العام 2000 والعام 2005 حدثت سلسلة من “الثورات الملونة” التي أدت إلى قيام أنظمة موالية للولايات المتحدة أو سعت إلى تحقيق هذا الهدف: صربيا (تجربة ناجحة في العام 2000)، بيلوروسيا (تجربة فاشلة توقفت بعدها محاولات الانقلاب الغربية)، محاولات برتقالية في جورجيا وأوكرانيا وقرغيزستان.

ومنذ العام 2005، حدثت موجة ثانية مع محاولة لتصديرها إلى الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. وقد أفشلها بوتين في روسيا وتكررت دون نجاح في بيلوروسيا. أما في مولدافيا فقد فشلت ولكنها فرضت انتخابات فازت بها الأحزاب الموالية للناتو. كما حدثت محاولتان فاشلتان في فنزويلا.

وفي العام 2011، اندلعت تحركات مشابهة في كل مكان تقريباً حيث صدرت العملية إلى الشرق بعد تجريبها جيداً من قبل المدبرين أنفسهم والاختصاصيين ذاتهم. وقد حصلت تحولات في المغرب وتونس ومصر، لكنها تحولت فوراً إلى حرب أهلية في ليبيا. أما في اليمن والجزائر فقد فشلت غير أنها تحولت إلى حرب أهلية في سوريا، وكل ذلك ليس بفعل الصدفة.

خفايا الثورات الملونة ونسخها العربية

في البداية، تحسن مشاهدة الفيلم الذي يتحدث عن تنظيم “الثورات الملونة” في أوروبا الشرقية. ففي هذا الفيلم الوثائقي الذي أعدته مانون لوازو في العام 2005 يتم الكشف عن ممولي ومدبري هذه الثورات في أوروبا الشرقية.

عنوان الفيلم هو “الولايات المتحدة تغزو الشرق”. وهو يشرح كيف قامت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بـ “تصنيع” الثورات الملونة ذات الأسماء الزهرية في بلدان الكتلة السوفياتية سابقاً. وهذا التحقيق هو أكثر من مهم، خصوصاً بعد تصدير الثورات إلى الشرق الأوسط. فهو يمكننا من أن نفهم التشابكات المعقدة في هذه العمليات المدبرة الخفية التي تخدم المشاريع الامبريالية للولايات المتحدة وذراعها العسكرية المتمثلة بحلف الناتو (الاتحاد الأوروبي لا يقوم إلا بدور ثانوي).

ومن خلال تفكيك رموز الثورتين الجورجية والأوكرانية، يجري الفيلم، من بيشكيك إلى واشنطن، تحقيقاً في كواليس هذه “الثورات الديموقراطية” المزيفة، ويكشف الأوراق المخفية في تحول بلدان من أوروبا الشرقية إلى المدار الأميركي.

أسطورة اللاعنف

في مرحلة أولى، نجد في قلب “الثورات الملونة” شبكتي “أوتبور” و”كانفاس” والمرتزقة الدوليين وعملاء الناتو الصغار. وهؤلاء ينتشرون بين بلغراد وبودابست حيث يقوم مركز العمليات الخاصة للولايات المتحدة والناتو في أوروبا (بوبيسكو). كما أن هؤلاء هم من قام منذ العام 2000 بالإعداد لـ “الثورات الملونة” وتنظيمها في شرق أوروبا، ومنذ العام 2009 في “الشرق الأوسط الكبير” بتحضير وتنظيم “الربيع العربي” المزعوم، وذلك بعد تجربة ناجحة أجريت في لبنان عام 2005 وأدت إلى رحيل القوات السورية.

okrain01

في المرحلة الثانية، تحول الوضع إلى حرب أهلية مع وصول الجهاديين عن طريق الناتو. وعندها تحولت “الثورة اللاعنفية” إلى انقلاب مسلح. وقد كتبت موسوعة “ويكيبيديا”، وهي واحدة من أدوات التضليل العديدة العاملة في خدمة الناتو، كتبت بكل جدية : “أبدى معظم مناصري هذه الثورات مقاومة لاعنفية في الاحتجاج على حكومات منظور إليها على أنها فاسدة وتسلطية، ومن أجل أن يدفعوا إلى الأمام قضية الديموقراطية والاستقلال بشكل أساسي عن موسكو. وقد اعتمدت هذه الثورات شعارات هي عبارة عن لون أو اسم زهرة. وتميزت هذه الثورات بالدور الهام الذي لعبته فيها التنظيمات غير الحكومية “وخصوصاً النشطاء من الطلبة الذين حرصوا على اعتماد المقاومة اللاعنفية”.

أما ما يجري في الواقع، فإن المرحلة الثانية في ثورات أوروبا الشرقية مرحلة الهجوم العنفي واحتلال الأبنية العامة ومجالس النواب. أما في العالم العربي، فتتم عبر التحول من الانقلاب إلى الحرب الأهلية. وعندها يأتي دور المخربين الفاشيين الجدد (كما في جورجيا وأوكرانيا وبيلوروسيا وروسيا) والجهاديين والقوات الخاصة التابعة للناتو (كما في ليبيا وسوريا).

بالإضافة إلى ذلك، فإننا نجد نموذج هذه التحركات في بلغراد عام 2000، حيث سبقتها موجة من الاغتيالات التي استهدفت كوادر نظام ميلوسيفيتش “القومي ـ الشيوعي)، وخصوصاً العسكرية والأمنية. والمقصود من ذلك هو إخلاء الشارع من كل قوة منظمة من شأنها أن تواجه قوات الناتو الصدامية. وقد تم اغتيال زيلينكو راجناتوفيتش المشهور باسم “أركان” في 15 كانون الثاني / يناير 2000 بهدف تصفية الشخص الذي كان من شأنه أن يكون الأكثر قدرة على تنظيف الشارع في بلغراد لصالح حكومة ميلوسيفيتش، بمعونة رجاله من قدامى “النمور” (فرقة كوماندوس صدامية) والنواة الصلبة المكونة من مشجعي نادي كرة القدم البلغرادي المعروف باسم “النجمة الحمراء” والذي كان يرئسه “أركان” نفسه.

والغريب أن هذه الطريقة في التحرك على مرحلتين في جميع الأمكنة التي نجحت فيها التحركات المذكورة لم يتطرق إليها أحد بالدرس والتحليل.

من صربيا العام 2000 إلى الشرق الأوسط : موجة من الانقلابات العنفية المدبرة من قبل الولايات المتحدة والناتو

في 5 تشرين الأول / أكتوبر عام 2000 حدثت الثورة المضادة التي أدت إلى سقوط سلوبودان ميلوسيفيتش الذي كان قد فاز في الانتخابات في جميع المناطق باستثناء بلغراد. ولكن الصرب المؤيدين للغرب والذين تم إعدادهم في الولايات المتحدة والمجر (مركز العمليات الخاصة للناتو) اعتمدوا نهجاً كان قد سبق تجريبه في الانتخابات التشريعية في سلوفاكيا عام 1998 وفي كرواتيا عام 2000. ويتميز هذا النهج بالتعبئة المكثفة للمدنيين بهدف المشاركة في التصويت، وبتوحيد صفوف المعارضة السياسية تحت إشراف السفارة الأميركية. ولم يتخذ المحتجون لوناً أو شعاراً خاصاً غير شعار “غوتوف يي” (انتهى !). كما أن المظاهرات كانت مدعومة من قبل حركة الشبيبة “أوتبور” التي ترعاها وتمولها الولايات المتحدة، والتي قام بعض أفرادها فيما بعد بتصدير خبرتهم إلى الثورات المضادة في بلدان أخرى.

من جهتها، فإن “ثورة الورود” التي حدثت في جورجيا بعد الانتخابات المتنازع بشأنها أدت إلى سقوط إدوارد شيفارنادزه واستلام منصبه بعد انتخابات تشريعية جديدة، في آذار / مارس 2004، من قبل ميخائيل ساكاشفيلي الذي يحمل الجنسية الأميركية. وقد حازت “ثورة الورود” على دعم حركة المقاومة المدنية “كمارا” التي تعتبر النسخة المحلية لـ “أوتبور”. وكان على الجورجيين أن يكافحوا طيلة تسع سنوات قبل أن يتمكنوا من التخلص من نظام ساكاشفيلي التسلطي. كما أنهم خسروا الحرب التي شنها ساكاشفيلي على أوسيتيا الجنوبية (وهي جمهورية أعلنت استقلالها من جانب واحد في العام 1992 ثم انفصلت عن جورجيا).

أما “الثورة البرتقالية” في أوكرانيا فحدثت بعد الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها والتي أجريت عام 2004. وقد ألغيت نتيجتها وتم إجراء انتخابات جديدة. وقد أدت هذه الانتخابات إلى هزيمة فيكتور يانوكوفيتش واستلام منصب الرئاسة من قبل زعيم المعارضة فيكتور يوشتشنكو، وذلك تحت ضغط الشعب والبلدان الغربية. وكانت “الثورة البرتقالية” مدعومة من قبل حركة “بورا” (آن الأوان). وخلال الانتخابات الثانية تدخلت الجماعات الفاشية الجديدة وخصوصاً عصابات البنداريين المتحدرين من الفاشية الأوكرانية لفترة ما قبل العام 1945.

.وفي قيرغيزستان، كانت “ثورة الزنابق” أشد عنفاً من الثورات السابقة. لكن دوائر التضليل التابعة للناتو من أمثال “ويكيبيديا” و”أوتبور” هي وحدها من روج لأسطورة اللاعنف. وجاءت هذه الثورة بعد الانتخابات النيابية المتنازع عليها والتي أجريت في العام 2005. وكانت أيضاً أقل تماسكاً ووحدة من الثورات السابقة، حيث اعتمد المتظاهرون القادمون من مناطق مختلفة ألواناً مختلفة للتعبير عن احتجاجهم كاللونين الوردي والأصفر. واستندت هذه الثورة إلى دعم حركة “كلكل”.

وفي مولدافيا، فاز حزب الشيوعيين في الانتخابات التشريعية في 7 نيسان / أبريل 2009، لكن المعارضة وجهت له تهمة التزوير ودعت المواطنين إلى الثورة. وقد حدثت اضطرابات في العاصمة شيزينو حيث سار المتظاهرون وأحرقوا البرلمان ووصلوا إلى حد الدعوة مرة أخرى إلى ضم البلاد إلى رومانيا المجاورة. كان ذلك بمثابة عودة كبيرة لليمين المتطرف الفاشي المطالب بإقامة “رومانيا الكبرى” الذي سبق وتحرك في الفترة ما بين 1989 و1995 إلى قلب الحدث. وقد أدت هذه الانتفاضة المدعومة من قبل الناتو وقوى اليمين المولدافية إلى إجراء انتخابات جديدة وتنحية الحزب الشيوعي المنظور إليه من قبل الناتو على أنه يمنح تأييداً زائداً عن الحد لروسيا.

okrain02
القبضة المرفوعة في أوكرانيا..

وفي روسيا نفسها، جرت خلال انتخابات العام 2011 التشريعية، ثم خلال الانتخابات الرئاسية في آذار مارس 2012، محاولة لإطلاق ثورة ملونة. وقد تم فتح تحقيق حول حركة “غولوس” لأنها نشرت بشكل غير شرعي، وبهدف التأثير على الناخبين، استطلاعات للرأي خلال الفترة التي سبقت الانتخابات. وتتلقى هذه المنظمة التي تأسست عام 2000 أموالاً من جورج سوروس عن طريق المؤسسة القومية من أجل الديموقراطية (NED).

وخلافاً للثورات في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، لم تأت “ثورة الأرز في لبنان” بعد انتخابات متنازع عليها، بل بعد مقتل قائد من قادة المعارضة في العام 2005 هو رفيق الحريري. بدلاً من إلغاء الانتخابات، طالبت هذه الثورة بانسحاب القوات السورية من البلاد. ولكن بعض العناصر والطرق المستخدمة في الاحتجاجات كانت مشابهة لتلك الثورات بحيث كان من الممكن لهذا الحدث أن يوصف من قبل الإعلام والمعلقين بأنه ثورة ملونة. فشجرة الأرز هي شعار لبنان، ومنها اشتقت الثورة المزورة اسمها. غير أن وجود القوات السورية والميليشيات المتحالفة معها، وخصوصاً وجود حزب الله الشيعي، كل ذلك لم يسمح بالانتقال إلى المرحلة الانقلابية الثانية.

وفي فنزويلا، شكل إسقاط هوغو شافيز هدف تصدير “الثورات الملونة” إلى أميركا اللاتينية. فقد ظهر منذ العام 2005 شعار مستنسخ عن شعار “أوتبور” . وهذا الشعار هو “بيت الحرية في فنزويلا” الذي أطلق الدعوة إلى “قيام حركة طلابية تشكل رأس حربة المعارضة في ظل فشل الأحزاب السياسية” المؤيدة للولايات المتحدة. و”بيت الحرية” هذا هو مؤسسة أميركية محافظة تتحرك فوق ذلك بوصفها معهد أبحاث لإنتاج فكر اليمين الجذري. وهو يحصل على التمويل من الحكومة الأميركية ويزعم بأنه يسعى إلى “تعزيز الديموقراطية” في بلدان تحكمها حكومات اشتراكية. وقد فضح ناعوم تشومسكي علاقة “بيت الحرية” بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. كما أن الفيلم الوثائقي المثير “الولايات المتحدة تغزو الشرق” الذي أعدته المراسلة الفرنسية مانون لوازو قد جرى عرضه من قبل تلفزيون الدولة الفنزويلية.

وقد توفي تشافيز بالسرطان وأجريت انتخابات رئاسية مبكرة فاز فيها مادورو الوريث الذي اختاره تشافيز. وهنا أيضاً، حاولت المعارضة المؤيدة للولايات المتحدة إطلاق “ثورة ملونة”، مع محاولات مماثلة في كوبا.

كيفية التصدي للثورة المضادة الغربية / المختبر البيلوروسي

يمكن تلمس انزعاج وسائل إعلام الناتو بوضوح إزاء فشل المحاولات الهادفة إلى إطلاق ثورات ملونة، لا سيما في بيلوروسيا. فموسوعة ويكيبيديا، بما هي جندي صغير من جنود الناتو، اختارت ألا تتكلم عن بيلوروسيا بالمرة على صفحتها المكرسة لـ “الثورات الملونة”، وهذا أمر ذو دلالة أكيدة. فإذا كانت يوغوسلافيا ميلوسيفيتش قد شكلت مختبر الثورات الملونة، فإن بيلوروسيا لوكاشينكو، أي الرجل الذي استطاع أيضاً ـ باشتراكيته ما بعد السوفياتية ـ أن يوقف وأن يعكس اتجاه “عملية الانتقال” في الشرق، هي مختبر مقاومة الثورة المضادة المصنعة من قبل الولايات المتحدة وحلف الناتو.

ففي كل معركة انتخابية، نجد محاولة لإطلاق ثورة ملونة في بيلوروسيا.

النسخة المحلية من “أوتبور” تسمى “سبير” (ثور البيزون). وقد خشي الرئيس لوكاشينكو المدعوم بسلطة شعبية تداعيات الانقلاب الذي حدث في صربيا عام 2000. لكنه صرح منذ العام 2001 بأن “مينسك ليست بلغراد”. واتخذ إجراءات أبرزها إقامة “الجبهة الجمهورية للشبيبة في بيلوروسيا”، ومهمتها الوقوف في وجه جماعات الناتو الصدامية في الشارع.

okrain05
شعار حركة ستة ابريل في مصر وشعار المتظاهرين اوكرانيا

وقد استوحى الرئيس بوتين في روسيا من الإجراءات المتخذة في بيلوروسيا فشكل، في العام 2005، “حركة الشبيبة الديموقراطية والمعادية للفاشية في روسيا” بهدف السيطرة على الشارع. ولا بد من الإشارة إلى أن اليمين المتطرف الفاشي الجديد، وخصوصاً “الجبهة الوطنية في بيلوروسيا” القريبة من اليمين المتطرف البولندي المعادي لروسيا والذي هاجم السفارة الروسية في فارصوفيا قبل عدة أسابيع، هو الذي ينزل الجماعات الصدامية إلى الشارع شأنه في ذلك شأن الجهات الفاشية الجديدة في سائر أوروبا الشرقية.

وقد اتهم الرئيس لوكاشنكو المعارضة بأنها “مأجورة” للمصالح الأجنبية والأميركية تحديداً. وقد قامت مينسك منذ عدة سنوات بطرد جميع المنظمات غير الحكومية الدولية، ومنها مؤسسة سوروس، وبذلك أصبح من غير الممكن تقريباً للجماعات الفاشية الجديدة أن تحصل على التمويل الأجنبي.

التمويل الأميركي للمرتزقة الغربيين

قلب النشاط الغربي هو المال الذي يوزع على نطاق واسع على المرتزقة المتعطشين إلى هذا المال. ويتهم معارضو الثورات الملونة مؤسسة سوروس و/أو الحكومة الأميركية بدعم وحتى بتنظيم الثورات بهدف خدمة المصالح الغربية. ومن المهم الإشارة إلى أن العديد من بلدان آسيا الوسطى قد اتخذت إجراءات مختلفة، بعد الثورة البرتقالية، بحق “معهد انفتاح المجتمع” التابع لجورج سوروس. فأوزبكستان مثلاً أجبرت المكاتب المناطقية لهذا المعهد على إقفال أبوابها عندما اتهمته وسائل الإعلام الطاجيكية الرسمية بالفساد والمحسوبية، على ما ذكرته ويكيبيديا الأداة التضليلية العاملة في خدمة الناتو.

والواقع أن جميع التحقيقات الحكومية أو المنفذة من قبل صحافيين مستقلين لا تدع أي مجال للشك. وهناك “أدلة تثبت تورط الحكومة الأميركية عبر الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) والبرنامج التنموي التابع للأمم المتحدة (UNDP) في دعم شبكات انترنت على الأقل في بلد واحد هو قيرغيزستان الذي حدثت فيه ثورة ملونة”. وقد استخدمت هذه الشبكات فيما بعد بالترافق مع أوتبور/ كانفاس في تكوين نشطاء النت المؤيدين للغرب في تونس وليبيا والجزائر ومصر والمغرب وسوريا،
وقد بين الفيلم الوثائقي “الولايات المتحدة تغزو الشرق” الذي أعدته المراسلة الفرنسية مانون لوازو مشاركة الولايات المتحدة في “ثورة الزنبق” في قيرغيزستان. ويظهر في الفيلم مايك ستون الموظف في “بيت الحرية” وهو يشارك في تنظيم التحرك. كما يظهر فيه نشطاء الثورات السابقون أمثال جيغا بوكيريا الذي نشط في “ثورة الورود” في جورجيا والذي قدم لمساندة الجماعات التي كانت بصدد الاعداد لـ “ثورة الزنبق”.

وقد وصفت صحيفة “الغارديان” البريطانية “الثورات الملونة بأن وراءها تأثيرات المحافظين الجدد ضمن استراتيجية للتآمر والهيمنة”. وأكدت أن تدخلات مباشرة قد حصلت من قبل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، والمعهد القومي لدعم الديموقراطية، والمعهد الجمهوري القومي، والمعهد القومي الديموقراطي للشؤون الدولية، وبيت الحرية. وهنالك معلومات على مواقع الانترنت التابعة لهذه التنظيمات (التي تحصل أربعة منها على التمويل من الخزانة الأميركية) تثبت صحة ما أوردته الغارديان. كما تشارك في هذا النوع من التحركات جمعية “المشروع من أجل التحولات الديموقراطية”.

okrain04
…وشعار قوى 14 أذار

هذا، واعترف ناشطون من “أوتبور” في صربيا ومن “بورا” في أوكرانيا بأن المنشورات والمعلومات التي حصلوا عليها من موظفي “معهد ألبرت إنشتاين”، ومركزه في الولايات المتحدة، قد ساعدتهم في وضع استراتيجياتهم.

وفي النهاية، يمكن لبحث بسيط على مستوى الصور التي ظهرت في “الربيع العربي” المزعوم أن يظهر الاستعمال المنهجي لشعارات “أوتبور” في ليبيا والمغرب ومصر والجزائر وتونس واليمن. وقد اعترف ساشا بابوفيك نفسه، وهو قائد “أوتبور”، بمشاركته في تكوين وتنظيم هذه الدمامل العربية. كما يكشف فيلم وثائقي نشر في بلجيكا عام 2011 عن معلومات هامة بهذا الخصوص.

موسكو وبلدان منظمة الأمن الجماعي: كيفية الرد

وقد اتخذت موسكو وحلفاؤها الموقف المطلوب تماماً إزاء هذه الأحداث. فعقدت في أواخر العام 2011 قمة كرست للتباحث في إطلاق السلسلة الجديدة من الثورات الملونة عن طريق “الربيع العربي” المزعوم. وقد ضمت هذه القمة جميع بلدان المنظمة المعادية للناتو وهي روسيا وبيلوروسيا وأرمينيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان. وأذاعت محطة “روسيا اليوم” في 25 تشرين / الأول 2011 مقالة بعنوان : “بلدان الاتحاد السوفياتي سابقاً تكتشف لقاحاً ضد الربيع العربي”. وأكدت المقالة أن روسيا قد “اتخذت مع جيرانها إجراءات وقائية”. وجاءت التشريعات الروسية الجديدة حول وضع وتمويل المنظمات غير الحكومية الغربية من ضمن العناصر التي يشتمل عليها الرد.

موجة الاضطرابات العنفية التي أطلقها الغرب لم تصل إلى نهايتها بعد

لقد أجرينا شخصياً تحليلاً مطولاً لهذه الأنشطة التي يحركها الناتو في أوروبا الشرقية منذ العام 2000، وفي الشرق الأوسط. وقد استفدنا خصوصاً من اتصالاتنا مع قيادات حركة الشبيبة الروسية “ناشي” (أصحابنا)، والتنظيم العالمي للجان الشعبية (كان مركزه في ليبيا)، والسلطات البيلوروسية. وغالباً ما اصطدمت شبكاتنا مع شبكات “أوتبور”، خصوصاً في روسيا وأوكرانيا وبيلوروسيا وجمهورية تراسنيستريا المولدافية ومولدافيا وليبيا. وقد وصف أحد الباحثين البولنديين تنظيمنا العالمي بأنه تنظيم “مضاد لأوتبور”.

وأنا شخصياً مكروه من قبل شبكات الناتو. وتقوم ويكبيديا وغيرها من الأدوات الفاشية الجديدة والقريبة من “الجبهة الوطنية” في فرنسا وبلجيكا بنشر سيرة حياتي بطرق مشوهة ومختلقة بقصد الإساءة إلي. وقد تعرضت للاعتداء مباشرة بسبب أعمالي في مولدافيا وجمهورية تراسنيستريا المولدافية ( تراسنيستريا المزعومة كما تسميها وسائل إعلام الناتو)، وذلك من قبل نيكولا بوبيسكو وهو موظف روماني تستخدمه دوائر الناتو في بودابست.

وأنا كنت الوحيد الذي نبه في طرابلس الغرب بتاريخ 6 شباط / فبراير 2011 إلى المخططات التي كان يجري إعدادها بخصوص ليبيا وسوريا. والوحيد الذي حلل علمياً واستبق الأحداث (بينما يلهث خلفها الآخرون) عندما أعلنت في البرلمان المدني الروسي بموسكو بتاريخ 13 تشرين الأول / اكتوبر 2011 ما أعلمه عن التحضيرات التي كانت جارية لتدبير انقلاب في روسيا بالتزامن مع انتخابات العامين 2011 و2012.
تاريخ لم يشرف على الانتهاء بعد. فالعمليات جارية في أوكرانيا. وقريباً جولة محتملة في الجزائر وبيلوروسيا. دون أن ننسى الحرب الأهلية التي يقودها الناتو في سوريا.
ترجمة :عقيل الشيخ حسين – موقع العهد الإخباري

عن موقع Luc MICHEL’s Transnational Action
بقلم Luc Michel

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.