الأبعاد السياسية ليقظة محكمة الجنايات الدولية

صحيفة الوطن السورية-

محمد نادري العمري:

في الوقت الذي تزداد فيه الضغوط على رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على المسارين الداخلي والخارجي، والمتمثل في اتساع رقعة الاحتجاجات والتظاهرات المناهضة له من قبل أهالي الأسرى المتواجدين لدى فصائل المقاومة وأهالي جنود الاحتياط المطالبين بألا يتحول أبناؤهم لـ«جمر نار» في حرب نتنياهو الشخصية، إلى جانب حراك المعارضة الساعية لاستثمار هذه التطورات لإسقاط حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة من خلال دعوتها لإجراء انتخابات مبكرة، بالتوازي مع ذلك فإنه للمرة الأولى يبدو أن الإدارة الأميركية باتت بحاجة لإيجاد حلول ولو كانت مؤقتة فيما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة لاعتبارات داخلية تتعلق بالوضع الانتخابي للرئيس جو بايدن وتخفيف حجم الضغوط على إدارته داخلياً وخارجياً وبصورة خاصة بعد اتساع نطاق التظاهرات والحراك الطلابي في الجامعات الأميركية وغيرها من جامعات أوروبا واستراليا، وهو ما دفع هذه الإدارة باتخاذ مواقف دبلوماسية وسياسية للضغط على نتنياهو وائتلافه اليميني تمثلت بداية في عدم استخدام حق النقض ضد مشروع القرار 2728 الذي تم تبنيه في نهاية آذار الماضي من قبل مجلس الأمن لوقف إطلاق النار في غزة خلال شهر رمضان المنصرم، تلى ذلك ضغوط واضحة للحد من التهور الإسرائيلي في الرد على الرد الإيراني بعد العدوان الإسرائيلي على مبنى القنصلية الإيرانية في العاصمة السورية دمشق، وصولاً لما بدأ يتردد في الآونة الأخيرة من تسارع الأنباء التي تفيد عن توجه المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، لإصدار هذا الأسبوع أوامر باعتقال نتنياهو ووزير الدفاع، يوآف غالانت، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي، هرتسي هاليفي، إلا أن هذا الخبر الذي اتسع نطاق تداوله لم يكن وليد الساعات السابقة، بل تعود نواته الأولى لأكثر من أسبوع حينما سارع نتنياهو لعقد عدة اجتماعات ضيقة جمعته مع خبراء قانونيين لمواجهة هذه الخطوة في حال حصولها وفق ما سربته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية من مصادر مقربة من مكتب رئيس حكومة الكيان.

 

على أي حال، ما يستوقفنا هنا، سؤال واقعي يفرض نفسه، هل فعلاً أن المحكمة ومدعيها العام قد صحا ضميرهما فجأة بعد مرور سبعة أشهر من المجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال في غزة؟ ولماذا الآن؟ وأين الولايات المتحدة الأميركية من كل ذلك؟

 

للإجابة عن هذه الأسئلة لابد من التوقف عند عدة حقائق:

 

أولاً: إن كريم خان الذي بدأت ولايته بعد انتهاء ولاية سلفه فاتو بنسودة نهاية عام 2020، التي واجهت إجراءات وضغوط غربية كبيرة نتيجة تحديها للإرادة الأميركية بعد تحرك بنسودة لفتح تحقيقات حول ما شهدته أفغانستان من جرائم بعد عام 2001، وبالتالي فإن كريم يختلف عن بنسودة في أنه أكثر مراضاة للدول الغربية، ولعل إصدار مذكرة توقيف ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في شباط 2023 هو خير دليل على ذلك، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن كريم ذاته لم يلحظ كل جرائم الكيان في غزة خلال شهري تشرين الأول والثاني 2023، عندما زار الأراضي المحتلة وتبنى الرؤية الإسرائيلية- الأميركية في تشويه صورة الفصائل الفلسطينية التي أدارت عملية طوفان الأقصى، رغم أن شهري تشرين الأول والثاني من العام 2023 قامت خلالهما إسرائيل بأبشع الجرائم وخاصة ضد المشافي ومن بداخلها مخالفة بذلك ما نصت عليه المادة 18 من اتفاقية جنيف الرابعة 1949، والبروتوكولات المكملة لها لعام 1977م.

 

ثانياً: إن هذه المحكمة لديها تاريخ حافل من الاستثمار السياسي منذ وضع نظام روما ودخوله حيز التنفيذ 2002، ولاسيما أنها تتحرك إما بطلب من مجلس الأمن أو بطلب من دولة موقعة على نظامها، ومن أبرز صور الاستثمار ما حصل من مقايضات غربية مع متهمين من قبل المحكمة بارتكاب جرائم إبادة أو جرائم حرب أو ضد الإنسانية، وكان آخرها تجميد اتهام الرئيس السوداني السابق عمر البشير بعد موافقته تقسيم السودان، كما أن تركيز عمل المحكمة بشكل كبير تركز ضد دول إفريقيا وشرق أوروبا، وهما ساحتان سعى الغرب للتوسع فيهما لتوسيع نفوذه والهيمنة على الموارد الاقتصادية ونهبها بالنسبة للأولى، ولتوسيع عمل حلف شمال الأطلسي «ناتو» واحتواء روسيا بالنسبة للثانية، ولتأكيد هذا الاستثمار السياسي، لابد من التوقف عند أن الولايات المتحدة التي وقعت على نظام روما ولم يصدق عليه الكونغرس قبل الانسحاب منها، تمتلك تأثيراً كبيراً على المحكمة من خلال الدول الحليفة لها مثل ألمانيا واليابان وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا التي تعد من أكثر الدول الممولة لعمل المحكمة، كما أن قبول فلسطين رسمياً الانضمام إلى نظام روما الأساسي في كانون الثاني 2015، لم يمنعها من إغلاق تحقيقها الابتدائي بالجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال تجاه الشعب الفلسطيني وإرثه الجغرافي على مدى عقود لتعود لإغلاق هذا الملف عام 2019 تحت الضغط الأميركي- الأوروبي الذي أدى في نهاية الأمر لاتخاذ تدابير وإجراءات ضد المدعية بنسودة ساهمت بإبعادها عن المحكمة.

 

ثالثا: قد يكون ما تم تداوله من أنباء تضمنت التلويح بإصدار مذكرات توقيف بحق نتنياهو وغالنت وهاليفي أو حتى احتمال صدور مثل هذا القرار خلال الفترة القادمة، مجرد محاولة أميركية إما للضغط على نتنياهو للقبول بصفقة تبادل تمهد لوقف إطلاق نار في قطاع غزة تتضمن تحرير الأسرى بما فيهم الأسرى السبعة الذين يحملون الجنسية المزدوجة الإسرائيلية- الأميركية كي توظف إدارة بايدن ذلك لتحسين واقع شعبية مرشحها الديمقراطي وانخراطها بالاستحقاق الانتخابي من ناحية، ولتخفيف حجم الضغوط الداخلية والخارجية عليها وكان آخرها الحراك الطلابي، فلوحت الإدارة الأميركية بفرض عقوبات على كتيبة «نيتسح يهودا» مع تحرك مصري بموافقة من واشنطن لطرح مبادرة توقف اجتياح رفح، أو قد يكون الهدف من التلويح بإصدار قرار اعتقال أو إصداره بالفعل، هو توجه أميركي للتضييق على نتنياهو وائتلافه اليميني ودفع نتنياهو لتخفيف حدة المراوغة في تعاطيه مع إدارة بايدن، أو قد يكون توجه من قبل بايدن لإزاحة نتنياهو من الحكم، من خلال سعي إدارة البيت البيضاوي لتطويق كل خصوم بني غانتس المحتملين من نتنياهو وغالنت وهاليفي.

 

بالعموم، قبول عضوية فلسطين في عام 2015، للدخول بعضوية روما، عُدت خطوة مهمة، إلا أن ما يتم تداوله اليوم من احتمال صدور مذكرات اعتقال تجاه مسؤولين إسرائيليين، لا يمكن وصفها بأنها من أجل حقن دماء الشعب الفلسطيني، ولا انطلاقاً من تطبيق المحكمة لاختصاصها في ملاحقة مجرمي الحرب، بل لأهداف سياسية تريدها واشنطن من خلال تقليم أظافر اليمين المتطرف في داخل الكيان أو إخراج نتنياهو من السلطة، الأمر الذي يجعلنا أمام سؤال آخر كيف ستكون ردة نتنياهو تجاه ذلك، هل سيقوم باستغلال هذا التطور على الصعيد الداخلي عبر تحشيد جمهور اليمين بالتزامن مع تركيز خطابه السياسي على أنه يقوم بحماية أمن الكيان رغم كل الضغوط الدولية التي يتعرض لها؟ أو سيتم التوصل لصفقة مع إدارة بايدن قوامها تخفيف تأثير حلفائه في الائتلاف والموافقة على إجراء تبادل للأسرى مع إبداء ليونة في الموقف الإسرائيلي من خلال التوصل لاتفاق تهدئة مؤقت لن يكون له استدامة في ظل بقاء اليمين المتطرف وفي مقدمتهم نتنياهو ووزير الأمن إيتمار بن غفير ووزير المالية يتسلائيل سموتريتش في السلطة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.