خطورة اللعب السياسي بالموازنة

 

صحيفة البناء اللبنانية ـ
البروفسور فريد البستاني:

طوال الفترة التي كانت فيها مناقشات الموازنة بين أيدي الحكومة ومن ثم خلال وجودها على مشرحة لجنة المال والموازنة، كنا نبدو ككتل نيابية ونواب ووزراء، كفريق يعمل للخروج بأفضل الممكن في ظلّ ظروف مالية وسياسية شديدة التعقيد، وبدونا للوهلة الأولى نتفوّق على الخلافات السياسية وننجح بتحييد السياسة عنها، ليكون الحكم هو البحث عن الأفضل، وغالباً ما ظهرت المواقف والمقترحات والاجتهادات قادرة على جمع خصوم سياسيين في موقف واحد، وتظهير تباينات داخل الكتلة النيابية الواحدة وصفوف الفريق السياسي الواحد، وكانت تلك علامة صحة وعافية وبشارة خير، وبدت هذه لحظة تعبّر عن قرار وطني يجسّده المعنيون في كلّ القوى بفصل الموازنة عن السياسة وترك الفرصة لأفضل الحلول والمخارج لبلوغ موازنة أفضل الممكن.

مع الانتهاء من أعمال لجنة المال والموازنة، بعدما كانت أعمال الموازنة على طاولة مجلس الوزراء قد انتهت بإحالتها إلى مجلس النواب، وصلنا إلى لحظة فاصلة لاختبار درجة بلوغنا سنّ الرشد السياسي، وقدرتنا على مواصلة العمل بروحية رجال الدولة، وتغليب المصلحة العليا للدولة على المصالح الفئوية والحزبية والسياسية، وقد تمكّنت مناقشات لجنة المال والموازنة، التي تشاركت فيها كلّ الكتل ونسبة من النواب تعادل نصف أعضاء المجلس واظبوا تقريباً على حضور أغلب جلسات النقاش، التي امتدّت على أيام طوال استهلكت خلالها النهار وبعض الليل، وطرحت خلالها الأفكار والمبادرات بصورة لا مكان فيها لحزبية أو فئوية، أو تمييز بين موقف حكومة ومجلس نيابي، وكان الحكم الوحيد هو البحث المشترك عن الأفضل، وإذ بنا نفاجَأ بنظريتين جديدتين تطرحان في التداول، الأولى تدعو رئيس الحكومة للتحرك من أجل الضغط على الكتل الممثلة بالحكومة للتصويت على مشروع الموازنة كما جاء من الحكومة ورفض كلّ التعديلات التي تمّت بروح إيجابية ومسؤولة في لجنة المال والموازنة، وتشارك فيها الجميع بهذه الروح. والثانية قيام بعض الكتل النيابية الممثلة في الحكومة والتي شارك وزراؤها ونوابها في كلّ نقاشات الحكومة ولجنة المال والموازنة إلى «اكتشاف» أنّ الموازنة غير مناسبة والتحدث عن نيتها التصويت ضد الموازنة.

بالنسبة للنظرية الأولى، من المستبعَد أن ينجح أصحابها بجعل رئيس الحكومة يستجيب لدعواتهم. فالنظام الديمقراطي البرلماني يقوم على ثنائية تفاعلية بين الحكومة والمجلس النيابي في إنتاج الموازنة، وما يُعرَض على الهيئة العامة هو التصويت على الموازنة بنداً بنداً ومادة بمادة، ينطلق من اعتبار أنّ ما هو معروض على الهيئة العامة للمجلس النيابي ليس مشروع الحكومة ولا مشروعاً نيابياً.، بل هو خلاصة نقاش حكومي نيابي التزم بسقف العجز الوارد في مشروع الحكومة، وربط كلّ زيادة في بند من بنود النفقات أو تخفيض لبند من بنود الواردات ببدائل أفضل، وتمّ التصويت عليها في لجنة المال والموازنة بعدما نوقشت نقاشاً مستفيضاً بمشاركة الحكومة ممثلة بوزارة المال، وبمشاركة ممثلين من كلّ الكتل النيابية، التي تشارك أيضاً في الحكومة، وسيكون أمراً غير مفهوم، وغير مقبول بالتأكيد، أن يدعو البعض للتغاضي عن كلّ هذا العمل الديمقراطي البرلماني المسؤول والدعوة للعودة إلى مشروع الموازنة، كما جاء من الحكومة.

أما النظرية الثانية التي تتجه إحدى الكتل النيابية لاعتمادها، فهي هرطقة في النظام الديمقراطي البرلماني، حيث الموازنة في منزلة دستورية تعادل البيان الوزاري للحكومة، والغريب أن يكون نواب الكتل المشاركة وغير المشاركة في الحكومة قد خاضوا في النقاشات الإيجابية وشاركوا في صياغة التوافقات التي شهدتها لجنة المال والموازنة، ثم فجأة ولاعتبارات لا تتصل بالموازنة ومناقشاتها، سواء في الحكومة ولجنة المال والموازنة، قرّرت كتلة نيابية مشاركة في الحكومة بصورة وازنة التصويت ضدّ الموازنة، ولذلك لا بدّ من التذكير أنه هنا يصحّ القول إنّ الكتل المشاركة في الحكومة ملزمة بالتضامن في التصويت في المجلس النيابي لصالح الموازنة، كما الحال مع البيان الوزاري ومنح الثقة للحكومة، إلا إذا ارادت أيّ كتلة الانسحاب من الشراكة الحكومية، بفعل ما تعتقده خلافات جوهرية في أحدهما، البيان الوزاري أو الموازنة، وهو ما لم يظهر أبداً خلال المناقشات الممتدة في الحكومة ولجنة المال لأكثر من شهرين.

استعمال مناسبة التصويت على الموازنة لتحميلها رسائل سياسية فئوية هو العبث السياسي بعينه، لأنه لا يأخذ بالاعتبار معايير النظام البرلماني الديمقراطي ولا ظروف لبنان المالية الدقيقة والحساسة، فللسياسة مناسبات أخرى وكثيرة، وبعض الرحمة للبنان واللبنانيين يقتضي الترفع عن هذا التسييس.

نائب الشوف في مجلس النواب اللبناني

خطورة اللعب السياسي بالموازنة
Reviewed by on
.
البروفسور فريد البستاني طوال الفترة التي كانت فيها مناقشات الموازنة بين أيدي الحكومة ومن ثم خلال وجودها على مشرحة لجنة المال والموازنة، كنا نبدو ككتل نيابية ونو
البروفسور فريد البستاني طوال الفترة التي كانت فيها مناقشات الموازنة بين أيدي الحكومة ومن ثم خلال وجودها على مشرحة لجنة المال والموازنة، كنا نبدو ككتل نيابية ونو
Rating:

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.