رياح سموم على لبنان

lebanese-army-orsal

صحيفة الوطن العمانية ـ
زهير ماجد:

من الصعب ان نصدق عربيا انه كالمتنبي الذي قال في وصف نفسه:” انام ملء جفوني عن شواردها / ويسهر الخلق جرّاها ويختصم”، فهذا المواطن العربي المصاب بداء المرحلة لم يطب له النوم منذ ثلاث سنوات ونيف، فيما الاحلام المخيفة تضرب ادمغة ابناء بلاد الشام الذين يجعلهم الاسرائيلي يقظى، فجاءهم ” داعش ” ومستقاته ليجعل استحالة هدوء.
فما فعلته اسرائيل انها ايقظت مجانينها لتضرب بهم الامكنة المضطربة اصلا فتزيدها غرابة وألما .. فهاهي ” داعش ” تنتقل بسرعة الى لبنان، تريد اختطاف اجزاء منه رغم انه بمساحته الكاملة لايعادل ما اختطفته من ارض العراق، او ربما يوازي وجودها في اراضي سوريا. تلك الاوباش الجديدة التي اطلقت غرائزها فسبقت الى التعريف بها، حولت ليل اهل الشام الى محنة .. انها مشكلة في بلاد الرافدين، بمسلميها ومسيحييها، بذلك الارث التاريخي الذي جعل من العراق مسرحا للتعايش الحميم.. وبعدها ارض سوريا بكل ثقل ايامها التي بات كل سوري في الرقة ودير الزور يعرف مصائبها .. لكن لبنان الذي غزته ” داعش ” و ” النصرة ” في اسرع عملية احتلال ايضا لبلدته عرسال، انقلبت ايامه بالسرعة ذاتها، وصار الحلو مرا، والشهد علقما بفم ابنائه الذين يتكونون من شتى المذاهب والطوائف، بل هو اكثر بلاد الشرق تبعثرا فيها.
استعجل الاسرائيلي ايصال ” خليفة المسلمين” الى بلد يصعب تقبل الفكرة بحكم مكوناته .. بل هو بلد لايمكن الغلبة فيه لأية فكرة مهما كانت، لأنه قائم على التوازنات، وقائم على التفاهم بين ابنائه المختلفين، ومحط اهتمام ورعاية من يعرفون هذه النقاط الحساسة التي تعايش عليها زمنا، وكان كلما تم اللعب فيها انقلبت الامور رأسا على عقب، ودخل البلد في حرب داخلية او توتر على قاعدة الانتباه الى انه لن يصلح الا بالعودة الى شكله الثابت.
هاهو لبنان يقاتل باللحظة ذاتها التي هبت فيها تلك الرياح السموم عليه، ولديه خبرته في هذا المجال، فهو قاتل ارهابيين جهاديين عام 2000 تقريبا في شماله، وقاتل ” فتح الاسلام ” في مخيم نهر البارد بعدما دمره تماما، وهو صاحب تاريخ ناصع في مقاتلة الاعداء وخصوصا الاسرائيلي الأب الروحي لتلك التنظيمات الاسلاموية فهزمه شر هزيمة مما غير حساباته بالنسبة لأي عدوان على لبنان.
تلك الاختصارات تؤكد مناعة هذا البلد الذي يظن انه قابل للاختراق بدون حسابات ردود الفعل، او ان هنالك بيئات حاضنة قد تتلاءم مع هذا الغازي الجديد او المحتل المتجدد، فيما الحقيقة تقول انه كان عصيا على جميع من حاولوا النيل منه، وسيكون عصيا ايضا على هذا الارهابي بكل تشكيلاته، ولن ينفع معه سواء اتخذ من اهالي عرسال دروعا أو حاول التفكير بالتمدد بعدما سدت في وجهه الابواب، يقينا بانه لن يتقدم مترا واحدا او يتسلل في غمضة عين، لأن كل العيون مفتوحة ولن تنام الا باخراجه من حيث اتى، حيث لم يبق له سوى القبر مكانا كما كان لكل غاز ومحتل قبله.
الصورة غير ميؤوس منها، رغم انها انتاج مشكلة جديدة ستأخذ وقتا قد يطول من اجل حلها، لكن دائما خارج اي تفاهم. فلا مفاهمة مع الارهاب، ولا حوار معه، ولا مصافحة .. العناد اللبناني ظهر منذ البداية، والوجوه الغاضبة اللبنانية اظهرت شجاعتها ولا محل لغير ذلك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.