الإنتخابات الرئاسية: إستحقاق وطني لا فلكلور ديمقراطي

ahmad-drouby-presedency

موقع إنباء الإخباري ـ
أحمد موسى دروبي:

تواجه المنطقة العربية مع بداية القرن الحادي والعشرين العديد من التحديات والتغيرات الطارئة، والتي باتت محط أنظار العالم أجمع.
وأبرز تلك التحديات: إستنهاض الشعوب في مواجهة أنظمة دكتاتورية تنتمي إلى حقب الأزمنة الغابرة – ودور السياسات الغربية المزدوجة في محاولات الإستفادة من الصراعات القائمة بين الشعوب وأنظمتها الرجعية لتمرير أو تسويق ديمقراطياتها الرأسمالية المزيفة، وذلك عبر عناوين مشبوهة: كالدفاع عن حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية أو محاربة التعصب الديني والدفاع عن الأقليات.
وعند النظر إلى الداخل اللبناني والمحيط الإقليمي القريب منه، فإننا نجد الآتي:
* أولاً: يواجه لبنان نتائج أحداث خطرة تهدد مصيره ووحدته الوطنية، منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مروراً بالإغتيالات السياسية التي حصلت فيما بعد وإنتهاءً بالعمليات الإرهابية التي إستهدفت المواطنين الأبرياء، تلك الحوادث الأمنية التي هدفت إلى تمزيق نسيج البنيان الإجتماعي والسياسي الوطني اللبناني، من خلال الآلة السياسية والإعلامية لقوى 14 آذار المدعومة أميركيا وعربياً، والقائمة على أساس بث سموم الفتنة الطائفية بين أوساط المجتمع اللبناني، من أجل دفع الأطراف اللبنانية إلى التقاتل مجدداً، كما حصل في السابع من أيار إثر صدور القرارين المشؤومين يومذاك عن مجلس الوزراء بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير.
* ثانياً: كذلك يواجه لبنان حالةً هجينة وغريبة مستوردة من الخارج، أتت من أتون نيران الصراع الداخلي في العراق وسوريا، ذلك الصراع الذي ألبسه الغرب ثوب ما أسماه: الربيع الديمقراطي العربي، والذي ما عاد بقادرٍ على أن يخفي خلفه ذلك الجسد المتهالك والمليء بالجراح والآلام، هو جسد الجسم الإجتماعي في العراق وسوريا، الذي تنخر به ديدان الطائفية الأحادية، فالغرب من أجل تثبيت مصالحه في المنطقة عمل على دعم التيار الديني السلفي في العراق وسوريا، في مواجهة نظامين أعلنا عن البدء بإصلاحات سياسية جذرية، لكن ذلك لم يلقَ آذاناً صاغية لها من قبل المعارضة وداعميها من الغرب والخليج، لأن خريطة سايكس بيكو جديدة قد رسمت للمنطقة وجفّ حبر أقلامها ودخلت حيّز التطبيق الفعلي تحت إسم الفوضى الخلاّقة.
ولبنان باعتباره جزءٍاً أساسياً من خريطة المنطقة، لما يلعبه من دور محوري في القضية الأولى لها وهي قضية: الصراع العربي – الإسرائيلي، فأمرُ طبيعي أن يكون أحد المداميك الأساسية في إعادة صياغة خريطة المنطقة. وهذا الأمر لا يتحقق إلا عبّر إدخال ورقة الإرهاب السلفي في كتاب الفتنة الطائفية في لبنان، عبر المعابر الحدودية غير الشرعية من جهة منطقة عرسال، الأمر الذي يُفسّر حقيقة التفجيرات الإرهابية التي حصلت مؤخراً في لبنان، وبالأخص في مناطق ذات لونٍ طائفي معين، نقيض للفكر السلفي.
* ثالثاً: إن دخول العلاقات الدولية من جديد في حقبة الحرب الباردة عبر بوابة الأزمة الأوكرانية، والدور التاريخي الذي كان لعبه لبنان كورقة رابحة في فترة الحرب الباردة السابقة في أيام حكم عبد الناصر، يجعل من لبنان مرتبطاً ، شاءت الأطراف اللبنانية أو لم تشأ، بصيرورة تلك الحرب، تأثراً وتأثيراً.
– من كل ما سبق، يظهر أن الإستحقاق الرئاسي اللبناني لم يعد فقط إستحقاقاً دستورياً، الغرض منه تفعيل العمل المؤسساتي اللبناني، بقدر ما هو حاجة وطنية لمواجهة ملفات وأزمات طارئة لم يعرف لها لبنان مثيلاً من قبل، تلك الحاجة الوطنية تنبع أساساً من قاعدة أو مبدأ دستوري يتجاوز في قيمته الدستورية النص المكتوب، وهو مبدأ الحفاظ على السيادة والوحدة الوطنية، ذلك أنه لا شرعية لأي سلطة تناقض العيش المشترك. فالمرشح الرئاسي الذي يستحق أن يصل إلى دفة الحكم هو ذلك القادر على مواجهة تلك الأزمات السابقة الذكر، والتي لا يمكن تجاوزها إلا من خلال المجيء برئيسٍ قوي، يملك حيثية شعبية ونيابية، ولديه خلفية تاريخية ناصعة وواضحة، يكون قادراً على جمع جميع الفرقاء اللبنانيين على طاولة الحوار الوطني، لوأد الفتنة الطائفية اللبنانية وإسترجاع الثقة المتبادلة بين جميع الأفرقاء اللبنانيين.
– أما ما يُقال من هنا وهناك حول الإختلاف في تفسير النصوص الدستورية بخصوص مستوى النصاب ونسبة الأصوات الواجب توافرهما في الجلسات النيابية لإنتخاب رئيس الجمهورية، وحول قانونية وأخلاقية استخدام الأوراق البيضاء أثناء عملية التصويت، فهي أمور أو مسائل تفصيلية حقوقية يُراد لها أن تُغلّف بغطاءٍ سياسي من أجل المزايدة الإنتخابية لا أكثر.
– لقد أثبت التاريخ السياسي اللبناني أن الأزمات الداخلية لا يمكن لها أن تُحل إلاّ عبر التفاوض وتقديم التنازلات من قبل الأفرقاء اللبنانيين، من أجل الوصول إلى تفاهم مشترك وتصورٍ موحد تجاه القضايا العالقة، ولنا في إتفاق الطائف وإتفاق الدوحة مثالان على صدقية هذا القول، وبالتالي فأزمة الخوف من الفراغ الرئاسي لا يمكن أن تُحل إلا عبر  التوصل إلى الالتفاف حول المرشح الذي يمكن أن يعطي كل ذي حق حقه عند وصوله إلى سدّة الحكم.
– إن التفاهم الذي حصل بين الأفرقاء اللبنانيين  بخصوص تقاسم الحقائب الوزارية ومعالجة مشكلة الفلتان الأمني في طرابلس وبعض مناطق الشمال، يُعطي دليلاً إضافياً على إمكانية الوصول إلى حلٍ مقبول حول هوية المرشح الرئاسي المراد إيصاله إلى قصر بعبدا.
– إن التقدم الحاصل في المفاوضات الجارية بين إيران والغرب بخصوص البرنامج النووي سينعكس إيجاباً على بقية الملفات العالقة في المنطقة، ومن جملتها: ملفا الأزمة السورية وأزمة الفراغ الرئاسي اللبناني، إضافةً إلى الإنتصارات العسكرية الكبيرة التي حققها مؤخراً الجيش السوري على مسلحي المعارضة، والتي دفعت الغرب وبعض بلدان الخليج إلى الإعتراف بالواقع الجديد، وهو إستحالة إسقاط النظام السوري، والخطر الداهم الذي قد تشكله الجماعات المسلحة المتطرفة مستقبلاً على أمن بلدانهم، ما أدى إلى تجفيف ـ أو على الأقل تقليل ـ تلك الدول لمصادر تمويل تلك الجماعات، وهذا هو بالطبع أحد الأسباب الرئيسية التي ساهمت في منع حدوث العديد من العمليات الإرهابية في لبنان (إقفال المعابر الحدودية غير الشرعية والقضاء على تجمعات المسلحين في القلمون وفي عرسال)، الأمر الذي سيخلق بيئة مستقرة وآمنة أمام اللبنانيين تُساعدهم على الإتفاق على مرشحٍ رئاسيٍ توافقي يُعيد التوازن في عمل المؤسسات الدستورية اللبنانية.
– إن مقولة أن كلمة السر في تسمية رئيس الجمهورية يجب أن لا تأتي من الخارج، هي وسيلة للتغابي على الشعب اللبناني كي يقع مجدداً في فخ سياسة “النأي بالنفس”، ذلك لأن لبنان هو ليس جزيرة موجودة في البحر أو المحيط، بل هو يُمثل كما قلنا سابقاً طرفاً أساسياً في المنطقة العربية، فلبنان يتأثر بما يجري حوله وهو في الوقت نفسه يؤثر بما يجري حوله، فالقرار السيادي هو الذي يكون منطوقه داخلياً وانعكاسه خارجياً، وإلاً جاء مفعوله مؤقتاً تتحكم بمصيره رياح التغيير في العلاقات الدولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.