الحرب العالمية الثالثة من أوكرانيا: واقع قريب أم سيناريوهات بعيدة؟

موقع العهد الإخباري-

يونس عودة:

على وقع استمرار العمليات العسكرية ودفع حلف الأطلسي أوكرانيا الى توسيع الرقعة أكثر في حرب ميؤوس منها، دخلت الحرب الروسية ـ الاطلسية على أرض أوكرانيا وفي تطور لافت مدارًا جديدًا لم يكن في حسبان أميركا والأطلسيين جميعًا. تمثل هذا التطور بخطّين، الأول اعلان أربع مقاطعات عن استفتاء للانضمام الى روسيا، والثاني مجاهرة رومانيا وهنغاريا بالمطالبة بأجزاء من اوكرانيا تعتبران أنها أرض تاريخية لهما وقاطنوهما من أصولهما القومية.

 

وبالتوازي مع هذين الخطّين، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعبئة جزئية في الجيش الروسي على خلفية العملية العسكرية في أوكرانيا والابتزاز النووي الصادر عن مسؤولين رفيعي المستوى في بعض دول “الناتو” والحديث حول إمكانية قبول استخدام سلاح الدمار الشامل ضد روسيا، مع تذكير الأطلسيين بأن روسيا تملك أيضًا أسلحة دمار شامل وفي بعض أجزائها أكثر تطورًا من نظيراتها لدى دول “الناتو” وأمام أي “تهديدات لوحدة أراضينا أو سيادتنا نحن قادرون على استخدام هذه الأسلحة وهذا ليس خداعًا”.

وعليه “سيتم استدعاء ما مجموعه 300 ألف من جنود الاحتياط” حسب وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، الذي أعلن أن بلاده تمتلك موارد تعبئة ضخمة، ما يقرب من 25 مليون شخص، والذين سيخضعون للتعبئة الجزئية يشكلون 1% وهم ممن أدّوا الخدمة العسكرية ولديهم سجل عسكري متخصص وخبرة قتالية، مع تأكيد أنه لن يتم إرسال الطلاب وجميع من يخدمون في التجنيد الإجباري إلى منطقة العمليات الخاصة.

من الطبيعي أن يستشعر الغربيون الذين يؤججون نيران الحرب جدية ما ترمي اليه القيادة الروسية بعد أن فشل مسار العقوبات غير المسبوقة عليها، وضخ الأموال بعشرات مليارات الدولارات، في الوصول الى مرحلة تؤدي الى تراجع روسيا عن الأهداف التي وضعتها لعمليتها العسكرية، وهي العملية التي تطورت ميدانيًا إلى حد أعلن بوتين أننا “نحرر الأراضي الأوكرانية بالتدريج خطوة بخطوة”، أي أن الأمر لم يعد مقتصرًا على اقليم الدونباس، والنيران قد تتوسع أيضًا طالما استمر حلف الـ”الناتو” والاتحاد الاوروبي بدفع أوكرانيا لنقل العمليات العسكرية الى الأرض الروسية من ضمن الخطة المتدرجة الهادفة إلى “تدمير روسيا بالكامل في ساحة المعركة باستخدام كل الوسائل الممكنة، بما يتبع ذلك من تداعيات لنزع سيادتها السياسية والاقتصادية والثقافية وكل أشكال السيادة والنهب الكامل لها” بحسب بوتين.

ليس من قبيل الصدفة الاعلان عن الاستفتاء في هذا التوقيت، وهذا ينطبق على ما أعلنه الرئيس الروسي بكل تلك الصرامة بعد ساعات من انتهاء أعمال قمة دول منظمة شنغهاي التي عقدت في سمرقند، والتي شهدت اعلان الحلف الاستراتيجي خلال القمة بين الصين وروسيا ما يكسب هذه المنظمة زخمًا قويًا في ضوء تشديد الذين شاركوا في قمة سمرقند جميعًا على أنهم لا يخشون التهديدات والعقوبات من أحلاف تنشئها أميركا وبريطانيا باسم ـ “تحالف الديمقراطيات” ـ، ولا يربطون مصالحهم الحالية والطويلة الأجل به، وجاء انضمام ايران الى قمة شنغهاي ليزيد من قوة هذا الموقف وهذا النهج الذي سارت عليه ايران منذ انتصار الثورة الاسلامية قبل 43 عامًا، ولا تزال متمسكة بقوة به. كما أنه ليس مصادفة أن يصدر الرئيس الصيني، شي جين بينغ، أوامر إلى جيش التحرير الشعبي الصيني بانه “يجب أن يركز على الاستعداد للمشاركة في أعمال قتالية حقيقية”.

إذا كان مشهد الميدان باتساعه لم يرس على مسار محدد حتى الآن رغم التصعيد، فإن المشهد السياسي متبلور إلى أقصى الحدود في المواجهة. الاستفتاء في جمهوريتي لوغانسك ودانيتسك على الانضمام الى روسيا باتت نتائجه محسومة، وقد باركت روسيا ذلك تمامًا كما حصل في القرم باعتبارها أرضًا روسية. كما أن اقليم خيرسون سيكون مثله متل مقاطعة زاباروجيا التي لا يزال الميناء الرئيس فيها تحت السيطرة الاوكرانية على الضفة الاخرى من نهر الدانوب، ورغم انعتاق 70 بالمئة من مساحة الاقليم من تحت سلطات كييف.

إلا أن المفاجأة التي حلت بالغربيين جاءت من رومانيا التي تعتبر قاعدة مهمة للاطلسي، حيث أعلنت بصريح العبارة على لسان وزير خارجيتها السابق، أندريه مارغا أن الوقت قد حان لتقاسم أوكرانيا. وهو ما حاول الاطلسي وواشنطن عدم اظهاره لا سيما أن رومانيا جزء من هذا الحلف السيئ السمعة كذلك في الاتحاد الأوروبي المصاب بهستيريا اوكرانيا، ورومانيا هي العمود العسكري لحلف الناتو في جنوب شرق أوروبا، وهي مركزه فيه وتقدم الكثير من التسهيلات، وهي تقدم منذ عدة سنوات دعمًا للأمن السيبراني لأوكرانيا.

ما زاد طين الاطلسي بلة عدم قدرته على اقناع اوكرانيا بما ينفي تسريبة لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، في اجتماع مغلق عن أفكاره حول مستقبل أوكرانيا اذ قال: “الصراع في أوكرانيا قد يستمر حتى العام 2030، وقد ينتهي الأمر بكييف إلى فقدان ثلث أو نصف أراضيها”.

لم يرفض الاطلسي ولا الاتحاد الاوروبي مواقف عضويه رومانيا وهنغاريا، مع الإشارة إلى ان هنغاريا ترفض العقوبات على روسيا، بل لم تلتزم بأي منها، وكرّس وزير خارجيتها، بيتر سييارتو، في تصريح أثناء وجوده في نيويورك موقف بلاده بانه: “سواء أحب السياسيون الأوروبيون ذلك أم لا، هناك رأي في العالم بأن تأثير العقوبات (على الوضع في البلدان الأخرى) تبين أنه أكبر من تأثير الحرب في أوكرانيا”. فقط سارع الاطلسيون والاوروبيون فرادى وجماعات لرفض الاستفتاء في الأقاليم الأربعة الذي يقرر الشعب من خلاله ما يريد، ولذلك فإن المشهد سوف يزداد خشونة.

الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش التقط مفاتيح المرحلة وصرّح قائلا: “أفترض أننا نقترب من صراع عسكري يفوق مرحلة العملية العسكرية الخاصة، والسؤال الآن هو أين ستكون الحدود وهل سندخل بعد فترة أو ربما خلال شهر أو شهرين، إلى عالم يشهد صراعا لم نشهده منذ الحرب العالمية الثانية؟”.

فهل ستكون أوكرانيا الشرارة التي ستطلق الحرب العالمية الثالثة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.