المتصيدون في الماء العكر

المتصيدون في الماء العكر

موقع قناة العالم ـ

شاكر كسرائي:

حققت زيارة الرئيس الايراني حسن روحاني لنيويورك أهدافها، وعاد الرئيس الى طهران متفائلا بنتائج زيارته، وما يمكن ان تتمخض عنها من آثار على صعيد العلاقات الخارجية لايران والوضع الداخلي وخاصة الوضع الاقتصادي. وكان قائد الثورة الاسلامية الايرانية آية الله السيد علي خامنئي قد اعلن دعمه للتحرك الدبلوماسي الايراني الذي یقوده الرئیس روحاني.

حظيت زيارة الرئيس الايراني باهتمام سياسي ودبلوماسي وصحافي كبير، لم يحظ به اي رئيس في الامم المتحدة واستقبل العالم تصريحات الرئيس الايراني بالترحيب والتفاؤل، لانه في الظروف الصعبة والحرجة التي تمر بها المنطقة، تحدث روحاني عن كثير من القضايا وعلى رأسها الارهاب والازمات والحروب كما تحدث عن سياسة ايران الجديدة في الانفتاح على العالم.

فالكثير ممن لا يعجبه انفراج الازمة بين ايران والغرب، سخر من احتمال حصول انفراجه في العلاقات بين ايران والولايات المتحدة والغرب ، واعرب عن عدم رضائه من الاتصال الهاتفي الذي اجراه الرئيس الامريكي باراك اوباما مع الرئيس الايراني حسن روحاني واتفاق الرئيسين بتكليف وزيري خارجية البلدين لاجراء محادثات موسعه لحل القضايا المطروحة.

الكثير من أنصار الحروب والازمات في المنطقة، فوجئوا بأخبار لقاء وزير الخارجية الايراني ونظيره الاميركي على هامش اجتماع وزراء خارجية 5+1 في نيويورك والتصريحات الايجابية التي ادلى بها وزيرا الخارجية والاجواء الايجابية التي تخللت الاجتماع الذي عقد لبحث البرنامج النووي الايراني .

أنصار الازمات والحروب في المنطقة ، لم يصدقوا عيونهم عندما استمعوا الى كلمة الرئيس الامريكي وهو يتحدث عن ايران ويردد لفظة ايران لاكثر من ست وعشرين مرة ويقول : إن «أميركا لا تريد تغيير النظام الإيراني»، وأن «على إيران تبديد الشكوك بخصوص برنامجها النووي»، أي أن واشنطن تعترف لإيران بحق تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، لكن مع ضمانات للتحقق وتبديد الشكوك”.

ان انصار الازمات والحروب في المنطقة كانوا يراهنون على الموقف الاميركي المتشدد تجاه ايران حتى ان العديد من الزعماء اعلنوا عن استعدادهم للمشاركة في اي هجوم على ايران واسقاط نظام الجمهورية الاسلامية.

لقد كان رد الرئيس الايراني على كلمة اوباما ان اعلن بانه يمكن الوصول إلى إدارة الاختلافات على أساس الاحترام المتبادل والقانون الدولي. وقال سمعنا مراراً وتكراراً أن الخيار العسكري مطروح على الطاولة، وأنا أقول إن السلام ممكن بين الجانبين.

وانتقد روحاني في كلمته العقوبات المفروضة على ايران وقال : «العقوبات تتسم بالعنف وأياً كان نوعها فهي انتهاك لحقوق الإنسان.. وهي تنتهك فوق كل ذلك الحق في الحياة… التأثيرات لا تقع فقط على الضحايا وانما ايضا على البلاد التي تفرضها»، أي شركاتكم تخسر من فرض العقوبات علينا.

وحدد روحاني شروط ايران بشأن البرنامج النووي وقال : «قبول حق إيران المشروع (في تخصيب اليورانيوم على أراضيها للأغراض السلمية) هو أساس الحل». وأضاف «بغض النظر عن مواقف الآخرين، نتمسك بالطابع السلمي للبرنامج النووي أخلاقياً ووطنياً، ورغبتنا في تبديد كل الشكوك حوله. إيران مستعدة فوراً كي تشرع في محادثات لبناء الثقة المتبادلة، ولا يمكن لأحد منع إيران حقها في حيازة برنامج نووي سلمي».

كلمة الرئيس روحاني في الجمعية العامة للامم المتحدة ومقابلاته مع شبكات التلفزة الاميركية ولقاءاته مع زعماء دول العالم ومسؤولي كثير من الدول، كانت مناسبة لكي يخشى انصار الازمات والحروب من تأثيرها على المنطقة وما يمكن أن تترتب عنها من نتائج ايجابية لايران واضرار وخسائر لاعدائها الذين يعملون على توجيه ضربات اليها من الخلف.

انصار الازمات والحروب في المنطقة، لاذوا بالصمت تجاه ما جرى في نيويورك، وما تمخضت عنه زيارة الرئيس الايراني من نتائج ايجابية، لكنهم اصدروا تعليماتهم الى كتابهم وصحفييهم بالكتابة عن هذه الزيارة، واوعزوا اليهم بأن يكتبوا مقالاتهم ويظهروا للجميع بأن الزيارة لم تحقق شيئا وان ايران لم تكسب شيئا من زيارة رئيسها لنيويورك وان الاميركان لا زالوا على قرارهم لاستخدام القوة ضد ايران وانهم لن يتخلوا عن حليفهم “اسرائيل” ولن يلغوا العقوبات الاقتصادية ولن يعترفوا بحق ايران في امتلاك التقنية النووية وحق التخصيب.

وها هي صحيفة القبس الكويتية التي اظهرت انزعاجها من زيارة الرئيس الايراني لنيويورك وما حققت من مكاسب تكرر الاسطوانة القديمة بوجود اختلاف كبير بين الايرانيين ، روحاني وفريقه من جهة، والمتشددون بقيادة الحرس الثوري من جهة أخرى. وترى بأن الغاء زيارة الرئيس روحاني للسعودية يقف وراءه المتشددون .

وزعمت الصحيفة نقلا عن مصدر ايراني !! ان المتشددين يعيدون تنظيم صفوفهم، وفضلوا القيام بهجوم مضاد سريعاً، قبل ان يتمكن روحاني من تثبيت نهج العقلانية والانفتاح على المحيط الإقليمي، خاصة السعودية ودول الخليج ( الفارسي )، كما الانفتاح على الغرب، خاصة الولايات المتحدة الأميركية.

صحيفة النهار التي غيرت مواقفها بعد وفاة مؤسسها الوزير غسان تويني، وتستمر في تدبيج المقالات ضد ايران ولصالح دولارات النفط، عبأت كتابها للهجوم على نتائج زيارة الرئيس روحاني وها هو الياس الديري يكتب عن الدور الايراني في المنطقة بقوله : ” إيران في كل مكان. وفي كل الأحداث. وفي كل التوتّرات، والتهديدات بإعلان الحروب من عاديّة وذريّة. كما من محليَّة ودولية. يوميّاً هناك تصريح من طهران في هذا الصدد أو عنها وايران هي المحور غير الوهمي الذي تدور حوله الأحداث وهي الحكاية. كل الحكاية في المنطقة وضواحيها.

وها هو حسن منيمنة يكتب في صحيفة الحياة مقالا بعنوان ” الولايات المتحدة وإيران: التوافق المستحيل ” يقول فيه : يحاول بعض مؤيدي الرئيس الأميركي باراك أوباما أن يجعل المكالمة الهاتفية القصيرة التي جمعته بمبادرة منه بنظيره الإيراني حسن روحاني، سبقاً عظيماً بمستوى زيارة ريتشارد نيكسون للصين في السبعينات، منهياً قطيعة دامت عقوداً طويلة، أو دعوة رونالد ريغان للزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف لهدم جدار برلين في الثمانينات، مؤشراً بذلك لاستتباب حركة إصلاحية أنهت المنظومة الاشتراكية والحرب الباردة. ويميل بعضهم في الإعلام العربي، تحت شعار الممانعة والمقاومة، إلى اعتبار المكالمة دليل استسلام للولايات المتحدة بعد أن تحطمت مشاريعها التوسعية والعدائية على صخور الصمود والتصدي المتجسدة في طهران وحلفائها في المنطقة.

ولا شك أن تلك المكالمة توفر لهؤلاء وأولئك مادة متجانسة مع طروحاتهم الدعائية المتواصلة، في حين تندرج واقعاً في سياق السياسة الثابتة التي يثابر أوباما على انتهاجها، والقاضية بإدارة الأزمات لاحتوائها لا للتوصل إلى حلول لها، مع السعي إلى تثمير خطواتها سياسياً، أي محلياً، قدر الإمكان.

ويرى الكاتب: ” ثمة إدراك أميركي أن الرئيس حسن روحاني يلتقي مع هذه الجهات المحبذة لاستمرار التوجه العام للخط الإيراني في المنطقة بمقدار كبير، وإن كان يحبذ تبديلاً في الأسلوب. فالأفق، أميركياً، ليس التوافق الأقرب إلى المستحيل، إنما منع تفاقم الأزمة، بانتظار تبدل ما. لا سبَق ولا استسلام إذاً، بل متابعة لنهج النَفَس الطويل، الهادف منه والمماطل.

ويكتب حازم صاغية مقالا بعنوان ” تقارب أميركيّ – إيرانيّ؟ يقول فيه ” صحيحٌ أنّ الاتّفاق على تنظيم الخلاف مع إيران قد يكون مطلباً أميركيّاً، كما قد يُغري واشنطن توفير هامش ضيّق للتلاقي في مواجهة «الأصوليّة السنّيّة»، بما يذكّر بالتلاقي الجزئيّ الذي حصل قبلاً حول العراق وأفغانستان. وما من شكّ في أنّ الأوباميّة، بنزوعها الراسخ إلى تجنّب المواجهات العسكريّة، مولعة باستكشاف كل الفرص المتاحة لحلّ النزاعات سلماً، أو مداورتها وتدوير زواياها، ولو بشيء من التوهّم والرغبويّة. إلاّ أنّ هذا شيء والاختراق والتقارب، ناهيك عن الرضوخ الأميركيّ لإيران، شيء آخر. ففضلاً عن امتداد الخلاف من “إسرائيل”، التي توالي الضغط بقدر بادٍ من العصبيّة طلباً لمزيد من التشدّد مع طهران، إلى سوريّة، إلى الخليج (الفارسي )، لم تقدّم إيران شيئاً يُذكر ممّا يوحي بإعادة النظر.

ويضيف الكاتب “أمّا أن يقال، بعد هذا، إنّ الولايات المتّحدة رضخت مقابل اللاشيء الإيرانيّ، فيما إيران معاقَبة وجائعة، فهذا خليط من عقليّتين كثيراً ما اختلطتا عندنا: تلك التي رفعت حرب تمّوز (يوليو) 2006 إلى «انتصار إلهيّ»، وتلك التي ترى العالم حقلاً لـ «الصفقات»، كما ترى السياسة إدارة لها .

المقالات التي اشرنا الى فقرات منها تظهر أن كتابها غير مقتنعين بالكلام الذي يكتبونه عن ايران ولا عن الواقع الذي شهده العالم بعد زيارة الرئيس الايراني لنيويورك، ولكن النقطة الاساسية في كل هذه المقالات، تشير الى قلق وخوف حكام المنطقة من العرب ، من التقارب الايراني الاميركي الغربي واحتمال حل الخلافات بين الجانبين والتي استمرت 34 عاما وقرب التوصل الى اتفاق بين ايران ومجموعة 5+1 حول الملف النووي الايراني، وهذا ما يزعج حكام المنطقة الذين يريدون استمرار الازمات والتوترات والحروب في المنطقة ، لكي يستمروا في الحكم ويواصلوا نهجهم وخلق عدو جديد وهمي بدلا من عدو العرب والمسلمين “اسرائيل” التي تدعو الحكام العرب للتقارب معها لمواجهة ايران.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.