تأجيل العدوان على سورية: معسكر المقاومة يكسر إرادة الخصم

 

Syria map

مكتب الميادين في واشنطن بالتعاون مع مركز الدراسات الأميركية والعربية، يقدم تحليلاً لخيارات الإدارة الأميركية في حال حصولها على موافقة من الكونغرس لشنّ ضربة عسكرية ضد سورية، وأول هذه الخيارات إغتيال الرئيس الأسد، أو احتلال مواقع الأسلحة الكيميائية.

“اوباما يجيز لنفسه ما يحرمه القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”، بهذا الكلام فنّدت صحيفة “يو اس نيوز آند وورلد ريبورت” الأسبوعية، مزاعم الادارة الأميركية واطقمها القانونية في تشريع حقها بالتدخل، أينما ومتى شاءت.

صلابة الموقف السوري، مدعوم بتصميم روسي بعدم اجازة العدوان عبر الهيئة الدولية، فضلاً عن مواقف داعمة من الصين وحلفاء سورية الاقليميين، قوّض الاسس التي ارتكزت عليها الولايات المتحدة “لمعاقبة سورية” على حادث إجرامي لم يثبت علاقتها به بالدليل القاطع.

على هذه الخلفية، دخل العالم قاطبة مرحلة ضبابية نتيجة جزم الولايات المتحدة وجهوزيتها للاعتداء على سورية، وذلك استمرار للغطرسة الاميركية وانتهاكها لسيادة الدول والنظم التي لا تتساوق مع مشيئاتها بصرف النظر عن الكيفية والدوافع التي صاغتها، والخشية من تداعيات العدوان على الاقليم والعالم فحسب.

هناك عدد من العوامل التي تحفز وتكبح العدوان الاميركي في الآن عينه، ولا يجوز ان نغفل ولو لبرهة دور الكيان الاسرائيلي في تأجيج الازمات وتدمير الدول المستقلة وتقسيم ما تبقى لضمان تفوقه على كل ما عداه، مستندا الى حائط صلب من الدعم الاميركي والغربي، واصطفاف نظم التبعية العربية الى جانب اسرائيل واميركا جهاراً دون وجل.

جدير بالذكر ان الولايات المتحدة لم تقدم على قصف واحتلال العراق وليبيا الا بعد تيقنها من خلو البلدين من اسلحة مؤثرة، وفرض نظام عقوبات وحصار اقتصادي غير مسبوق في قسوته وضحاياه من عموم الشعب بأكمله.

يقال إن سورية تمتلك اسلحة كيميائية بحكم اتفاقية ثنائية مع الاتحاد السوفياتي السابق، ابرمت في عهد الرئيس اندريه اندروبوف، واشترطت عدم اللجوء لاستخدامها الا بالتشاور مع موسكو باستثناء حال تعرض سورية لاعتداء خارجي.

الامر المذكور ليس سرا لدى القوى الدولية، وخاصة للولايات المتحدة. ما يهمنا في هذا الشأن ان العامل الكابح للاعتداءات الاميركية هو ما تصنفه “حيازة دولة ما لاسلحة دمار شامل”، كما يروج له في حالة كوريا الشمالية وسورية، ولم تكن لتجرؤ ايضاً على تعريض قواتها وقوات حلفائها لاهوال تلك الاسلحة في مواجهات في العراق وليبيا، وانتظرت فترة زمنية طويلة حتى تيقنت من خلو البلدين من اسلحة فعالة للدفاع عن سيادتهما.

وكانت مراسلة وكالة اسوشيتدبرس الاميركية في عمّان، ديل غافلاك Dale Gavlak قد افادت ان “السلاح الكيميائي الذي استخدم في مناطق المعارضة في غوطة دمشق، ارسلته السعودية الى المتمردين، لكنهم فشلوا في استخدامه ما ادى الى وقوع مجزرة بين المدنيين والمسلحين على السواء”. واضافت المراسلة، التي تعمل سوية مع شبكة (بي بي سي)، انها استمعت لشهادات العديد من اعضاء منظمة “اطباء بلا حدود”، الذين يقدمون خدمات طبية للاهالي هناك، والى السكان والعديد من المقاتلين وعائلاتهم الذين اكدوا لها ان بعض المتمردين حصلوا على السلاح الكيميائي، وهو غاز الاعصاب، من رئيس الاستخبارات السعودية بندر بن سلطان. وكان احد مصادر المراسلة “ابو عبد المنعم” والد احد المسلحين الذين استخدموا تلك الاسلحة وقتل بها لاحقا برفقة 12 مقاتلاً داخل نفق لتخزين السلاح المذكور.

إضافة إلى ما تقدم، طالبت روسيا الولايات المتحدة اشراكها في الاطلاع على الادلة التي تشير إلى استخدام السلاح الكيميائي وتقديمها الى مجلس الأمن الدولي، الا ان الطلب الروسي قوبل بالرفض. وكما جاء في تقرير لقناة الميادين فإن الجانب الروسي على قناعة بأن الدلائل الاستخبارية الاميركية هي في حقيقتها “تقارير اسرائيلية” تخشى الكشف عنها لما له من تداعيات. على الشارع العربي بأن بعض الدول الوظيفية تحرض على العدوان على سورية بناء على مزاعم “اسرائيلية.”

على الجانب الآخر، يواجه الرئيس اوباما رفضاً شعبياً في الشارع الاميركي للتورط في حرب عدوانية اخرى، واشارت بعض استطلاعات الرأي ان نسبة المعارضة بلغت نسبة 80-90% من الشعب الاميركي الذي لا يعتبر سورية “ركيزة اساسية للمصالح الاميركية”، التي يزعم المسؤولون الاميركيون حقهم في حمايتها والدفاع عنها. هذا بصرف النظر عن ان نسبة عالية من الشعب الاميركي تؤيد اسرائيل، وترى في الأزمة السورية بأنها أمر داخلي لا شأن لهم به.

ومن نافل القول إن الشعب الاميركي سئم الحروب وتداعياتها بعيدة المدى على مستقبله ورفاهيته، وفقدانه لابنائه، وعقم تدخل بلاده في حروب المنطقة محذراً من مزيد من التورط في مصر واستطرادا في سورية. وهو ما يجب على الرئيس اوباما ان يأخذه بعين الاعتبار، ليس لأهميته في مناخ انتخابات نصفية ستجري هذا الخريف فحسب، بل بعد تلقيه وحليفه ديفيد كاميرون صفعة قاسية في مجلس العموم البريطاني الذي رفض اجازة المشاركة في العدوان الاميركي والغربي على سورية.

 

الميدان في خدمة السياسة

في ظل سلسلة من الانجازات التي حققها الجيش العربي السوري ضد المرتزقة والتكفيريين، اضحى الرئيس اوباما اسير لهجة خطابه السياسي المتشدد والمهدد للآخرين، وتقلص هامش المناورة لديه، ما ادى الى نتيجة ثنائية احلاهما مر: إما المضي في تنفيذ تهديده بالعدوان على سورية، او التراجع عنه، بصرف النظر عن توصيفات الغارات الصاروخية ودور فرق القوات الخاصة المرابطة في دول عربية مجاورة لسورية. وفي الحالتين هي هزيمة.

وكان رئيس هيئة قيادة الاركان المشتركة، مارتن ديمبسي، قد اوضح في مذكرة مفصلة ارسلها للكونغرس في شهر تموز الماضي، جملة الخيارات العسكرية المتاحة امام الولايات المتحدة في سورية اصطف فيها الى جانب “توجيه سلسلة من القصف المحدود باستخدام قدر من القوة الفتاكة تكفي لتدمير اهداف يستند اليها النظام في شن عملياته العسكرية، ويكثف فيها مواقع اسلحته المتطورة للدفاع عن ذاته”.

ومضى ديمبسي بالقول إن من بين تلك الاهداف المحتملة “شبكات الدفاع الجوي، والقوات الجوية والبرية والاسلحة الصاروخية والقوات البحرية يضاف اليها المنشآت العسكرية والمراكز القيادية”، مضيفاً أنه “بالامكان استخدام النظم الصاروخية للاغارة على بضع مئات من الاهداف تتساوق مع ايقاعنا في الاختيار”.

منذئذ، جرى الترويج لتلك الخطة المعدة كأفضل الحلول لنيل دعم الخصوم الجمهوريين في الكونغرس، اذ ابدى رئيس لجنة الأمن الداخلي في مجلس النواب، بيتر كينغ، دعمه لعدوان عسكري على سورية زاعماً ان “استخدام الاسلحة الكيميائية تجاوز الخط المرسوم وينبغي علينا ارسال اشارة واضحة بعدم التسامح بذلك”، محددا ان العدوان ينبغي ان يستند الى استخدام “صواريخ كروز، وارفض ادخال قوات برية اميركية”.

تدرك الولايات المتحدة صعوبة، ان لم يكن استحالة، الحصول على تفويض من الامم المتحدة لشن العدوان، خاصة انها امام فيتو مزدوج من قبل روسيا والصين في مجلس الامن الدولي. وتدرك ان روسيا اقدمت على تحريك بعض قواتها وقطعها البحرية في البحر المتوسط لناحية الشرق وتخشى تكثيف شحناتها من المعدات العسكرية المختلفة الى سورية.

أما سورية بشعبها وجيشها ومؤسساتها وقيادتها فلم تتزحزح عن تصميمها لصون وحماية اراضيها من اي اعتداء، واصدرت تصريحات هادئة وحازمة في آن بأنها لن تقف مكتوفة الايدي ولديها عزم وارادة اكبر على دحر قوى العدوان وحلفائه الاقليميين وادواته المحلية.

الأمر الذي دفع القوى المطالبة بشن العدوان الى “تخفيف” لهجة خطابها بالزعم ان “الغارات الجوية الاميركية ستكون دقيقة وجراحية من شأنها الحد من اعداد الضحايا”، لا سيما بين صفوف الجيش السوري الذي “ربما سيتكبد خسائر بشرية اقل مما يتعرض له يومياً في مختلف مواجهاته الدائرة في سورية”. استطراداً، سيؤدي العدوان الى استبدال المعدات العسكرية السورية المدمرة بنظم ومعدات افضل حداثة وتطويرا ومضاعفة الدفاعات الجوية لجيل احدث يصعب اختراقه في المستقبل.

تدرك الولايات المتحدة ان تاريخ الحروب الجوية لا يؤدي الى الفوز، باستثناء الهجوم الاميركي بالقنبلة النووية كما حصل في اليابان. كما تشير الدروس التاريخية الى فشل مراهنة المانيا النازية باستخدام القصف الجوي المكثف ضد بريطانيا (1940-1941) والهجمات الصاروخية (1944-1945) وحدهما.

وكذلك تجربة الكيان الاسرائيلي ضد الفلسطينيين واللبنانيين لم تأتِ بنتائج افضل، فضلاً عن تجارب الولايات المتحدة في فييتنام التي اجهضت بلا طائل، وايضاً تجربة احتلال العراق لم تتم الا بعد دخول القوات البرية ارض المعركة. العدوان على سورية، في ظل هذا المشهد، يبدو اشد تعقيداً واكثر كلفة ونتائجه غير محددة او مضمونة المعالم.

 

سيناريوهات العدوان

الآن وبعد رضوخ اوباما لوقائع عنيدة تظهر للعيان حدود القوة الاميركية، واستفاقته المتأخرة لحقيقة وجود كونغرس يتوجب استشارته واخذ موافقته، قد نشهد سجالات في الكونغرس تغوص في البحث عن الخيارات العسكرية المتوفرة للادارة الاميركية وحلف الناتو وادواتها العربية والمحلية، بمعزل عن غزو كاسح لسورية. وهنا نورد بعض تجلياتها، وعلى رأسها القيام بعملية عسكرية هدفها الاول اغتيال الرئيس الاسد، بصرف النظر عن مزاعم البيت الابيض لتهدئة الخواطر بعدم تنفيذ ذلك.

الخيار المباشر الآخر يتمثل في سعي الادارة لاحتلال مواقع الاسلحة الكيميائية او تدميرها بوسائل متعددة، بمعاونة قوى المعارضة من التكفيريين او بواسطة القوات الخاصة الغربية. لا يتوفر عامل اليسر وسهولة التنفيذ لأي من الخيارات المذكورة.

كما أن اي من الخيارات التي قد يقدم اوباما على تبنيها ينبغي ان تتوفر لديها بعض العناصر الضرورية، ومنها: وضوح الهدف، توفير الموارد الضرورية للتنفيذ، معلومات استخبارية موثوقة، القدرة على ادخال القوات عند الضرورة، تنفيذ العملية كما هو مخطط لها، وتوفر استراتيجية للخروج لما بعد انجاز التنفيذ.

وضوح الهدف: اي عملية تستوجب توفر اهداف محددة قابلة للتحقيق. خيار اغتيال الرئيس الاسد يلبي تلك الشروط، اما الاغارة على منشآت الاسلحة الكيميائية في سورية فهو اخف وضوحا.
لم يعد سراً ان سورية نشرت ترسانتها الكيميائية على عدة مواقع متباعدة في عموم البلاد، وتخضع لطاقم قيادة وتحكّم منفصل، تشمل منشآت انتاجية ومعامل مخبرية وقذائف مدفعية وقنابل وصواريخ سكود، ولكل منها خواصه وميزاته الخاصة.

بعض المنشآت الانتاجية معروفة وتقع تحت حماية الجيش العربي السوري، فيما البعض الآخر، مثل صواريخ سكود الحاملة لرؤوس كيميائية محصنة في مخابىء تحت الارض يصعب استهدافها ويتطلب التعرض لها تخصيص اعداد كبيرة من القوات الخاصة للقيام بعمليات متناسقة في وقت محدد، الامر الذي يؤشر على اهمية قدرات الانزال الجوي المتوفرة لدى حلف الناتو.

البعد الآخر في هذا الصدد يتمثل في شن “غارات جراحية”، كما يسميها البنتاغون لتلطيف اهوالها على مخازن الاسلحة الكيميائية التي ستصبح اكثر احتمالاً يمكن انجازه، الا انه لا يضمن التخلص من الاسلحة الكيميائية بصرف النظر عن الكلفة الباهظة للعملية.

وما نخلص اليه هنا ان تحقيق “وضوح الهدف” يتوفر حصراً في محاولة اغتيال القيادة ليس الا، وتتميز الولايات المتحدة وبريطانيا بوفرة عديد القوات الخاصة المدربة على انجاز مهام من هذا القبيل، معززة بمعدات تقنية متطورة وحديثة.

كما ان البلدين المذكورين جندا مجموعات من المقاتلين السوريين غير النظاميين للاعتماد عليهم في تنفيذ بعض المهام، منها تدمير الاسلحة الكيميائية. بامكان المرء قياس مدى فعاليتها بالنظر الى نوعية برامج التدريب التي اشرفت عليها الولايات المتحدة لقوى البشمركة الكردية، التي دربتها قبيل العدوان على العراق عام 2003.

آنذاك، رفضت تركيا السماح للفرقة الرابعة الاميركية عبور اراضيها لاحتلال العراق، بيد ان القوات الاميركية مدعومة بحلفائها من القوات الكردية شكلت عائقاً هاماً استنزف الجيش العراقي عندئذ. وعليه، ينبغي الاخذ بعين الاعتبار الطبيعة الديموغرافية والتشكيلة الاثنية لمنطقة معينة كاحد الاسس لقياس حجم ومدى عملية تستهدف منشآت الاسلحة الكيميائية.

معلومات استخبارية موثوقة: عدم اليقين الذي يلف هذا الجانب يدفعنا لاستبعاد نجاح عملية اغتيال الرئيس الاسد، الذي تحوط به دائرة من اشد المؤيدين، مدنيين وعسكريين. السعي الاميركي الثابت والمستمر للحصول على معلومات دقيقة حول موقع تواجد الرئيس السوري في لحظة محددة تتيح تنفيذ العملية يبقى امر ضعيف الاحتمال.

يذكر ان الفشل حالف محاولات متعددة للولايات المتحدة للتعرف على مواقع تنقل الرئيس العراقي صدام حسين والاماكن التي يرتادها، ونجى من عدة محاولات لاغتياله قبل وخلال العدوان الاميركي على العراق. كما ان الرئيس الليبي العقيد القذافي استطاع الافلات من كافة المحاولات الاميركية والاسرائيلية والغربية لاغتياله على مدى اربعة عقود متتالية (تم توثيقها بعد احتلال ليبيا والسيطرة على ملفات وسجلات الدولة)، فضلاً عن فشل الاستخبارات الاميركية في تعقب اسامة بن لادن لفترة زمنية طويلة.

المعلومات الاستخبارية الموثقة والمتعلقة بالرئيس السوري تعاني من عقبات عدة، مقابل توفر قدر كاف من اليقين حول مواقع ووحدات الاسلحة الكيميائية في سورية، اذ ان حمايتها تتم عادة من قبل قوات مدربة خصيصاً لذلك، ما يسهل جهود جمع المعلومات حول مواقع معينة.

وكان ملفتا في هذا السياق ما ذكرته المراسلة العسكرية لشبكة (سي ان ان) في البنتاغون، باربره ستار، ان وكالة الاستخبارات الدفاعية الاميركية Defense Intelligence Agency – DIA تعتمد على مخابرات الدول المجاورة لسورية في تحديد بنك الاهداف، وذكرت منها جهاز مخابرات لبناني.

استنادا الى ما تقدم، فإن المعلومات الاستخبارية التي قد تتوفر لخصوم سورية قد تكفي لشن غارات على منشآتها الكيميائية فحسب.

انخراط ونشر القوات: تحظى قوى دول حلف الناتو بخبرة لا بأس بها في الانتشار خلف الخطوط، بيد ان مركبات وتعقيدات العملية المطلوبة تزيد منسوب صعوبة انجاز المهمة في بلد مترامي الاطراف مثل سورية.

تدرك دول الحلف، تعزيز الرئيس الاسد للدائرة المحيطة به باحكام، والتي لا تشمل قوى ووحدات قتالية مرابطة بالقرب منه او نظم الدفاعات الجوية ومهمتها في حماية المناطق السيادية. الا ان ذلك لا يحول دون احتمال قيام طائرات مروحية من طراز الشبح بانزال وحدات من القوات الخاصة خلف الخطوط بالاستناد الى عامل المباغتة. اما فعاليته فهو امر مختلف نظراً لطبيعة وحجم المهمة وتعداد القوى المنخرطة والاهداف المرسومة وما قد ينجو منها في المواجهة الاولية.

حماية نظم صواريخ سكود الحاملة لرؤوس اسلحة كيميائية يتم تعزيزها بقواعد عسكرية ونظم دفاعات جوية لا بأس بها. من الجائز ان وحدة من قوات المدفعية مسلحة بقذائف تحمل رؤوسا كيميائية قد يباغتها انزال محكم، لكن هذ لا يعني ان القوة الدخيلة سيحالفها الحظ في كل مواجهة.

من بين التحديات التي واجهتها القوات الخاصة الاميركية مؤخراً، كان تدمير احدى طائراتها المروحية الخفية المتطورة خلال الانزال الجوي على مقر اسامة بن لادن في ابوت اباد بالباكستان، ومحاولة وحدة من “قوات الدلتا” الخاصة لانقاذ الرهائن الاميركيين المحتجزين في ايران عام 1980، والتي باءت بمصرع 8 اميركيين وتعطل عدد من الطائرات المروحية في الصحراء الايرانية.

التنفيذ: مرحلة التنفيذ تشمل الخطوات المطلوبة للقيام بالمهمة الى جانب توفر خطة بديلة في حال تعثر المهمة الاصلية. التجربة الاميركية في الصحراء الايرانية، عام 1980، اثبتت ما ستؤول اليه الامور في ظل ظروف مجهولة وغياب خطة بديلة.

وفي ما خص استهداف شخص الرئيس الاسد او مواقع منشآت الاسلحة الكيميائية تبرز عدة عوامل تقوض مرحلة التنفيذ. ذلك أن اي تغيير في خطة حماية الرئيس الاسد قد يترك القوات الخاصة المغيرة تواجه عدواً ومواجهة مختلفين. كما ان الاسلحة الكيميائية يمكن نقلها الى اماكن بديلة في اللحظة الاخيرة.

نطاق العملية المطلوب تنفيذها يضيف تعقيدات اضافية. انصار عملية اغتيال الرئيس الاسد يزعمون انها سهلة المنال نسبياً، مستندين الى نتائج عملية اغتيال اسامة بن لادن: انزال القوات وتنفيذ المهمة والاستيلاء على الملفات واجهزة الكمبيوتر. الاسلحة الكيميائية، بالمقابل، ينطوي عليها ابعاد اخرى اشد تعقيداً وخطورة. منها، هل يمكن تدميرها في مواقعها دون انتشار المواد السامة؟ وهل سيجري تحميلها على متن طائرات اخرى لاخراجها من المنطقة، مما يتطلب ترتيبات لوجستية مضاعفة وانزالات جوية اخرى؟ فضلا عن عامل الزمن المطلوب لانهاء المهمة بنجاح؟

في حال ثبوت تخزين الاسلحة الكيميائية في اقبية تحت الارض، قد يقدم الطرف المعتدي على استهدافها بقنابل خارقة للتحصينات ودفنها في اماكنها، ما يضاعف من تعقيدات تطهير المنطقة من قبل الجانب السوري، ليس في الجانب الزمني فحسب، بل لخطر الغازات المنتشرة على اطقم الحماية.

الاحتمال الاوفر حظاً لنجاح المهمة يتمثل في استهداف منشآت الاسلحة الكيميائية التي يستبعد تحريك الاسلحة منها، وتشمل رؤوس صواريخ سكود الحاملة للاسلحة الكيميائية، واكتفاء الطرف المعادي بتدمير الانفاق على من فيها من معدات وبشر.

استراتيجية الخروج: استعادة اطقًم القوات الخاصة والاسلحة الكيميائية، او ما تبقى منها، والمدخرات الاستخبارية سليمة هو ما تصبو اليه العملية في نهاية المطاف. في حال اعتماد الطرف المعتدي على اغتيال الرئيس الاسد، سيواجه فريق او فرق الاغتيالات مقاومة صلبة من المقاتلين السوريين الذين يتوقع تسليحهم جيداً باسلحة خفيفة وقذائف محمولة مضادة للطائرات، التي تعد سلاحاً فتاكاً ضد الطائرات المروحية. وقد يستلزم الامر قصفاً بحرياً مكثفاً من مدافع البارجات البحرية وجويا من المقاتلات المرابطة، على متنها بغية تحييد القوات السورية وفسح المجال للاطقم المعادية الانسحاب من ارض المعركة.

قد لا يترتب على استهداف مواقع اسلحة كيميائية ردات فعل قاسية، كما لو كان الهدف اغتيال الرئيس الاسد، بيد ان الترتيبات اللوجستية المرافقة قد تعود بضرر اكبر. كما ان عملية مواقع الاسلحة تستدعي توفر فترة زمنية اطول وانجاز مزيد من طلعات النقل الجوي لاتمامها.

وفي حال اقدم الرئيس اوباما على اصدار امراً بالاعتداء على سورية والاغارة على مواقع اسلحتها الكيميائية، فالنتيجة المثلى، بالنسبة للمعتدين، لا تتوفر الا في مواقع ومنشآت الابحاث. حينها سيقتصر الهدف على تدمير المواقع ومصرع الاطقم العلمية ومحاولة الاستيلاء على الملفات والاجهزة الالكترونية الخاصة ببرنامج الاسلحة الكيميائية السوري. مصرع العلماء المدنيين وعائلاتهم قد يولد دعوات للتنديد به من قبل قوى عالمية متعددة.

 

التراجع الأميركي فرصة للجيش السوري

ذهب اوباما بعيداً في ازدراء الطرف الآخر لا سيما عن اعلانه عن “خط احمر”، لم يسبقه استشارة طاقمه العسكري المختص، وتحديداً قادة العمليات الخاصة، ما اوقع اوباما في حالة ارتباك لما يمكنه الاقدام عليه من عدوان على سورية بصورة جدية.

واستطاعت سورية الصمود بوجه غارات اسرائيلية ممتدة لنحو نصف قرن من الزمن، دون ان تنهار. وعليه فإن بضعة صواريخ كروز لا يتوقع لها ان تحدث تعديلاً هاماً في المسار التاريخي لسورية، الا في حال استهدف احدها شخص الرئيس السوري بشار الاسد مباشرة.

واستناداً الى العناصر الستة الآنفة الذكر، للخيارات المتوفرة او المحتملة، باستطاعتنا القول إن عنصر توفّر المعلومات الاستخبارية الدقيقة يشكل الحلقة الكبرى المفقودة لدعم عدوان عسكري يستهدف سورية وشخص الرئيس الاسد، فضلاً عن ان انتشار وتوزيع سورية لترسانة اسلحتها على عدة مواقع، يعقّد فعالية اي غارة او عدوان شامل متزامن على مواقع متعددة.

وقد يتم توصيف قرار اوباما بأنه تأجيل اضطراري مؤقت فقط، ولكن لن يستطيع اتباعه في المنطقة من تجرع خيبة الامل وزعزعة الثقة بسهولة، كما ان الآمال الكبيرة المعقودة على اوباما وصواريخه لتأمين تعديل في ميزان القوى الميداني لصالح التمرد المسلح ذهبت ادراج الرياح ولفترة غير قصيرة.

تمنح هذه الفسحة الزمنية الجيش العربي السوري وحلفائه فرصة حقيقية، وزخماً معنوياً كبيراً لالحاق المزيد من الهزائم النوعية في رقعة الانتشار المتبقية للمتمردين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.