تضليل وأشباه مثقفين

صحيفة الخليج الإماراتية ـ
أمجد عرار:
ثمة من ينتسب إلى العرب وفق الأوراق والوثائق، وربما وفق علم الأنساب والوراثة، لكنّه بمعايير الانتماء يصرّ على وضع نفسه في معسكر الصهيونية بعد أن قدّم أوراق اعتماده لها في وقت سابق . هذا الذي يسمي نفسه كاتباً يتحدّث عن التضليل في وسائل الإعلام، وهل هناك من غبي ينكر أن الكثير من وسائل الإعلام، بل معظمها، طافح بالتضليل كقنوات المجاري في الشتاء؟ . . لكنّ منطقاً مقلوباً كهذا ينتقي مما يبث في وسائل الإعلام من حقائق ويعدّها تضليلاً، ليكون هو نفسه وسيلة تضليل بامتياز مع درجة القرف .

فمن وجهة نظره، فإن وسائل الإعلام تمارس التضليل حين تصف رد الفصائل الفلسطينية على العدوان “الإسرائيلي” بأنه مقاومة أو جهاد، فيما هو في الحقيقة التي يريد لي عنقها “عدوان فلسطيني على الصهاينة الأبرياء” . الكاتب المنتمي إلى العرب ورقياً، وكأنه يتحدث من غزة، يحكم بأن غارات “إسرائيل” على غزة تستهدف المواقع العسكرية والأمنية بهدف وقف إطلاق الصواريخ “الإرهابية” ويسمي ذلك، تماما كنتنياهو وأوباما “دفاعاً عن النفس” . هو لم يقرأ الكثير من المقالات والتقارير في الصحافة “الإسرائيلية” التي تعترف بعدوانية الكيان، ولا هو رأى جثث الأطفال الممزقة في غزة، ولم يسمع عن عائلة اسمها عائلة الدلو أبيدت عن بكرة أبيها . إنه يتجاهل ذلك، لأنه اختار الانتماء إلى الجناح الأشد يمينية في الحركة الصهيونية، لذلك، فهو لا يوافق على تسمية من يسقط من “الإسرائيليين” قتلى، وعلى الضحايا في غزة شهداء .

لكنني أشفق عليه اليوم، بعد توقّف إطلاق النار، أو “دفاع إسرائيل” عن نفسها كما يحب أن يصف”، عند حدود ثمانية أيام، لأن حبيبه نتنياهو خيّب ظنّه ولم ينفّذ نصيحته بإعطاء الأوامر لما يسميه بتفاخر “جيش الدفاع” بشن عدوان بري في غزة واغتيال كل القيادات السياسية والعسكرية، مستبشراً بهول الرد “الإسرائيلي”، مستشهداً بانتشاء وتلذّذ بتدمير لبنان العام ،2006 ومستخلصاً بأن يفضي هذا “الرد” إلى تنصيب “إسرائيل” سيّدة على المنطقة كلّها بعد تدمير كل من يقول لها “لا”، ولاسيما أن هذا “الرد” حصل على مباركة سيده في البيت الأبيض باراك أوباما الذي تبنى حق “إسرائيل” في “الدفاع عن النفس” .

لو أنه وأمثاله كتبوا شيئاً عن نتنياهو وباراك وليبرمان، ليس عندما هرعوا إلى الملاجئ خوفاً من الصواريخ التي “يقال إنها” تستطيع الوصول إلى “تل أبيب”، وليس بعد أن اختبأ كل أعضاء “الكنيست” في بيت الدرج حين دوّت صفارات الإنذار في القدس المحتلة (إذا وافق البعض أنها محتلة)، بل بعد ذلك كلّه عندما أعلن وقف إطلاق النار، وظهر أحباؤه الصهاينة على الملأ بوجوه تشبه الموقد بعد انطفاء النار . لو كتبوا شيئاً من وحي الحديث الواسع في الكيان عن الفشل “الإسرائيلي” الذريع، حتى لا نزعجه بوصف الهزيمة في غزة التي لم تنتظر فتاوى الجهاد والتطوّع والتمويل من أحد . .

من سوء حظ بعض المحلّلين والكتاب العرب أنهم انتموا إلى “إسرائيل” في الوقت الخطأ . كان يمكنهم فعل ذلك عندما كانت تعدّ اجتياح أي بلد عربي مثل نزهة، وعندما كان جيشها “لا يقهر”، وعندما كانت تستطيع إعلان الحرب على شعب عربي من عاصمة عربية، فيما يشرب قادتها الأنخاب في عاصمة أخرى . أما اليوم فإن أمنيات هؤلاء باتت أضغاث أحلام ستسقط كشظايا صواريخ “القبة الحديدية” أمام صواريخ غزة التي يرفض بعض أشباه المثقفين الاعتراف بأنها تدافع عن كرامتهم فيما هم غارقون في الذل ووحل الهزيمة . حسناً هم اختاروا معسكرهم وليذهبوا معه أينما يذهب، و”ضربة تودي ما تجيب”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.