“حرب الخلافة” في مصرف لبنان وقيادة الجيش معركة واشنطن المقبلة

وكالة أنباء آسيا-

زينة أرزوني:

ما يهم الادراة الأميركية الحفاظ على مصالحها في لبنان، وإبقاء مؤسساته تحت رحمة إعاناتها ليتسنى لها التحكم بالقرارات الحساسة فيه، ومنعه من التحرر من سطوتها عليه المغلفة تارة بالدعم المالي للمؤسسة العسكرية والمنح والهبات للمؤسسات الاجتماعية والتعليمية، وتارة أخرى من خلال التلويح بعصا العقوبات لمن يعارض خطتها وقراراتها، وهذا ما يؤكده الحديث الذي نقلته وسائل اعلام عن مسؤول في وزارة الخزانة الأميركية، ان ما يهم واشنطن حالياً مَن سيخلف كلًا من قائد الجيش العماد جوزف عون، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، فبحسب متابعين ان من يمسك بالعسكر والاقتصاد قادر على التحكم بالبلد وبمقدراته وقراراته.

 

كلام المسؤول الاميركي لم يأت من فراغ بحسب اوساط متابعة، مشيرة الى انه للنفوذ العسكري الاميركي في لبنان، تاريخ طويل بدأ منذ العام 1957 حين أصدر الرئيس دوايت أيزنهاور مبدأه، الذي يعلن فيه منطقة “الشرق الأوسط” مجالاً حيوياً لمصالح الأمن القومي لبلاده، ليتحول هذا التدخل العسكري الى تعاون بين الجيشين الاميركي واللبناني منذ عام 1958 بعدما فشل في تحقيق اهدافه خلال الاقتتال الداخلي اللبناني، وقُدّر حينها هذا التعاون بـ 4 مليون دولار كمساعدات سنوية.

 

ليستمر هذا التعاون حتى يومنا هذا رغم مروره ببعض المطبات، خاصة عام 1983 عقب استهداف مجمع مشاة البحرية الاميركية بالقرب من مطار بيروت، فتقلص حينها الاهتمام الاميركي بلبنان، ليقتصر على منح عسكرية محدودة، من أسلحة خفيفة وذخيرة ومروحيات وغيرها من الإمدادات، ليعود الاهتمام الاميركي بلبنان ومؤسسته العسكرية عام 2004، بعد توجه إدارة الرئيس الاميركي جورج بوش، لإعادة تشكيل شرق أوسط جديد يدعم مصالح بلاده.

 

ومنذ ذلك التاريخ لم تترك الولايات المتحدة منفذا الا ودخلت منه الى المؤسسات اللبنانية، وهذا ما يتضح مع اعلانها دوماً تقديم الدعم المالي للموظفين والعسكريين عبر اتفاقيات تعقدها تساعدها في زيادة سلطتها على هذه المؤسسات، بحسب المراقبين، الذين يؤكدون ان عام 2021 كان عام التدخل الأميركي العلني بالشأن الداخلي اللبناني، حيث تشير الاوساط المتابعة الى ان أيادي واشنطن طالت عمق الدولة اللبنانية ومؤسساتها من المالية الى القضائية والسياسية. كما شهد العام نفسه كثافة في نشاطات السفيرة شيا التي لم تتوقف عن زيارة المسؤولين السياسيين والعسكريين، اضافة الى قيامها بفعاليات في الشارع اللبناني من استعراضات توزيع كمامات واستقدام اللقاحات.

 

كما شهد هذا العام توسيع السفارة الاميركية في عوكر وافتتاح مبنى جديد بمساحة 174 ألف متر مربع، ليكون بمثابة مركز قيادة عمليات عسكرية وأمنية تنسق الوجود الأميركي العسكري والاستخباري في لبنان، بحسب تعبير المتابعين.

 

لتتوج السطوة المالية المغلفة بالمساعدات مع اعلان السفارة الأميركية في بيروت مؤخراً تقديم مساعدات نقدية بقيمة 72 مليون دولار لعناصر الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي من خلال برنامج تابع للأمم المتحدة (UNDP)، حيث ستوفر هذه المساعدة المالية 100 دولار شهرياً لكلّ العناصر المستحقين وذلك بموجب قانون الولايات المتحدة لمدة ستة أشهر.

 

وتؤكد المصادر ان الاهتمام الاميركي بالجيش اللبناني، ورفده دائماً بالسلاح والاليات للإيحاء للراي العام اللبناني ان الجيش قادر على الرد على اي خطر امني، وصولاً الترويج بضرورة نزع سلاح ح ز ب ا ل له، والعمل على نزع شرعية وجوده من خلال التسويق لقدرة الجيش والقوى الأمنية، على تحقيق الامن الداخلي و الخارجي.

 

تسليح أميركا للشعوب وبحسب مختصين بالشأن العسكري، يندرج ضمن فئات ثلاث، الفئة الأولى هي الحليفة “اسرائيل” التي تغدق عليها واشنطن السلاح المتطور، فيما الفئة الثانية هي الدول الحليفة لأميركا وتخشى على سقوط نظام الحكم فيها فتعطيها السلاح بغية الدفاع عن نفسها، أما الفئة الثالثة فهي فئة الدول التي تخاف اميركا فيها من انقلابات داخلية يقوم بها الشعب فتسلّح الدول لمواجهة شعوبها.

 

وانطلاقا من هذا التصنيف ترى اوساط متابعة ان لبنان يمكن تصنيفه ضمن الفئتين الثانية والثالثة، حيث تسلحه بعتاد “منتهي الصلاحية” ليدافع عن أراضيه ضد أي عدوان خارجي، بحسب زعم واشنطن، فيما الحقيقة انها تسعى من خلال ذلك للمطالبة بنزع سلاح ح ز ب ال له الذي بات قوة ردع بوجه حليفتها إسرائيل، وبات يهدد مشروعها في جعل لبنان سفارة لها في الشرق الأوسط، بحسب تعبير المراقبين، الذين يعتبرون ان الدعم الاميركي للجيش لم يؤدِ إلى أي تطور كمّي ونوعي في قدراته، فلبنان يحتل المرتبة 116 عالمياً لناحية القوة العسكرية في تحليل أجري لـ 140 دولة في العالم.

 

هذا في العسكر، اما في المال، فترى المصادر ان الاهتمام الاميركي بالشخصية التي ستخلف سلامة، هو بهدف الاستمرار في تضييق الخناق على رقاب اللبنانيين وعدم السماح لهم بالخروج من الأزمة الاقتصادية، بعدما نجحت الادراة الاميركية مع ادواتها في لبنان الى ايصاله حد الافلاس.

 

العلاقة بين سلامة وواشنطن بدأت منذ أن تم اختياره ليكون حاكم مصرف لبنان، وهذا الخيار يدخل في إطار سياسة الهيمنة الاميركية على الاقتصاد العالمي وفرضها السياسات الاقتصادية والمالية على الدول النامية، بما في ذلك القيادات والسياسات التي تدير المؤسسات المالية المحلية وعلى رأسها البنوك والمصارف المركزية.

 

وما يكشف ان سلامة كان رجل الادراة الاميركية بحسب المصادر، هو دخوله في 3 آذار من العام 2009 الى بورصة نيويورك، فقد كان أول حاكم مصرف مركزي عربي يقرع جرس الافتتاح إيذانا ببدء التداول في بورصة نيويورك، معلنا بدء التداول النشط في أكبر بورصة في العالم، ويؤكد المراقبون ان هذا التتويج الذي مُنح لسلامة كان دليلا كافيا على وقوع تزكيته من قبل أباطرة المال في “وال ستريت”، وعلى أنه موظف لدى الشبكات المالية وأباطرة صناعة السياسات الاقتصادية في العالم، مما يجعله مجرد أداة تنفيذية للسياسات المالية الاميركية في لبنان، بحسب تعبير المصادر.

 

وانطلاقا من التغلغل الاميركي الواضح في المؤسسات العسكرية والمالية في لبنان، ترى المصادر ان واشنطن هي اول من سيفتح “حرب الخلافة” لهذين الموقعين، وانه بمجرد استمرار السيطرة عليها فإن المقاعد الرئاسية والحكومية تحصيلٌ حاصل في النهاية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.