حمدين صباحي لـ«السفير»: شعبية مرسي تنهار بسرعة قياسية

hamdeen-sabahi1

الجيش عصي على الاختراق «الإخواني»… لكننا نرفض عودته إلى الحكم

صحيفة السفير اللبنانية ـ    
وسام متى:

«الريّس».. هكذا يناديه مناصروه ومحبّوه. هو حمدين صباحي، رئيس «التيار الشعبي المصري»، وأحد رموز «جبهة الانقاذ» المعارضة لنظام «الإخوان المسلمين». الطالب الناصري الذي واجه الرئيس أنور السادات ذات يوم في جامعة القاهرة، والصحافي، ومن ثم النائب البرلماني، الذي قاوم استبداد الرئيس المخلوع حسني مبارك لسنوات طويلة، يخوض اليوم أشرس المعارك ضد نظام «الإخوان المسلمين»، حاورته «السفير» حول ما يجري حالياً في مصر. تأخر اللقاء مع صباحي قليلاً بسبب انقطاع التيار الكهربائي، الذي أظلم شارع البترول في حي المهندسين حيث مقرّ «التيار الشعبي». هو ظلام بدا غريباً على زائر القاهرة، التي طالما كانت منارة مضيئة في وجه طيور الظلام.

{ بعد حوالي 10 اشهر على انتخاب محمد مرسي رئيساً للجمهورية، وأكثر من عامين على انطلاق «ثورة 25 يناير»، كيف تنظرون بشكل عام إلى الوضع في مصر اليوم؟
^ «ثورة 25 يناير» العظيمة التي بدأت لم تكتمل بعد، ومحمد مرسي الذي جاء رئيساً منتخباً لم يفِ بطموحات الشعب، ولم يسعَ باتجاه تحقيق أهداف الثورة، ولم يحترم التعهدات التي قطعها على نفسه شخصياً. هناك أزمة عميقة تتبدى الآن في رفضٍ مجتمعيٍّ واسعٍ لـ«أخونة» الدولة، وهو البرنامج الحقيقي الواضح لمحمد مرسي في السلطة، وانقسامٍ سياسي يعبّر عنه انقطاعٌ في الحوار، وقرارٌ بمقاطعة الانتخابات من قبل غالبية القوى السياسية. إذاً، مصر في لحظة ما زال فيها الطريق نحو إكمال الثورة ممتداً وصعباً. تحتاج إلى الوحدة فيما هي منقسمة. تحتاج إلى سلطة تعبّر عن الثورة فيما السلطة الحالية ليست كذلك.
{ ألا ترون أن قرار مقاطعة الانتخابات قد يكون معاكساً لمزاج الشارع المصري ورغبته في انتقال السلطة السياسية عبر صندوق الاقتراع؟ وألا تخشون أن يؤدي خيار المقاطعة إلى تجديد الشرعية لنظام «الإخوان المسلمين» عبر هذا الصندوق؟
^ لا شك في أن قرار المقاطعة مثير للخلاف. الأصل في الأمر بالنسبة إلينا هو المشاركة وليس المقاطعة، لكننا اضطررنا إلى اتخاذ الخيار الثاني لحزمتين من الأسباب. الحزمة الأولى، تتعلق بطبيعة النظام الذي افرز سلوكاً مستبداً في الحكم، وتفرداً شديداً في إدارة الدولة، وعزوفاً تاماً عن أي مشاركة بأي صيغة، وهذا أمر جرى تتويجه من خلال الاعلان الاستبدادي الذي سمّي الإعلان الدستوري، والذي تم من خلاله حصار القضاء كمؤسسة مستقلة، وتحصين قرارات رئيس الجمهورية، وهو ما اعتبرناه خطاً فاصلاً بين رئيس يمكن أن نعِينه، وبين رئيس لا يمكن ان نقبل باستبداده. يُضاف إلى ذلك ان ارتواء الأرض المصرية بدماء شهداء جدد في عهد رئيس منتخب بعد الثورة أمر لا يمكن قبوله سياسياً واخلاقياً وقانونياً، وهذا ما ينطبق على مظاهر أخرى نشهدها حالياً، ومن بينها الإفراط في استخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين، وعودة الاعتقالات وعمليات التعذيب داخل سجون الشرطة وأقسامها، والتي أفضت إلى استشهاد محمد الجندي عضو التيار الشعبي. وفي مثل هذا المناخ، نجد ان طبيعة التركيبة السياسية تقول بوضوح إن لا رغبة في المشاركة في أي برلمان في ظل هذا النظام. أما الحزمة الثانية، فترتبط بضمان عملية الانتخابات، وقد قدّمنا لائحة طويلة بالضمانات المطلوبة لاجراء نتخابات حرة ونزيهة، ولكن لم يُستجَب إليها، وأمام هذا الرفض، اضطررنا إلى اتخاذ قرار المقاطعة.
{ ماذا سيكون خياركم في حال مضى مرسي في اجراء الانتخابات من دون تلبية هذه المطالب والضمانات؟
^ سنمضي في خيار المقاطعة، وهي ليست مجرّد فعل سلبي، بل هي تطوير لأساليب متعددة الدرجات، تأخذ في الحسبان طاقة شعبنا وقدراته وارادته في المشاركة، وتندرج في مجملها تحت عنوان واسع، وهو المقاومة المدنية السلمية، بأساليبها التي تبدأ بمجرد تعليق شارة على الصدر أو السيارة أو الشرفة، وتنتهي بالتظاهر المليوني والعصيان المدني. هذا طريق مفتوح لاستكمال الثورة. الطريق الآخر أيضاً مفتوح لاستكمال الثورة، وهو صندوق الانتخابات، ونحن نفضّله ونسعى إليه، ولكنّنا نريد أن نوفر له الشروط العادلة.
{ ولكن ألا تعتقدون أن ما تطرحونه في هذا الإطار يحمل بعض الطوباوية؟
^ على العكس. هو طرح واقعي جداً. ميزة المقاومة المدنية السلمية أنها ليست رهناً بأسلوب محدد. قد لا يلبي الناس في بعض الأوقات الدعوات إلى التظاهرات المليونية لأسباب متعددة أهمها العنف، فيكون الحل في البحث عن أساليب اخرى للتغيير. المصريون يكرهون العنف، وينفضون عن التظاهر إذا ارتبط بالعنف. وهذا درسٌ كان واضحاً في الفترة الماضية، وهو يفسر، استناداً إلى طريقة البحث عن المستفيد، من الذي يقف وراء أعمال العنف في مصر؟
الظرف الذي لا يهيئ لك إمكانية تنظيم تظاهرة مليونية قد يسمح لك بتنظيم وقفة سلمية؛ والمكان الذي لا يتيح لك فرصة التظاهر أمامه، في حال كان مبنى ذا رمزية للنظام (وزارة الداخلية، قصر الاتحادية، مقر قيادة «الإخوان» في المقطم)، تبتعد عنه، وتقيم نشاطك في مكان آخر، وفي الأحياء الشعبية متسع؛ والشعارات ذات الطابع السياسي التي تبدو مستهلكة بالنسبة إلى الجماهير، يوجد بديل أكثر اهمية منها، ويرتبط خصوصاً برغيف الخبز وانبوبة البوتاغاز والسولار، وكلها مطالب ذات طابع اجتماعي ينبغي أن تتقدم.
واستناداً إلى المقاومة المدنية السلمية، يمكن للمؤمنين بالثورة ـ وبالذات الشباب الثوري وليس الثائر أو الغاضب فقط ـ أن يطوّروا أساليب جديدة للعصيان المدني، بشرط أن تكون سلمية ومرتبطة بمطالب الناس وقادرة على تأمين نفسها ضد العنف. وبما أننا مقبلون على أزمة اقتصادية خانقة تزداد احتمالات تأثيرها على حياة كل مواطن يومياً، اعتقد أننا سنجد مورداً ربما يتخطى المقاومة المدنية السلمية ليصل إلى فوران اجتماعي نتيجة عدم القدرة على الصبر على الإفقار والغلاء، وهذا وحده قد يتحول إلى متغير يتعدى الخطط التي اتحدث عنها، ويتجاوز اطار القوى التي نعول عليها في الحراك الحالي.
لا بد من التذكير، أنه على مدى السنوات الماضية، كنا نتحدث باستمرار عن المقاومة المدنية السلمية، وكنا نتهم في كل مرّة بأننا طوباويون، ثم جاءت «ثورة 25 يناير» لتثبت صوابية موقفنا. نضال الشعوب تراكمي بطبعه، لكن القرار ليس في يد اي قوة سياسية أو نخبة أو حزب، بل هو في يد الشعب، وهذا مدد رباني يمنحه الله للناس في وقت معيّن، فيخرجون كما خرجوا في السابق، وهم سيخرجون في المستقبل القريب، لأن المؤكد أن المصريين لن يقبلوا بحكم مستبد، لا باسم الدين ولا بأي اسم آخر، حيث أنه لم تعد هناك امكانية لخداع شعب عظيم كالشعب المصري.
لا شك في أن الثورة ستكتمل، ولكن ما اتمناه هو أن يُفتح باب اكتمالها السلمي الديموقراطي عبر اساليب متفق عليها ومقبولة بمعايير صحيحة عبر صندوق الانتخابات، بشرط أن يحصن بضمانات كافية، إذا اردناه كذلك، ونحن مستعدون للالتزام به، في حال وثقنا بهذه المعايير ومدى نزاهتها. ولكن اذا اقفل باب الصندوق فنكون امام مقاومة مدنية سلمية وستكون أكثر واقعية مما نظن جميعاً.
{ هل توافق على مقولة أن الثورة المقبلة ستكون ثورة جياع؟
^ ربما تكون كذلك، فأفق الأزمة الاقتصادية تضيّق امكانيات الحل فيه، وقدرة الناس على الصبر على سياسات الافقار تنفد. الغالبية الساحقة من المصريين تضم مواطنين مقهورين اقتصادياً، وهؤلاء لن يبقوا ساكتين حتى يموتوا جوعى في بيوتهم، بل سيخرجون للمطالبة بحقهم في الخبز والكرامة، ولن يعودوا قبل تحقيق مطالبهم.
{ ثمة انطباع لدى المواطنين العاديين بأن الثورة سبب وصول «الإخوان» إلى الحكم، وهم بالتالي يحمّلونها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في مصر.
^ من المؤكد أن «ثورة 25 يناير» مسؤولة عن وصول «الاخوان»، لكنها ليست مسؤولة عن تخليهم عن اهداف الثورة. لولا الثورة لما وصل «الاخوان» الى الحكم، هذا صحيح، ولكن هل الثورة مسؤولة عن تنكر «الاخوان» لشهدائها وأهدافها وشركائها؟ اعتقد أن على «الاخوان» ان يشكروا الثورة لأنها مكّنتهم من رئاسة الجمهورية، وعلى كل ثوري ان يقف ضد «الاخوان» لأنهم لم يحترموا الثورة التي اوصلتهم إلى هذا المكان.
{ ألا يؤثر هذا الانطباع على صورة القوى الثورية المعارضة؟
^ هذا الانطباع يمكن أن يؤثر سلباً على الجميع، لكنه سينحر في الاساس صورة من يحكمون باسم الثورة ويتخلون عنها، أما باقي القوى التي ما زالت تطلب مع الناس وللناس حقوقها، فأظن أن الموقف منها مختلف، حتى وإن اصابها الشعور العام بافتقاد الثقة، فثمة فرق بين غضب الناس على «الاخوان» وغضبهم على باقي الثوريين، فالأول هو غضب عداء، في حين أن الثاني فهو غضب عتاب. الشعب المصري يجيد الحُكم، وأنا أقصد بالذات المواطنين الذين التقيت بهم وكان لديهم هذا الانطباع، وهم أبسط الناس وأكثرهم صدقاً.
{ هل يتمكن مرسي من إكمال ولايته الرئاسية؟
^ اعتقد أن ذلك رهن بطبيعة سياساته اولاً، وبتوازن القوى ثانياً.
سياسات مرسي لن تمكنه من استكمال ولايته، ويمكن تلمّس ذلك خلال المدى الزمني الذي قطعه. أعتقد ان مرسي يجب يدخل موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية في سرعة انهيار شعبية رئيس جمهورية، وذلك بسبب أدائه على كل المستويات، بدءاً من رؤاه وسياساته وقراراته وصولاً إلى خطاباته وكلماته. وهذا أمر قابل للقياس، فثمة انهيار سريع وغير مسبوق في شعبية مرسي كرئيس، و«الاخوان» كجماعة، وهو ما أظهرته انتخابات اتحادات طلاب الجامعة ونقابات البيطريين والصيادلة والصحافيين والاتحاد العام للجمعيات.
في المقابل، فإن توازن القوى امر غير مطابق، لأن الفشل في الإدارة، وهو السمة الواضحة لإدارة مرسي، والعجز عن تحقيق رضى شعبي أو حتى الحفاظ عليه، لم يقابَل بإعادة تشكّل للعلاقات بين القوى داخل المجتمع المصري. «الاخوان» يخسرون خسارة فادحة ولكن خسارتهم لا تضيف كثيراً الى رصيد معارضيهم، وذلك ناتج عن عوامل الضعف في بنية المعارضة التي تقف في مواجهة مرسي الآن. وعليه، فإن عدم القدرة على كسب أولئك الذين يخرجون من معسكر تأييد مرسي إلى معسكر تأييد معارضيه، يحمل دلالة كبيرة ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار.
كذلك، فإن بقاء الجيش المصري، بوصفه قوة رئيسية وشبه حاسمة في أي صراع داخلي، في حالة تشبه الحياد ـ لا هو طالته يد «الأخونة» وهو مستهدَف اصيل في سياسة مرسي و«الاخوان» ولا هو يأخذ مؤقفاً معلناً ضدهم ـ يندرج في إطار المسائل التي يجب تؤخذ في الحسبان، أضف إلى ذلك انفضاض الجماهير عن الحضور في الشارع لأسباب عديدة أهمها شيوع العنف، والتوازن بين قوى المعارضة وطريقة إدارتها لما بينها من تدافع وصراع… وكلها عوامل تحدد الاجابة على السؤال بشأن قدرة مرسي على إكمال ولايته.
يمكنني القول إن سياسات مرسي كفيلة في أن تسقطه بالأمس وليس الغد، ولكن توازن القوى في مصر وقدرة الجماهير على الانحياز المنظم لمعارضي مرسي تجعله، في حال استمر الوضع على ما هو عليه، قادراً على إكمال ولايته.
{ هل هذا سبب التردّد في خوض الانتخابات؟
^ كلا… أعتقد أن «الاخوان» في وضع مثالي كي تتحقق هزيمتهم عبر الصندوق، لكن الحصول على غالبية في البرلمان، وهي غالبية مستحقة لمعارضي الاخوان، تبقى غير مؤكدة في ظل غياب ضمانات جدية لنزاهة الانتخابات، ثم أن الوجود من دون غالبية في برلمان تحت دستور يُعلي قبضة الرئيس في مصر ـ فضلاً عن تراث مصري عظيم لمصلحة رئيس الجمهورية ـ سيبقي على هذه القبضة من دون تعديل حقيقي. نحن مستعدون لخوض الانتخابات البرلمانية اذا كانت طريقاً اميناً للتعبير عن ارادة الشعب، وإذا اقترنت بضمانات نزاهة، وفي ظل تهيؤ موضوعي من قبل باقي الشركاء في الوطن، واولهم الذين يحكمون الآن، بقبول نتائج الشراكة، وليس مصادرة النتائج باستخدام سلطات رئيس الجمهورية الموروثة والمكرسة في الدستور. أنا اتمنى ان يستجيب مرسي إلى القدر المقبول من هذه المطالب الضرورية لكي نعيد النظر في قرار مقاطعة الانتخابات.
{ افترض أن «الإخوان»، وهي جماعة منظمة، تدرك أن شعبيتها تنهار، فما سبب تمسكها بسياساتها هذه؟
^ اعتقد أن ثمة احتمالات عديدة لاستمرار هذه السياسات: إما أن لدى «الإخوان» خشية تصل الى درجة الرعب من المشاركة السياسية، أي انهم ينظرون إلى الديموقراطية بوصفها «فيروس» يضعفهم ويقوي خضومهم في حال تسلل إلى نظام الحكم، أو انهم يرون أن فكرة تكوين نظام مستبد جديد لا تزال صالحة بعد «ثورة 25 يناير»، أو انهم يراهنون على استنزاف طاقة الناس في ظل المشاحنات والتجاذبات، وبالتالي حصر المعارضة ضمن إطار النخب.
اياً كانت السيناريوهات والاحتمالات المتوقعة، اعتقد ان كل هذه الخيارات هي سياسات بائسة، وفي حال حققت مصلحة «الاخوان» فإنها ستضر جداً بالوطن.
{ أين يقف الجيش المصري في الصراع الحالي؟
^ اعتقد أن الجيش المصري ما زال عصياً على الاختراق «الاخواني» حتى هذه اللحظة، وهو ما يزال رقماً صعب في أي معادلة، ثم أنه محاط بمحاذير كثيرة لكي يتحرك من بينها أننا ما زلنا نقف في وجه «الاخوان» بشكل واضح، أو على الأصح في وجه استبدادهم، وليس وجودهم. وهنا أود أن اؤكد مجدداً أن جرعة النقد المكثف التي اكيلها لنظام مرسي، لا تندرج ضمن إطار العداء لـ«الإخوان»، ولا تحمل أي نزعة لاستئصالهم أو عقابهم او ظلمهم او تهميشهم… نحن نقف ضد استبداد «الاخوان» بحزم، واعتمادنا، بعد ربنا، على قوى الشعب المصري، ورأينا ان الجيش المصري لا ينبغي أن يحكم مرة اخرى، وبالتالي فإننا لا نرحب بالدعوات التي يطلقها البعض إلى عودة الجيش للحكم، وإن كنا نتفهم بعض الأصوات التي تتردد في هذا الإطار، باعتبارها رد فعل على العنف الذي مارسه «الإخوان»، بدءاً بـ«جمعة كشف الحساب» في ميدان التحرير، وصولاً إلى العنف المنظم امام قصر الاتحادية، وهو عنف من المؤسف ان يتجاهله مرسي ويلتفت إلى العنف المنسوب إلى الطرف الآخر.
من جهة ثانية، اعتقد أن تصاعد الحديث عن دعوة الجيش إلى استلام الحكم يعبّر بشكل ضمني عن تضاؤل الاعتداد بقوة المعارضة الوطنية والديموقراطية السلمية، وهذا أمر يجب أن نتنبه إليه ونأخذه في الحسبان. ربما يلعب الجيش المصري دوراً ما في حال تفاقم الوضع، لكنني أعتقد أن اي دور للجيش يجب أن يكون خارج إطار عودته إلى الحكم.
{ الا توجد صفقة بين الجيش و«الاخوان»؟
^ لا توجد صفقة، بحسب معلوماتي.
{ ولكن ماذا تفاهمات المرحلة الانتقالية والخروج الآمن لقادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة؟
[box type=”success” align=”alignleft” width=”100″ ]اعتقد أن الراعي الاميركي قد وجد في «الاخوان» منظمة واسعة الانتشار يمكن أن يضمن عبر اتفاق واحد معها اوضاعاً اقليمية وامتدادات دولية لها[/box]^ كانت هناك بالتأكيد تفاهمات بين «الاخوان» والمجلس العسكري بقيادته القديمة، وهذه الصفقة كانت تحظى برعاية اقليمية ودولية ورضا أميركي. لكن الجيش المصري يدرك حالياً إلى أي مدى يمكن لطريقة «الاخوان» في الحكم ومنهج التمكين الذي يؤمنون به أن يشكلا خطراً على المجتمع لأنه يقسمه، وعلى الدولة لأنه يضعفها، وبالتأكيد فإن امتداد هذا الخط باتجاه المؤسسة العسكرية سيمثل، فضلاً عن هذه المخاطر العامة، نوعاً من التحدّي لإرادة المؤتمنين عليها من أكبرهم إلى أصغرهم، وبالتالي، لا اعتقد أن هناك الآن صفقة او حتى تفاهمات كاملة بين الجيش وبين إدارة مرسي وجماعة «الاخوان»
ثمة حالة من عدم المنطق في السياسة المصرية اليوم، إذ من الواضح أن هناك رعاية دولية ـ أميركية تحديداً ـ لمشروع «اخونة» المنطقة العربية، ولكن الراعي نفسه ما زال متردداً في دعم حلفائه الجدد، وتحديداً في الشق الاقتصادي الذي يرى كثر أنه سيكون السبب المباشر لانهيار الأنظمة «الإخوانية»… كيف تفسر هذا التناقض.
اعتقد أن الراعي الاميركي قد وجد في «الاخوان» منظمة واسعة الانتشار يمكن أن يضمن عبر اتفاق واحد معها اوضاعاً اقليمية وامتدادات دولية لها، فهو يبحث عن هيمنة منخفضة التكاليف، ولعل جزءاً من خفض التكاليف هو خفض الدعم المالي لهذه الأنظمة الجديدة. السؤال منطقي جداً، واعتقد أن جزءاً من أسباب هذا التناقض انه من غير الممكن تسويغ دعم الاقتصاد في ظل هذا النوع من الحكم غير الديموقراطي، خصوصاً أن الحديث يدور عن دولة يمكن أن تراجع الرئيس، كما هي الحال في الولايات المتحدة والدول الأوروبية، ولذلك، ربما تكون هذه الأطراف الدولية راغبة في البحث عن صيغة للتهدئة والوفاق السياسي كي يكون الدعم الاقتصادي ممكناً.
{ هل حصلت محاولات في هذا الإطار؟
^ اعتقد أن ثمة محاولات حصلت.
{ هل شملت هذه المحاولات «جبهة انقاذ»؟
^ نعم.
{ وما كانت نتيجتها؟
^ لا نتائج بعد. بصرف النظر عن هذه المحاولات، نحن موقفنا واضح جداً، وهو أننا لسنا مستعدين لحوار فارغ المضمون مع محمد مرسي، ونستند في ذلك إلى أعمدة الحكمة السبعة التي نتمسك بها، وهي: التوافق على الدستور، وتحقيق عدالة انتقالية تقتصّ للشهداء والمصابين وتفتح باباً لمصالحة وطنية تنهي حقبة ما قبل الثورة وتشرع الباب على المستقبل، وإقرار العدالة الاجتماعية كمطلب ثوري ورؤية تترجم تبعاً للسياسات، واستعادة الأمن عبر مؤسسة تكون في خدمة الشعب، وهذا يستلزم اعادة هيكلة جهاز الشرطة. هذه الأعمدة الأربعة تحتاج إلى اتفاق، وندرك ان تحقيق ثمارها يستلزم وقتاً. أما باقي المطالب السبعة فهي آنية، ويجب أن تتحقق فوراً كمقدمة لأي حل. المطلب الأول، يتمثل في تشكيل حكومة محايدة، لا نريدها ائتلافية، ولا نطلب مواقع فيها، ولكن نريد أن يكون لدينا رأي حاسم في اختيار رئيسها وسبعة وزراء هم الأكثر تأثيراً في العملية الانتخابية (الداخلية، العدل، الاعلام، الحكم المحلي، الشباب، والتموين والخارجية). المطلب الثاني، تعيين نائب عام جديد لا يعيد النائب العام القديم ولا يبقي الموظف الحكومي الذي عينه محمد مرسي، ويتم اختياره من بين ثلاثة يرشحهم المجلس الأعلى للقضاء. أما المطلب الثالث فهو إقرار قانون انتخابات لمجلس النواب نشارك في وضعه ونضمن عوامل النزاهة فيه لكل الأطراف. إذا حصلنا على موافقة معلنة ومسبقة من محمد مرسي على هذه الطلبات، واجراءات واضحة تضمن تنفيذها، قد نكون في وضع يسمح لنا في اعادة النظر في القطيعة التي نمارسها الآن في الحوار، وأيضاً في قرار مقاطعة الانتخابات.
{ كيف تقيمون السياسة الخارجية التي ينتهجها محمد مرسي تجاه إيران وسوريا؟
^ اعتقد أن اي اقتراب من إيران هو اقتراب ايجابي، لكن ذلك يجب أن يتم ضمن إطار رؤية واضحة، كي يوضع في مكانه الطبيعي. نحن من أنصار علاقات عربية ـ تركية ـ إيرانية متينة. هذا المثلث لا بد أن يستعيد قدرته على التفاهم لصياغة مصالح استراتيجية مشتركة تحفظ على الاقل أمنه وتنميته الاقتصادية. هذا المثلث مفكك حالياً، وبالتالي فإننا نؤيد اي مسعى في اتجاه تجميعه، وإن كنا لا نرى سعياً كافياً لذلك. الاقتراب من ايران حتى الآن يؤشر ايجابياً، ولكنه لا يستند إلى هذه الرؤية.
أما سوريا فهي تحتاج إلى طرح بديل يعتمد على القوة الشعبية السياسية للسوريين كشعب عظيم، وينهي اراقة الدم الذي يرتكبه النظام ضد الشعب، وترتكبه أيضاً عناصر مسلحة وممولة أيضاً ضد الشعب. الشعب السوري يستحق خياراً افضل من سلطة تذبحه ومعارضة تشعل مناخ هذا الذبح. لا نرى أن مرسي يمضي في هذا الاتجاه. كان اولى به، بصفته رئيساً لمصر، بكل ما تعنيه مصر في امتها العربية، ان يسارع إلى طرح مبادرة تخلص الشعب السوري من حكم مستبد، ولا تسلمه إلى جماعات تعبر عن مصالح اقليمية ودولية طامعة في سوريا. ما نراه في سوريا شكل من أشكال الحرب الاقليمية على الأرض السورية، وليس مجرد تنازع بين قوى سياسية داخلية. نحن ننتصر لحق الشعب السوري في نظام ديموقراطي يحفظ وحدة سوريا أرضاً وشعباً ودولةً، ويبقيها في موقفها المستقل عن الاجندة الغربية الداعمة لمصالح الصهاينة، وهذه المعادلة تحتاج إلى قوة سياسية واجتماعية سورية واضحة تقف وراءها، وكان ينبغي على مصر أن تقف وراء هذا الحل، ووراء القوى التي تمثله . اعتقد ان الدور المصري قد ركب قطار رؤية سابقة التجهيز قبل وجود محمد مرسي لإدارة الملف السوري، اكثر مما حاول ان يوقف سير هذه القطارات أيّاً كان الذي يدفعونها لأنها تدهس لحماً سورياً ودماً سورياً نحن حريصون عليه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.