«خط الأوهام» التركي الجديد: من اللاذقية إلى.. السليمانية!

75ca0323-8893-49c1-9181-1f36a689917c

صحيفة السفير اللبنانية ـ

محمد نور الدين :

عملت تركيا منذ بدء الربيع العربي على السعي إلى التفرد في الهيمنة على المنطقة، تحت عنوان العثمانية الجديدة التي روّج لها احمد داود اوغلو، باستنساخ النموذج الانكليزي في الكومنولث، والعمل على إقامة كومنولث عثماني بزعامة تركيا.
وفي هذا الاتجاه كان السلوك التركي مع انفجار «الربيع العربي» استغلال الفرصة للدفع في اتجاه إقامة سلطة بديلة من الأنظمة المنهارة، أساسها تيار جماعة «الإخوان المسلمين». وهو ما ألّب على «حزب العدالة والتنمية» كل المكونات غير التركية وغير «الإخوانية» في المنطقة، فكان الفشل الذريع في ترجمة أحلام قادة الحزب في تغيير خريطة المنطقة. اصطدموا أولاً بسوريا ومحورها، ومن ثم بالسعودية ومن معها، حيث كانت مصر ساحة ذلك الاشتباك الأعنف في علاقة تركيا بالدول العربية بعد سوريا.
مع كل ذلك تبقى سوريا بيت القصيد الأكبر في سياسة تركيا الخارجية. فهي الدولة الجارة جغرافيا بـ910 كيلومترات من الحدود، هي الأطول لتركيا مع جاراتها. وسوريا تبقى بوابة تركيا إلى العالم العربي. وقد عملت أنقرة على محاولة الاستفادة في الحد الأقصى من ميزة الحدود المشتركة من أجل إبقاء آمالها في موطئ نفوذ في البلد، الذي قدم لها قبل العام 2011 كل ما يملك من أمن وانفتاح اقتصادي وشرّع أبوابه، كما في الأدبيات السورية، لـ «العثملي ذي الصورة السيئة والمتوارثة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى والمغتصب للواء السليب».
لكن لم يكن ذلك كافياً لتركيا الجديدة التي لم تكن مرحلة صفر مشكلات سوى جواز مرور لمرحلة جديدة عنوانها استبدال النظام القائم بنظام جديد يحوّل سوريا إلى مستملكة، أو ولاية عثمانية جديدة.
بصق التركي في الصحن الذي وفر له الأمن على امتداد الفترة من 1998، تاريخ إبعاد زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان من سوريا، حتى بداية الأحداث، والذي فتح له القلوب والأسواق وربما الأسرار. لكن الكرم العربي السوري لم يواجه إلا بتفكيك المصانع وبيعها في الداخل التركي، وإلا بتنظيم العصابات المعارضة لقلب النظام، وإلا بأوسع حملة شيطنة إعلامية له ولحلفائه.
لكن الألطاف الإلهية تمهل ولا تهمل. وما كان للمرة الأولى منذ 90 عاماً فرصة ذهبية لعلاقات قربى وجوار سليمة ووثيقة، تحول إلى عداوة قد تحتاج إلى 90 عاماً أخرى لتعود من جديد إلى صداقة.
انكسر المشروع التركي في سوريا على امتداد الأزمة السورية، وما كان قد تبقى منه من دور تكفلت «عاصفة السوخوي» ومن ثم منظومة «إس 400» في كسره وإنهائه. بحيث نكرر ما قلناه سابقاً من أنه لم يبق من الـ900 كيلومتر حدودية مع سوريا من منطقة نفوذ لسوريا سوى تسعة كيلومترات، تلك التي تحاذي إعزاز وصولاً إلى الحدود.
رفعت تركيا شعار الحرب على «داعش» ولكنها لم تفعل شيئاً ضده. اتهمت «داعش» بتنفيذ تفجيرات في اسطنبول، لكن الأخير لم يتبن أياً منها. أما الفضيحة الكبرى فكانت في انعقاد اللسان الذي أصاب قادة تركيا في الصمت على إنجاز تحرير مدينة تدمر. حتى واشنطن رحبت بعد تردد بتحرير المدينة، فيما لم ينبس الأتراك ببنت شفة.
حدث العكس تماما. أطلق رئيس الحكومة واحدة جديدة من تهويماته وأوهامه التي واجهت السقوط الواحدة تلو الأخرى. وعلى قاعدة الهروب إلى الأمام، القاعدة التي أتقنت تركيا ممارستها بدلاً من مساءلة نفسها وإعادة النظر بالحسابات الخاطئة، كان تصريح رئيس الحكومة الذي أطلقه أثناء عودته إلى تركيا بعد زيارته الأخيرة للأردن.
في الطائرة التي أقلته إلى أنقرة، قال داود أوغلو «في هذه اللحظة مصير الشرق الأوسط بيد مدينتين: حلب والموصل. إذا وقعت حلب بيد النظام السوري أو داعش فإنه لن يبقى أمل لسوريا. وإذا استمر داعش في السيطرة على الموصل فلن يتحقق الاستقرار في العراق بسهولة». ويضيف «إذا سيطرت العناصر الشيعية المتطرفة على الموصل بدلا من داعش فإن الحرب في العراق لن تنتهي. المسألة ليست متى تتحرر حلب والموصل بل من سيحررهما. الموصل يجب أن يحررها أهلها. نحن أسسنا قاعدة بعشيقة من أجل تحرير الموصل. ثلاثة أسباب كانت وراء إقامة معسكر بعشيقة: الأول، تحرير الموصل عبر مساعدة الحكومة العراقية والشعب العراقي. الثاني، ان المنطقة الممتدة إلى الشمال من خط اللاذقية ـ حلب ـ الموصل ـ السليمانية هي منطقة أمنية لتركيا. كل شيء هنا يهمّ تركيا. الثالث، ان تمركز حزب العمال الكردستاني في شمال الموصل، ومروره إلى سوريا من جبال قنديل عبر خط سنجار الحسكة هو أمر لا تريده تركيا. إن تحرير الموصل سيغلق أمام حزب العمال الكردستاني المنطقة التي يريد أن يفتحها في شمال العراق، وسوف يجلب الاستقرار إلى إقليم الإدارة الكردية».
ليس جديداً أن يرسم قادة أنقرة خطوطاً من هنا وحدوداً من هناك، وغالباً ما تكون الخطوط المرسومة حمراء اللون.
يتحدث المسؤولون الأتراك كما لو أن أنقرة لا تزال تملك أوراق تأثير في سوريا. لقد انتهت الحرب السورية حتى الآن إلى محو النفوذ التركي في شمال سوريا وإحلال النفوذ الكردي. وبعد معارك ريف اللاذقية وحلب، خلال الأشهر الأخيرة، تقلصت رقعة النفوذ التركي إلى بضعة كيلومترات شمال اعزاز، بعدما كانت تسعى لتكون حاضرة من منطقة الأويغور في الصين إلى الساحل المغربي على البحر المتوسط.
غالبا ما كانت أنقرة تتهم النظام في سوريا، ومعه إيران وروسيا، بأنهم يعملون على رسم حدود دويلة علوية في المنطقة الساحلية السورية. لكن لم يفسر الأتراك لماذا يتمدد الجيش السوري إلى خارج الحدود المفترضة للدويلة العلوية، ولماذا يتمدد إلى تدمر البعيدة عن تلك الدويلة، ولماذا لا يزال يقاتل في دير الزور والحسكة ويسعى لتحرير دير الزور والرقة وصولا إلى درعا في الجنوب وصولا إلى الحدود الأردنية.
لقد كان من أهم أخطاء أنقرة في سوريا أنها اعتبرت الشأن السوري شأناً تركياً داخلياً. وهذا يعني أن تتصرف تركيا تجاه سوريا، وأي بلد مجاور جغرافياً لها، كما لو أنها تتصرف مع محافظة تركية. وهذا ما قاله يوماً عبدالله غول لأردوغان من انه لا يمكن أن يكون في الوقت نفسه رئيسا لحكومة تركيا وسوريا ومصر. ولا أن يكون داود اوغلو وزيرا لخارجية الدول الثلاث معا.
اعتبار سوريا شأناً داخلياً تركياً كان في أساس التدخل التركي المباشر في سوريا، عبر دعم الجماعات المعارضة، سياسيا وعسكريا وماليا. وهي سياسة خارجية تتعارض مع سياسات تركيا القديمة بأن تتعامل مع الدول الأخرى، ولو كانت على خلاف معها، معاملة الدولة لدولة، وليس شبك العلاقات مع المجموعات الداخلية وتحريضها بعضها على بعض.
وعملت تركيا على كسر مركزية الدولة في سوريا والعراق. تعاملت أنقرة مع إقليم كردستان العراق كما لو انه لا حكومة في بغداد، وعملت على انتهاك السيادة العراقية في أكثر من مناسبة.
1 ـ كانت تركيا تركز على منطقة شمال حلب، ومن ثم على المنطقة التي يسيطر عليها «حزب الاتحاد الديموقراطي» الكردي. أما اليوم فإن تركيا تمد خط اهتمامها من اللاذقية إلى السليمانية تحديدا. السليمانية تدخل للمرة الأولى في مصطلحات الخطاب التركي تجاه سوريا والعراق. علما أنها بعيدة عن الحدود التركية. تختصر تركيا شمال هذا الخط بما كانت تتطلع إليه تاريخياً، بضم ولايتي حلب والموصل ـ كركوك إلى الدولة التركية في إثر انهيار الدولة العثمانية عام 1918. لكن إذا كانت أفضل وسيلة للدفاع عن قلب الأناضول هي الهجوم، فهذا لا يعطي لتركيا الحق بأن تستبيح المنطقة الممتدة من اللاذقية إلى السليمانية. كما لا يعطيها الحق بأن تفكر في المستقبل باستباحة الجوار الجغرافي لها، في أرمينيا وإيران وبلغاريا واليونان. فهذا المنطق ليس سوى ذاك الذي يخفي مخططات توسعية لا تستثني أي جار لتركيا.
2 ـ إن إطلاق هذا الخط الجديد لا يدخل إلا في باب الأوهام التي دمغت السياسة الخارجية التركية، والتي يكاد يجمع الأتراك على أنه لا بد من التخلي عنها. وهي سياسة لا تمتلك الإمكانات ولا الظروف لتحقيقها. لذا كان الفشل الذريع للعناوين التي رفعتها تركيا في سوريا وفي العراق وفي المنطقة العربية عموماً.
3 ـ لم يتعلم المسؤولون الأتراك من سقوط منطقهم الفكري في المنطقة. لقد لعب الأتراك كثيرا على الوتر المذهبي والاتني والجهوي، سواء في الداخل ضد العلويين أو في سوريا والعراق. ومن منطلق أن داود اوغلو هو رئيس لحكومة تركيا والعراق فله الحق في أن يقرر من يحرر تكريت والرمادي والموصل. في أن يقول إن أهل الموصل هم من يحررونها، في منطق يغرز أسافين جهوية بين المكونات العراقية ويعزز النزعة التفتيتية بينهم. إن التمييز بين العراقيين على أساس عرقي أو مذهبي أو ديني أو حتى مدني (من مدينة) هو أمر مرفوض من كل العراقيين، خصوصاً إذا أتى من الخارج. والمسؤولية هنا تقع على عاتق الحكومة العراقية القائمة، التي لم تكن على مستوى التحديات وتحسس الشعور الوطني وعدم وقوفها موقفا حازما تجاه التدخلات التركية بالشأن العراقي الداخلي.
4 ـ إنه أمر فعلا مثير للتقزز أن يستمر هذا العزف على الوتر المذهبي من جانب مسؤولي دولة يفترض أن تكون علمانية. إن اعتماد المذهبية معياراً في السياسة الخارجية التركية أمر يتناقض مع معيار العلمانية الذي اعتمدته تركيا في سياستها الخارجية في العقود الماضية. وأن يواصل المسؤولون الأتراك التمييز بين العراقيين، وغير العراقيين، على أساس مذهبي يراد منه المزيد من الانقسام بين مكونات المجتمع العراقي، وهذا هو الذي لا يساهم في تعزيز الاستقرار في العراق. إن رفض داود اوغلو مشاركة «الحشد الشعبي» العراقي من منطلق انه شيعي، لا يهدف سوى إلى استمرار احتلال «داعش» للموصل واحتلاله لكل المناطق التي سيطر عليها بعد حزيران 2014، بل إسقاط بغداد. والوثائق التي ستظهر لاحقاً، وتلك التي وردت في لجنة التحقيق الرسمية بسقوط الموصل، تعكس الدور البارز والأساسي للفئات المتواطئة مع تركيا في إسقاط الموصل، وفي مقدمها محافظ الموصل أثيل النجيفي اللاجئ إلى تركيا.
5 ـ ويمعن الخطاب التركي في تضليل الرأي العام في أن أنقرة تريد فعلا تحرير الموصل من «داعش». ولو افترضنا أنها تريد ذلك، فمن الذي دعا تركيا للقدوم إلى بعشيقة لإقامة معسكر هناك؟ أليس التمركز هناك اعتداءً على السيادة العراقية؟ وهل هناك من يصدق أن أنقرة تريد المساهمة بتحرير الموصل عبر بضع دبابات؟ ولو كانت جادة في محاربة «داعش» فلماذا لم ترحب بتحرير تدمر؟ ولماذا لا يتحرك الآخرون بجدية لتحرير الموصل؟ ولماذا لم ترسل قوات إلى هناك إلا بعد ظهور الحالة الكيانية الكردية في سوريا، وخوفها من فتح خط الإمداد الكردي من قنديل إلى شمال سوريا؟ أين هي الموصل من كل هذه التحركات؟
6 ـ والمفارقة أن داود اوغلو يمد خط الاهتمام التركي إلى السليمانية. من الواضح انه يريد خلق ساحة اشتباك سياسي ونفسي جديدة من جهة مع الطرف الكردي، غير المنسجم مع أنقرة، أي «الاتحاد الوطني الكردستاني» الذي ينتمي إليه الرئيس العراقي فؤاد معصوم ومن جهة ثانية مع إيران القريبة من السليمانية. مع ذلك فإن أنقرة المتراجعة في ساحات أخرى، والمنشغلة بالداخل التركي بحربها مع «حزب العمال الكردستاني» وبالتفجيرات التي تضرب اقتصادها وسياحتها، لن تكون قادرة على التعويض في ساحات أخرى، ولا يدخل مثل هذا الكلام سوى في خانة التهويمات التي أتقنها قادة الحزب، والتي لم يبق منها شيء بعدما سقطت في زواريب حلب والقاهرة والآن في بعشيقة.
7 ـ إن تصريح داود اوغلو حول أسباب تأسيس معسكر بعشيقة يكذب ما كانت أنقرة قد قالته عند وصول القوة التركية إلى بعشيقة، من أنه يهدف إلى محاربة «داعش». اليوم توسع تركيا الأهداف بربط ذلك بالحالة الكردية وبالوضع الممتد من اللاذقية إلى السليمانية.
في خلاصة القول، إن حكام أنقرة لم يتعلموا الدروس السابقة ولم يعتبروا من أخطائهم. ولكن من خلال المتابعة والمراقبة والمقارنة فإنه كلما وسعت أنقرة ومدّت خطوط اهتمامها، كلما كان يقابل المزيد من استمرار الانحدار في الخط البياني للسياسات التركية في المنطقة. وبدلاً من أن تنشغل أنقرة بخطوط أوهام جديدة يفترض بها أن تبرر كيف كان يدير عبد الحميد أبا عود من خط هاتف تركي من على الحدود السورية هجمات باريس وبروكسل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.