فشل… بمرسوم جمهوري

Lebanon-Grand-Serail

موقع إنباء الإخباري ـ
حسن ديب:
كثر هم المتفائلون بصبغة الحل التي صُبِغت بها الأيام الأخيرة من مرحلة ولادة الحكومة اللبنانية التي باتت على وشك أن تُبصر النور بعد ما آلت اليه المشاورات السياسية بين الأقطاب المتنازعين على شكل الحكومة وبيانها الوزاري.
وكثر هم أيضاً الذين صفقوا فرحاً لهذا التوافق الذي أطلق عليه إسم التوافق الوطني الذي أدى إلى الإتفاق ـ ولو بالمبدأ ـ على تشكيل حكومة عتيدة تحت تسمية حكومة الوحدة الوطنية، وهو ظاهر حقيقي للشكل الدستوري الذي تم الإتفاق عليه، ولكن الظاهر شيء، والباطن شيء آخر.
هو اتفاق وحدة، أجل، ولا نريد هنا أن نعكر فرحة اللبنانيين الذين ملّوا الانتظار والترقب ومتابعة ما يجري على خط التوتر السياسي الذي ما عرف لبنان مثله في أي مرحلة سابقة، ولكن لا بد لنا  أن نحترم الحقيقة ونحترم مصداقيتنا في التحليل السياسي الذي لا هدف لنا منه إلا شرح حقيقة الموقف بكل تجرد وكل استقلالية في الرأي بعيداً عن انتمائنا السياسي وتوجهنا المقاوم.
واحتراماً لهذه الحقيقة يتوجب علينا الدخول إلى باطن التوافق المزمع والخوض في حيثياته لعلّنا نضع الإصبع على الجرح من خلال النقد الذاتي المترافق لنقدنا للطرف الأخر. ففي باطن الأمور يدرك كل متابع للواقع السياسي اللبناني الأليم أن هذا الإتفاق لا يتعدى كونه اتفاق وحدة سياسية تسعى لتشكيل حكومة تقارب سياسي بإمتياز، بحيث تحفظ لكل فريق سياسي حقه في عرقلة أي قرار سياسي أو مشروع وزاري لا يتوافق مع نظرته السياسية ورزنامة عمله على أرض الواقع، وهذا الأمر هو حق مشروع لكل فريق سياسي في أي مكان في العالم، ولكنه حق لا بد وأن ترافقه مصلحة المواطن الذي يشكل الأساس الوحيد للمجتمع الأتم ، وهذا ما نفتقده في لبنان.
نعم ، نحن في لبنان نفتقد إلى الربط بين المصلحة العامة والبرنامج السياسي الذي تقوم عليه التشكيلات السياسة عادة، والدليل على ذلك أن جميع الأحزاب السياسية في لبنان تعتمد في تسميتها الوزارية للحزبي المقترح توزيره على عوامل سياسية بحتة، كمنصبه الحزبي وكودرته الحزبية وحضوره السياسي أو الإعلامي، مبتعدة كل البعد عن اختيار الوزراء على مبدأ الإختصاص، وكأن هذه الأحزاب لا تملك في صفوفها كوادر حزبية من ذوي الإختصاصات التي تؤهلهم لتبوؤ مناصب سياسية ادارية تنفيذية هي المعيار في مدى القدرة على نجاح الوزير أو فشله. فمن هنا نرى وبوضوح أن هذه الأحزاب المتناحرة في ما بينها ، فإن تناحرها هو خصام سياسي بحت لا يمت إلا المصلحة العامة بصلة، ونستثني هنا وللأمانة التاريخية مواقف حزب الله الذي لطالما تنازل عن حقوقه بهدف الوصول الى نقطة تلاقي، بالإضافة الى الموقف التاريخي المشرف لدولة الرئيس بري عندما تنازل عن مقعد وزاري لصالح الوزير فيصل كرامي وهي سابقة لا تتكرر.
ان هذا الموضوع المتعلق بالتوزير الحزبي من خارج أصحاب الإختصاص، هو نقطة مهمة المعني بها في الدرجة الأولى القواعد الحزبية لهذه الأحزاب، والتي ينبغي لها أن تدرك بأن الإبتعاد عن اختيار الوزراء الحزبيين على أساس الإختصاص هو نتيجة لسببين إثنين: الأول وهو انعدام عنصر التأطير والكودرة داخل المؤسسات الحزبية، والثاني هو اعتماد الأحزاب على إقصاء أصحاب الإختصاص خوفاً من التطور الحزبي الذي سيؤدي يوماً ما الى وصول هؤلاء الى حقهم بالمطالبة بمناصب قيادية حزبية، وهذا ما قد يتعارض مع التركيبة السياسية للأحزاب. وبإختلاف السببين فإن النتيجة واحدة وهي إقصاء النخب عن ممارسة دورهم الطبيعي مما سيؤدي إلى بداية النهاية لهذه الأحزاب.
أما المعني الأخر في هذا الموضوع هو رئيس الجمهورية (والمقصود هنا المقام وليس الشخص فالمسألة ترافقت مع كل من توالى على كرسي الرئاسة) الذي ومن المفترض عليه كرئيس للبلاد والحامي الأول للدولة والمواطن والراعي لمصالح الوطن، أن لا يوقع على مرسوم تشكيل الحكومة إلا بما يضمن مصلحة الوطن والمواطن، وأن يفرض على الأحزاب إختيار وزرائها بالربط بين الحقيبة الوزارية والاختصاص، وذلك بهدف الوصول إلى تقديم حالة نهضوية سياسية تكفل قيام نهضة إقتصادية إنمائية لا تقل أهمية عن النهضة السياسية.
ولكن للأسف فهذا أمر لم يحصل ولن يحصل، والسبب بسيط وهو أن جميع الساسة في لبنان هم طرف في النزاع السياسي القائم، وأن انعدام العقلية النهضوية أدى بنا للوصول إلى ما نحن عليه.
هو لبنان، هكذا ولد، من رحم سايكس بيكو، ليكون واحة نزاع سياسي طائفي مناطقي بغيض، فلا تركيبته السياسية كانت يوماً معبّرة عن طموحات وآمال المجتمع الأتم، ولا كانت برامجه السياسية مؤهلة لتعليق الآمال عليها.
فهنيئاً لساسة الوطن على توافقهم السياسي..
وهنيئاً للمواطن اللبناني على مرحلة جديدة لن تؤدي إنمائياً واقتصادياً إلا إلى المزيد من الفشل. وكما في كل تشكيل حكومي جديد فنحن على موعد مع الفشل، ولكنه فشل بطعم رسمي، فهو فشل… بمرسوم جمهوري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.