فلسطين والقدس والآقصى … الى أين ؟

mohamadabousamra1

بقلم د . محمد أبو سمره
مؤرخ وخبير استراتيجي
رئيس  الحركة الاسلامية الوطنية في فلسطين
و مركز القدس للدراسات والاعلام والنشر ( القدس نيوز )
غزة ـ فلسطين:

تواصل دولة الكيان الغاصب تهويد الأرض الفلسطينية المحتلة ، و بناء المستوطنات، ومصادرة أرضي الفلسطينيين ، وهدم منازلهم بشكل لم يسبق له مثل ، غير مهتمة ولامبالية بالاحتجاجات والتنديدات الكلامية العربية والدولية لترسم من خلال هجمتها الاستيطانية التوسعية حدود كيانها العنصري النهائية ، واضعة الفلسطينيين ، ومعهم العرب والمسلمين ، والمجتمع الدولي أمام (حدود الأمر الواقع)، وتواصل دولة الاحتلال عملية تهويد القدس بسرعة كبيرة ، وتسعى لتغيير تركيبتها الديمغرافية ، وطمس تاريخها وهويتها الاسلامية / العربية / الفلسطينية لتسقط نهائياً الحلم والأمل أن يكون شطرها الشرقي عاصمة لدولة فلسطينية ( مازالت بعيدة المنال !!)  ، ولتفرض هذا الواقع الصعب والخطير على مائدة المفاوضات التي لا يعرف أحدا متى وكيف ستنتهي ؟ ، وماذا ستحقق للفلسطينيين ؟!
وبناء على التجربة المريرة للمفاوضات على مدى عشرين عاما ، فهي لن تكون ـ للأسف ـ سوى مفاوضات لأجل المفاوضات !.
وتنفذ دولة الإحتلال العنصري هجمتها الاستيطانية الواسعة / الشاملة ، وهي مرتاحة إلى وضعها، فليس هناك أية ضغوط سياسية أو عسكرية عربية أو إسلامية أو دولية تتعرض لها، ولا توجد أية تهديدات حقيقية لأمنها ، ومن المؤسف أن مكانة القضية الفلسطينية تراجعت لدى الشارعين العربي والاسلامي ، وكذلك على المستوى الإقليمي والعالمي لعدة أسباب من اهمها :
1ــ انشغال الشعوب العربية بأوضاعها الداخلية ، وماترتب على ذلك من استنزاف وإنهاك منهجي للجسد العربي ، وتفكيك الكيانات العربية .
2ــ انهماك المجتمع الدولي بمصير الثورات العربية ، أو المواجهات المسلحة ، والفتن المتنقلة التي تشهدها المنطقة العربية ، والاستنزاف المستمر للكيانية السياسية والجغرافية العربية .
3 ــ إن هذا الإنشغال العربي والإسلامي عن فلسطين وقضيتها المركزية ، يعتبر أفضل الظروف للدولة العبرية لتمارس سياستها التوسعية الإستيطانية العنصرية ، التي تجعل مخططها القديم / الجديد بتوطين اللاجئين الفلسطينيين في المنافي ومخيمات الشتات حيث هم أمراً واقعاً، لأنها ستجعل عودتهم شبه مستحيلة بعد اكتمال بناء المستوطنات ، وتسقط بالتالي (حق العودة ) من جدول أعمال أي مفاوضات مستقبلية ، وكذلك لا تعود القدس موضوع جدل وخلاف يعطلان المفاوضات لأن تهويدها يكون قد اكتمل.
وكما هو معروف فقد احتلت الدولة العبرية الجزء الأكبر من ارض فلسطين التاريخية عام 1948 واغتصبت الجزء الباقي منها عام 1967، لكن الكفاح والنضال الفلسطيني المسلح والشامل ، والانتفاضات الشعبية المتتالية دفعها ، وكذلك دفع المجتمع الدولي للضغط عليها من أجل التفاوض مع م .ت . ف حول الانسحاب من الأرض الفلسطينية  التي احتلتها عام 1967 .
ونتيجة لمجموعة معقدة ومتشابكة من الظروف الذاتية والموضوعية تراجع في السنوات الأخيرة الكفاح والمقاومة الفلسطينية المسلحة الى حد كبير جدا ، وأحد أهم أسباب تراجعه هو الإنقسام الفلسطينيي المؤسف ، والمستمر منذ صيف عام 2007 وحتى اللحظة خريف 2013، الأمر الذي أدى منذ حدوثه الى قيام حكومتين فلسطينييتين الأولى في الضفة الغربية المحتلة تابعة لحركة فتح وم . ت . ف ، والأخرى في قطاع غزة تابعة لحركة حماس ….
وأمام هذا الواقع المأساوي للقدس المحتلة ، والضفة الغربية المحتلة واستمرار عملية تهويدهما بسرعة قصوى وشاملة ، يبرز السؤال الأهم امام كل فلسطيني حر ، وعربي ومسلم ، وأمام الضمير الانساني والعالمي :

ــ  لماذا لايحرك المصير المستقبلي الأسود للقدس المحتلة ، ولأصحابها الأصليين وسكانها التاريخيين أبناء الشعب الفلسطيني المظلوم ، وعمليات طردهم منها التي تتم بوسائل مختلفة، وماتسعى دولة الاحتلال الصهيوني  من فرضه كأمر واقع، والذي يتناقض مع كل القرارات الدولية ، الأمة العربية والإسلامية كلها دعما لقضيتها العادلة ، ولماذا لايستطيع الفلسطينيون والعرب والمسلمون القيام بعمل جاد ومؤثر وحاسم لوقف عمليات ابتلاع القدس؟؟؟
ـــ و لماذا يصمت العرب والمسلمون الى حد الموت عما يحدث للقدس والضفة الغربية ولقطاع غزة وبقية أرض فلسطين التاريخية أيضا ؟؟؟
ومن المؤسف انه في الوقت الذي يدفع فيه يهود وصهاينة العالم مليارات الدولارات  لبناء (الهيكل المزعوم) ولتهويد القدس والضفة الغربية ، ولحصار غزة ، فإن العرب والمسلمين لا يدفعون شيئاً يذكر للحفاظ على المسجد الأقصى المبارك ، وعلى كافة المقدسات الاسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة ، وفي ظل ميزان القوى الظالم القائم حاليا وإذا ما استمر، فلن تعطي الدولة العبرية الفلسطينيين والعرب والمسلمين في المستقبل القريب أكثر من حق الصلاة في القدس والمسجد الآقصى المبارك ــ هذا إن أعطتهم ــ ؟؟!!…
ولن تسمح دولة الاحتلال العنصري أن تكون للفلسطينيين  أية سيادة على القدس بالتفاوض ،لأن التفاوض لا يعني للدولة العبرية الا تكريس التهويد والإستيطان ، والتغيير الديمغرافي ، والأمر الواقع .
وتراهن الدولة العبرية ـــ واهمة ـــ  على أن الفلسطينيين سيتكيّفون مع الأمر الواقع الذي تفرضه عليهم يومياً”،  وقد أقر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق وأحد كبار المفاوضين الفلسطينيين ، وأحد مهندسي اتفاقية أوسلو ، ومهندس اتفاقية باريس الاقتصادية أحمد قريع (أبوعلاء)  بــ : (عدم فائدة المفاوضات) ، ووصف العقلية الفلسطينية بـ: ( التجريبية ) ، واعتبر الحديث عن حل الدولتين بـ : (رياضة فكرية ) … ودعى إلى : ( إشراك أطراف عربية ودولية في أهم الملفات كالقدس واللاجئين والأمن ) ، مؤكداً : ( أهمية ابقاء  حل الدولة الواحدة خياراً حياً… )
وكشف الوزير اللبناني الأسبق ميشال إده ( وهو مختص في الشئون الاسرائيلية واليهودية ، وفي الصراع العربي / الاسرائيلي ، ومن كبار المناصرين والمؤيدين اللبنانيين والعرب للمقاومة الفلسطينية واللبنانية ) عن مخاطر تهويد القدس قائلا:  ( إن التهويد يتغذى ويستقوي بغياب الدور العربي، بل التخلي العربي الرسمي”، وأن المفاوضات كانت “مجرد أداة بيد اسرائيل انتهزتها لتزرع أرجاء الضفة والقدس بمئات المستوطنات، واعتصام العرب بالصمت أصبح سلاحاً مسنوناً في يد نتنياهو لتسديد الضربة القاضية إلى الشعب الفلسطيني وقضيته والى القدس والمسجد الاقصى والسلام في المنطقة).
وهذا الوضع العربي البائس تنبأ به المفكرالعربي الكبير الراحل قسطنطين زريق، في حوار معه عام 1994، قال فيه:  ( نحن أمة متخلّفة، ولا بد من ثورة على الذات، وان الصراع العربي – الصهيوني لن ينتهي لأنه بين حقين وحقيقتين وأمتين مختلفتين، وأن محادثات للتسوية مغامرة ورفضها مغامرة ) .
ويبقى السؤال الأهم والأكبرالمطروح ولا جواب فلسطينياً وعربياً عنه حتى الآن هو:
ــ هل من سبيل لاستعادة الحقوق والأراضي الفلسطينية والعربية المسلوبة بغير القوة والكفاح ، وخصوصا أنه لا أمل يرجى من المفاوضات التي ستؤول الى الفشل حتما ؟
ـ وبالطبع  القوة والكفاح يحتاجان إلى قرار فلسطيني وعربي وإسلامي موحد ، وتوضع لتنفيذه استراتيجية وخطط مدروسة ومشتركة، ولكن هل بات ممكنا التوصل الى مثل هذه الاستراتيجية والخطط المشتركة التي قد تجعل الكيان الصهيوني يعيد حساباته ، ويتراجع عن استكباره وعدوانيته وغطرسته ، والسياسة التوسعية الإستيطانية الاقصائية ؟؟ ومن أهم العوامل التي ستساعد على تطوير الكفاح الفلسطيني بكافة أشكاله انهاء الخلافات بين جميع القيادات والفصائل والقوى الفلسطينية ، وانهاء حالة الانقسام المؤسفة ، وتحقيق المصالحة، وتكريس الوحدة الوطنية الفلسطينية ،  خصوصا مع تنامي المؤشرات التي تكشف عن قرب تفجر وولادة الانتفاضة الفلسطينية الثالثة ، والتي يأمل الفلسطينيون أن تكون ( انتفاضة الاستقلال الفلسطيني ) .
ــ أم ان علينا الرهان بأن المفاوضات هي العمل والسبيل الوحيد المتاح والممكن في ظل الظروف والمعطيات الحالية على المستوى الفلسطيني والعربي والاقليمي والاسلامي والدولي ؟؟
ورغم  موافقة الدولة العبرية التفاوض حول الحدود ، ولكنها لا ولن توافق  ولن تفاوض على الانسحاب إلا لتكسب ارضا جديدة ، بحيث يصبح التفاوض عليها سبباً جديداً لتأجيج الخلافات ، وإستنزاف المفاوض الفلسطيني ، بدلا من  ان يكون سبيلاً الى الحل، وتسعى الدولة الصهيونية للاستفادة من  الخلافات التي ستطرأ أثناء المفاوضات لتسرق وتغتصب وتصادر ولتقضم ما تبقى من الارض الفلسطينية ، وبناء المزيد والمزيد من المستوطنات ، ومقابل ذلك فإنه من المحزن والمؤسف أن  الصواريخ التي يملكها العرب والمسلمون يوجهونها ــ بكل اسف ــ ضد بعضهم بعضا ، بدل ان توجه إلى الدولة العنصرية التي تدنس مقدساتهم ، وتغتصب أراضيهم ، وتصادر حقوقهم ، وتحيل حياة الفلسطينيين والعرب الى جحيم يومي ، وتستمر في التآمر على الأمة العربية والاسلامية والشعب الفلسطيني ، وهاهو المشهد السوري المحزن يطل علينا بكل تفاصيله المؤلمة والمؤسفة ،وكذلك الحال المشهد المصري ،  ومازال المشهد الليبي يطل علينا بكل تعقيداته القبلية ، والاستخدام العشوائي الهمجي للسلاح ،وكذك الحال في اليمن والعراق وافغانستان والصومال والسودان ثم مؤخرا السودان ومالي وكينيا ، وغيرها من البؤر الاسلامية والعربية المتفجرة والمعرضة للمؤامرات من الشرق والغرب ….
ـــ  وقد اثبتت صواريخ المقاومة الإسلامية اللبنانية في حرب تموز / يوليو 2006، وصواريخ المقاومة الفلسطينية الاسلامية والوطنية في حربي غزة ، وخاصة الحرب الأخيرة ( حرب الأيام الثمانية / او معركة حجارة السجيل ) أنها  من أهم عناصر حسم المعارك وتحقيق  ( توازن الرعب والخوف ) ، بل لقد فرضت المقاومة الفلسطينية في غزة بمقاومتها الباسلة المشرفة والنصر الذي حققته على العدو معادلة جديدة هامة في الصراع الطويل مع هذا العدو المجرم : ( تقصفون غزة ، فنقصف تل ابيب والقدس والعمق الصهيوني ، ونجعل أكثر من ثلاثة ملايين صهيوني يختبئون في الملاجئ )…
ــ اذن ماذا سيفعل المسلمون العرب والفلسطينيون حيال مخططات الكيان الصهيوني  وتهويده المستمر للأرض الفلسطينية والعربية المحتلة، واغتصابه لكافة حقوق الشعب الفلسطيني المظلوم ؟!
ــ هل حقا لايملك المسلمون والعرب والفلسطينيون أمام هذا الواقع الصعب والمعقد والمؤلم سوى الصمت ؟؟؟؟؟!!!!

ألا لعنة الله على الصمت والتخاذل والتردد والخنوع …..

ولكن الفلسطينيين بيدهم أهم ورقة سوف تجعل حسابات اعداءهم تضطرب وتختل ، ألا وهي ورقة المصالحة الفلسطينية ، وان يطبقوا المثل الذي يقول : ( ماحك جلدك مثل ظفرك ) ، وأن يرددوا  في هذه المرحلة الصعبة مع شاعرهم الفذ الراحل الكبير محمود درويش شطر بيت من قصيدته المشهورة التي كتبها أثناء حصار العدو وحلفائه من القوى اللبنانية الانعزالية للعاصمة اللبنانية بيروت وللقيادة والثورة والمقاومة الفلسطينية صيف 1982 ومؤرخا فيها لكل المذابح التي عاشتها وتعرضت لها الثورة الفلسطينية واللاجئين الفلسطينيين في لبنان ، خصوصا مجزرة مخيم تل الزعتر  و1982  قصيدة :

( أحمد العربي ) ….

….. آه ياوحدي !!!!!! آه ياوحدي …..!!!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.