قصة التآمر على الغاز… والبلد

lebanon-gaz

صحيفة الأخبار اللبنانية ـ
جان عزيز
احتدم السجال في البلد حول عقد جلسة استثنائية للحكومة المستقيلة، لإقرار مراسيم الغاز والنفط. الكل يقول إنه جاهز للأمر، فيما الخطوة لا تزال مستأخرة. كأن قطبة مخفية ـــ أو مرئية ـــ تتحكم في أيدي الجميع وتخيط أفواههم. جهات حكومية مطلعة تكشف المستور: إنها مؤامرة لانهيار الدولة اللبنانية، وقائعها من مصرف لبنان إلى المالية والاتصالات… والغاز في أساسها
ليست المسألة قصة إصدار مرسومين ضروريين لإطلاق عملية التنقيب عن ثروة لبنان النفطية. إنها قضية استهداف كل لبنان، بغية تحقيق أمر من اثنين: إما السيطرة على البلد، بكيانه وناسه وأرضه وبحره وما تحت البحر، وإما تدمير الدولة ودفع البلد إلى الانهيار… هكذا ترى جهات سياسية حكومية حقيقة ما يحصل اليوم، وهكذا تروي وقائعه الكاملة:
بدأت ملامح المخطط تظهر منذ آذار الماضي، حين تأكد الجميع أن وزارة الطاقة تتجه نحو إنجاز كبير، تمثل في إبداء كبريات شركات النفط العالمية، رغبتها في المشاركة في المناقصة اللبنانية. حتى إن البعض يعتقد أن استقالة حكومة نجيب ميقاتي في 22 آذار الماضي، لم تكن مجرد مصادفة في ذلك التوقيت. فإلى جانب أسباب الاستقالة «الريفية» والانتخابية، يبدو أن الأسباب النفطية كانت حاضرة أيضاً لدى من دفع إليها ونسج خيوطها الميقاتية و«الوسطية».
غير أن وزارة الطاقة ذهبت أبعد في التحدي. فأعلنت في 18 نيسان الماضي، اللائحة النهائية للشركات المتأهلة للمشاركة في مناقصات التنقيب والاستخراج، التي تضمنت 46 شركة نفطية عالمية. ومرة جديدة لم تكن مصادفة أن تشمل تلك اللائحة أكبر سبع شركات نفطية في العالم، من الولايات المتحدة وروسيا والصين وغيرها من الدول الصناعية الكبرى، وأن تخلو اللائحة نفسها من أي شركة خليجية كبيرة أو صغيرة. ما عدا شركة واحدة مسجلة في دولة خليجية صغيرة، ومملوكة من غير الخليجيين. علماً أن رسالة واضحة كانت قد وصلت إلى المعنيين قبل ذلك الإعلان بأسبوعين. ففي «لحظة العسل» الجنبلاطي ـــ البندري اليتيمة، بادر زعيم قصر المختارة إلى الإدلاء بحديث موسع إلى جريدة «الأخبار» بالذات (منشور في عدد 28 آذار الماضي). تناول الحديث كل شيء، لكن مضمونه الجوهري كان كلمتين كتبتا على وريقة صغيرة وضعها وليد جنبلاط أمامه: لا لجبران باسيل في وزارة الطاقة!
واستمر الصراع والمواجهة، حتى تحولا حرباً مفتوحة. في 29 نيسان جاء ممثلو الشركات إلى بيروت وشاركوا في عملية إطلاق التراخيص. فازداد غيظ الجهات الخليجية وعدوانيتها. حُددت روزنامة نهائية لتحويل لبنان بلداً نفطياً: في 2 أيلول تنجز المراسيم الباقية، اي تقسيم البلوكات وإقرار صيغة العقد. في كانون الثاني 2014 تنتهي دراسة الملفات. في آذار 2014 يصير توقيع المناقصات حقيقة، فتنطلق المسيرة – الحلم. جُن جنون البعض، وصدرت الأوامر بالعرقلة بأي ثمن ممكن: ممنوع على لبنان دخول نادي البلدان المنتجة للنفط، وممنوع أكثر على جبران باسيل، بشخصه والجهة السياسية التي يمثل، وبالفريق اللبناني الكياني الذي يحمل هويته، ممنوع على الثلاثة أن يقتربوا حتى من تحقيق هذا الإنجاز.
تفتح الجهات السياسية هنا هلالين لتشرح أكثر: قد تكون خلف هذا الموقف أغراض كثيرة، بعضها أكبر من لبنان، وبعضها الآخر أصغر منه. فعلى الصعيد الإقليمي، يبدو أن هناك قراراً لدى بعض الخليجيين، بمنع لبنان من التحول بلداً نفطياً، في سياق الصراع على سوريا أيضاً، كما على كل الحوض الشرقي للمتوسط. إذ قد يكون لدى هؤلاء اقتناع بأن نجاح لبنان في إطلاق عملية استخراج غازه ونفطه، قد يساهم في تكوين اقتناع غربي عموماً وأميركي خصوصاً، بضرورة الإسراع في حل الأزمة السورية، وإيصالها إلى خواتيمها عبر خيار الحوار والتسوية السلمية، بما يؤمن لأوروبا ولأميركا ازدهار الحوض الغازي الممتد على طول شرقي المتوسط، فضلاً عن تأثير ذلك على كامل التموضع السياسي لدول الغرب وواشنطن تحديداً، لجهة تحالفاتها وعلاقاتها في المنطقة. وهذا ما يجعل البعض الخليجي نفسه، يعتبر أن هذا الاتجاه يشكل تناقضاً مطلقاً مع مصالحه النفطية والاقتصادية والسياسية والجيواستراتيجية، وحتى الدينية المذهبية ربما. وبالتالي إن ضرب المساعي اللبنانية في هذا الاتجاه، بات مصلحة أولوية لهذا البعض الخليجي، على المستوى الإقليمي.
ثم قد تكون خلف هذه النيات العدائية، أغراض وحسابات مرتبطة بنظرة هذا البعض الخليجي إلى الداخل اللبناني، وخصوصاً لجهة تركيبة جماعاته وحسابات تغليب جهة على أخرى، وتحكيم فئة دون أخرى بمقدرات البلاد وأرجحية الحكم والسلطة فيه. فمنذ عام 1992، تمكن هذا البعض الخليجي، من إقصاء المسيحيين تدريجاً من مفاصل البلد كافة. هُمشوا ديموغرافياً، وحوصروا جغرافياً، وضُربوا اقتصادياً، وعُزلوا إقليمياً ودولياً، حتى باتوا بلا دور داخلي ولا خارجي، بما يمهد ليصيروا بلا وجود. فجأة أطل ملف النفط والغاز. وصار في أيدي فريق سياسي، هو في الوقت نفسه الممثل الشرعي والأكبر للمسيحيين. وفجأة، نجح هذا الفريق في إدارة هذا الملف… فأثار كيدهم والأحقاد. لم يحتملوا أن يأتي وزير الخارجية البريطانية إلى بيروت، فيزور مسؤولي المؤسسات الدستورية، ووزير الطاقة. ولا أن يأتي فريدريك هوف بحل اسرائيلي للمنطقة الخالصة المتنازع عليها، وأن ينسفه جبران باسيل لمصلحة لبنان. ولا أن يذهب الأخير إلى واشنطن، فتبادر الإدارة الأميركية إلى طلب لقائه. ولا أن يتحدث دبلوماسيون غربيون في بيروت، عن «معجزة» وضع لبنان على مسار الدول المنتجة للنفط والغاز… كل ذلك فاقم العدوان والعداء: ممنوع النفط، وممنوع جبران باسيل…
لكن بين الأكبر من لبنان وصراع الإقليم، والأصغر منه وصراع تغليب فئة سياسية لبنانية على كل لبنان، يبقى أن لبنان كله هو المستهدف بالعرقلة النفطية. إذ ماذا يعني أن توقّع مناقصات التنقيب في آذار المقبل؟ يعني ذلك آلاف فرص العمل فوراً، وصولاً إلى أضعافها في زمن قريب. ويعني تحسين تصنيف لبنان الائتماني الدولي، وبالتالي تخفيف عبء خدمة الدين. هذه الخدمة التي باتت تأكل 40 بالمئة من موازنة الدولة اللبنانية، والتي رُكبت طوال عقدين من أجل إخضاع البلد واستتباعه. وهذا يعني علاقات دولية للبنان، خارج إطار التسول والشحادة والبهدلة، وكل ذلك قبل استخراج الغاز حتى، وقبل وصول عائداته إلى الصندوق السيادي، الذي كان ممنوعاً على لبنان إنشاؤه، لو لم يفرضه فريق وزير الطاقة فرضاً…
ثم يأتي كل ذلك، وسط تراجع الحرب في سوريا، وانطلاق معالم التسوية هناك. وهو ما يبدو أنه فاقم العدائية ضد لبنان، وسعّر لدى البعض الخليجي نفسه، هدف انهيار الدولة اللبنانية، في أسرع وقت. العرقلة النفطية، حلقة في سلسلة طويلة لا تنتهي أمثلتها، تقول الجهات السياسية نفسها: من تسليح الجهات التكفيرية وتصديرها إلى لبنان وتمويلها، إلى تشجيع النزوح السوري في اتجاه هذا البلد الصغير، إلى الحرب السياحية التي شُنت على بيروت طوال العام الماضي، إلى التهويل بطرد اللبنانيين من بعض البلدان الخليجية… وصولاً إلى خطوات أكثر وضوحاً وسفوراً، تهدف إلى انهيار الدولة فوراً. كيف؟ تكتفي الجهات السياسية نفسها بمثلين حيين: قبل أسبوعين، ونظراً إلى الأوضاع الحكومية المعطلة والاقتصادية الراكدة والمالية الصعبة، كانت الدولة اللبنانية بحاجة إلى سيولة. فطُلب من مصرف لبنان القيام بإجراءات قانونية معينة لتأمينها. تجاوبت إدارة المصرف المركزي مع الطلب، فاندلعت ضدها حرب شعواء من قبل فريق فؤاد السنيورة، بلغت حد إيصال رسائل تهويلية، تتناول ماضي المسؤول عن هذا الموقع، ومستقبله! قبل ذلك بأسبوعين، احتاجت وزارة المالية إلى سيولة مماثلة. فتمنت على وزارة الاتصالات تسريع إجراءات تحول بعض المبالغ المستوفاة. لبّت وزارة الأخيرة وحولت مبلغ 145 مليون دولار فوراً. لم يصل المبلغ. راجعت المالية، فأكدت الاتصالات تحويله. ليكتشف الطرفان لاحقاً أن جهة تابعة للسنيورة نفسه، داخل وزارة الاتصالات، عمدت إلى عرقلة عملية التحويل أكثر من شهر كامل!
مركبة ومتشعبة جداً مؤامرتهم على البلد. حتى باتت تستهدف انهيار الدولة فعلياً. وأسوأ ما فيها، أن مسؤولين كباراً يجارونها، إما عن خوف أو عن جهل أو عن مصلحة، إلا إذا كذّب سليمان وبري وميقاتي ذلك في الأيام المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.