لا إحراج ولا إخراج.. في زمن التحرّف للقتال

syria-tank

الميادين. نت ـ
حسن شقير*:

لعل الكيان الصهيوني كان من أوائل من بشّر “بسيناريو الإستنزاف لسوريا”، ويكفي التذكير بأن حاييم أسا، المستشار الاستراتيجي لرئيس الوزراء الصهيوني الأسبق، يتسحاق رابين، كان قد كتب في صحيفة معاريف، بتاريخ 09-12-2011، مقالة ً بعنوان “ها هي التوقّعات في الشرق الأوسط”، ليردّ فيها ما حرفّيته “سوريا ستدخل على الأرجح في أزمة مركّبة.. لا أحد يعرف طبيعة النهاية ولا موعدها”.
في نهاية العام ٢٠١١، افترضتُ – ضمن دراسة أعدَدتّها – بأن الأزمة في سوريا يمكن لها أن تسير ضمن ثلاثة مسارات أساسية، ولكل مسارٍ تسلكه أو تُسيّر إليه هذه الأزمة، له تداعيات استراتيجية على هذه الدولة نفسها وعلى المنطقة برمّتها، سواء بجغرافيتها أو حتى بمكوّناتها السياسية..
تراوحت هذه السيناريوهات بين إجتياز الدولة السورية وخروجها من هذه الأزمة بشكل يحافظ على سوريا – الدولة، بموقعها وتموضعها السياسي ما قبل العام ٢٠١١، وثانيها كان يفترض سقوط هذه الأخيرة وتغيير وجهها بشكل جذري، أما ثالثها فكان يتمثّل بما تقبع فيه سوريا حالياً، ألا وهو الإستنزاف وما لهذا السيناريو من أخطار، لا زلنا نعيش آلامها حتى اللحظة.

لقد خلصت إلى توصية مفادها، بأن هذا السنياريو الثالث لهو أشدّ خطراً من سابقيه، نظراً لما له من تداعيات كبرى ستصيب شظاياه سوريا والمنطقة برمّتها، وعلى كافة الصعد، الأمر الذي سيجعل – وفي حال عدم السرعة في مواجهته – كلا ًمن الكيان الصهيوني ومعه أميركا بأنهما قد يرفعان نخب انتصارهما علينا، ولكن بأيدينا هذه المرّة.

لعل الكيان الصهيوني كان من أوائل من بشّر “بسيناريو الإستنزاف لسوريا”، ويكفي التذكير بأن حاييم أسا، المستشار الاستراتيجي لرئيس الوزراء الصهيوني الأسبق، يتسحاق رابين، كان قد كتب في صحيفة معاريف، بتاريخ 09-12-2011، مقالة ً بعنوان “ها هي التوقّعات في الشرق الأوسط”، ليردّ فيها ما حرفّيته “سوريا ستدخل على الأرجح في أزمة مركّبة.. لا أحد يعرف طبيعة النهاية ولا موعدها”.
عنق الزجاجة

كلمتان في عبارة حاييم أسا الأخيرة، هما مربط الفرس في تلك الأزمة برمّتها “طبيعة النهاية “، وهذه الطبيعة هي التي تؤرّق الكيان الصهيوني على الدوام..
لقد أصبح معلوماً لدى الجميع بأن هذا الأخير يرفض رفضاً قاطعاً عودة سوريا إلى ما كانت عليه، لا بل إنه يجزم بتفتيتها، وأن سياسيه وعسكرييه ينتحبون عند كل منازلةٍ كبيرة تُخاض ضدّ الإرهاب فيها، فلقد أعلنوها صراحةً “لا يريدون رؤية داعش وأخواتها مهزومة في سوريا” وخصوصاً على أيدي الجيش السوري والقوى الحليفة معه.. وأكثر من ذلك فإنهم ما فتئووا يرفعون – لكل من يبحث معهم في تصوّرهم للحل فيها – شعارهم الدائم، وبخطيه الأحمرين: “ممنوع انتقال السلاح الكاسر للتوازن إلى حزب الله، وممنوع تواجد هذا الأخير ومعه الحرس الثوري الإيراني بالقرب من الجبهة الشمالية، وخصوصاً في منطقة الجولان”.
بكلام ٍ آخر وقد عبّر عنه أكثر من مسؤول وباحث صهيوني، إنهما: مسارات السلاح بين جغرافيات محور الممانعة والأذرع المقاوِمة على الحدود…وبالتالي “لن يسمح بأية تسوية فيها، لا تُراعي الأمن القومي من خلالها”.
لقد أصبح واضحاً للعيان بأن سوريا المقاوِمة ممنوعة صهيونياً و أميركياً، وسوريا المسالمة ممنوعة إيرانياً، وسوريا المُقسّمة ممنوعة روسياً، أما سوريا المُفدرلة، فهي مرفوضة وغير مقبولة سورياً، وحتى أن هذا النظام السياسي الفدرالي الغربي، غير ممكن التطبيق شرقاً، ولأسباب يعرفها الجميع.
مشروع أميركا، وأسئلةٌ مفصلية
إذاً، وللخروج من عنق الزجاجة هذا، وجدت أميركا ضالّتها – وخصوصاً في ظل القرار المُبرَم لمحور الممانعة وروسيا، بضرورة الخروج من مربع الاستنزاف المديد -، بطرحها مشروعاً جديداً لسوريا – تعتقد أنه مراعياً لجميع الأفرقاء فيها – متمثلا ً بوراثة جغرافية للأراضي التي يسيطر عليها الإرهابيون (النصرة وداعش حصراً)، وبشكل متّفق عليه مع روسيا، وذلك لصالح حلفائهما على الأرض، وبإقامة نظام هدنة مستدام في الجغرافيات الموروثة والمُهادنة أصلا ً، مع نظام مساعدات متواصل للمناطق كافة متوّجاً بنظام إدارات محلية تحكم بعضاً من الجغرافيا السورية، وذلك كله في ظل السعي للعودة إلى التفاوض السياسي وفق مسار جنيف أو حتى غيره. … ( راجع جريدة السفير بتاريخ 15-06-2016، مقالة لنغَم أسعد، بعنوان : “معهد راند “، خطة سلام لسوريا، خيارات شاقّة للفدرالية واللامركزية )
أسئلة برسم قارئها: هل توجد علاقة لهذا المشروع ال أميركي لسوريا بالكيان الصهيوني ومتطلّبات الأمن القومي لديه؟ وهل يُلبّي هذا المشروع تطلّعات الكيان بعدم تخطيه الخطين الأحمرين فيها؟ وهل تطوّرات الميدان في سوريا، وانتشار “جيش سوريا الجديد” في معبر التنف على الحدود مع العراق، ومن ثم محاولة تمدّده نحو مدينة البوكمال في أقصى شرق سوريا وعلى الحدود مع مدينة القائم العراقية، له علاقة أيضاً بأحد هذين الخطين الصهيونيين الأحمرين (مسارات السلاح)؟ وهل يبتعد إدخال الجنوب السوري في نظام الهدنة هناك عن الحفاظ على الخط الأحمر الثاني (الأذرع المقاوِمة) على تخوم الجولان؟ وعليه فهل أن هذه الأذرع “ستُسلّم بذلك “؟ الإجابات أعتقد بأنها واضحة.
ولكن، وبما أن المقاومة وإيران ليسا اللاعبان الوحيدان في سوريا، وبالتالي فماذا عن روسيا وتوافقها الأخير مع أميركا حول ضرب الجماعات الإرهابية؟ فهل يُعقل بأن أميركا قد غفلت عن مصالح الكيان الصهيوني في هذا التوافق المكتوم؟ الإجابة طبعاً لا.

ولكن، بالمقابل أيضاً فإن روسيا، لا تستطيع، ولا حتى تريد – وبداعي المصالح – تخطّي تطلّعات حلفائها الميدانيين ضدّ الإرهاب في سوريا، فضلا ً عن “تقزيم” استراتيجياتهم الكبرى في المنطقة..وهذا ما يكرّره لاڤروف على مسامع جون كيري في أغلب اللقاءات بينهما، إذاً، هي حلقةٌ مُفرغة.

استراتيجيات البدائل
إنها – باعتقادي – استراتيجيات البدائل والتي يمكن لها بألاّ تُحرج روسيا من جهة ولا تُخرٍج حلفاءها من جهة أخرى.
في مقالة نشرتها في صحيفة “الأخبار” اللبنانية بتاريخ 12-11-2015، والتي كانت تحت عنوان “ما بعد وراثة الإرهاب..سوريا إلى أين؟” بأن المرحلة التي ستلي الوراثة الجغرافية للإرهابيين فيها، ستكون سمتها “التحرّف للقتال ولدى الجميع فيها” وقد خلُصت إلى أن المتحرّفين فيها سيضعون نصب أعينهم استراتيجيات، تُحدد المدى الزمني لها، وبالتالي فإن إيران والمقاومة – المعنيين الرئيسيين بخطي نتنياهو الأحمرين – لن يعملا على إحراج روسيا من جهة، ولن يقبلا بإخراج نفسيهما من المعادلة من جهة أخرى .فكيف سيكون ذلك؟
في هذه المرحلة سيتم على الأغلب تظهير استراتيجيات البدائل، وذلك من خلال: “يُتم المقاومة، وذلك لضرب الخط الأحمر الأول، واستبدال المسارات عبر البناء الذاتي المنظور، وذلك لضرب الخط الأحمر الثاني، وذلك في عملية “تحديث” لـ “التحدي الثاني” لعاموس يادلين حول التعاون بين أطراف محور الممانعة والمقاومة والتي أوردها ضمن ندوة نظّمها مركز دراسات الأمن القومي – جامعة تل أبيب، بتاريخ 15-12-2009، تحت عنوان “التحدّيات الإستراتيجية في القرن الواحد والعشرين”.
وبناءً عليه، فإن استراتيجيات البدائل هذه ربما ستكون الرافعة للمبدأ الذي عنونت فيه هذه العُجالة: لا إحراجٌ ولا إخراج، في زمن التحرّف للقتال.
ملاحظة: مرّت ساعاتٌ وساعات على كتابة هذه السطور، وما زال لغز الجهة المسيّرة للطائرة من دون طيّار، والتي اخترقت أجواء الكيان الصهيوني وأنظمته الدفاعية المتطوّرة جداً…ما زال مجهولا ً، وسيبقى على الأرجح يحمل بصمة الطائرة اليتيمة.
*باحث وكاتب سياسي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.