من القرنة السوداء إلى لاسا والعاقورة.. من ينفخ في بوق الترسيم الفيدرالي؟

وكالة أنباء آسيا-

زينة أرزوني:

مع تشييع الضحيتين هيثم ومالك طوق الى مثواهما الاخير، يطوي لبنان فصلاً من فصول الفتنة السنية- المسيحية التي كادت تُشعل البلاد نتيجة للخطابات التحريضية التي إنتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبيانات الاحزاب فور شياع الخبر، صوبت فيها الاتهامات الى اهالي الضنية.

 

فمع كل حادث أمني يُسارع المصطادين في المياه العكرة الى تأجيج الخلافات وإطلاق الاتهامات شمالاً ويميناً خدمة لأهداف سياسية، وللتصويب على فريق معين.

ليست القرنة السوداء المنطقة الوحيدة التي تحاول جهات معروفة اجنداتها تحريك الخلافات العقارية لصب الزيت السياسي على نار التحريض الطائفي للوصول الى الترسيم الفيدرالي الذي يُعمل عليه منذ اندلاع الحرب الاهلية في سبعينيات القرن الماضي، مستغلين الصراع على الهوية والوجود لزيادة المخاطر الامنية، فمنذ فترة، إنفجرت أزمة أراضي لاسا والعاقورة وبدأ الحديث كعها عن ضرورة الترسيم الجغرافي والتقسيم.

 

حتى اللحظة لا رواية رسمية لما حصل على أرض القرنة السوداء، تعددت الروايات فمن من وضع فرضية ان هيثم طوق أصيب برصاصة قناص من مسافة 800 متر، غير أن الأجهزة الأمنية استبعدت هذه الفرضية، لافتة الى أن طبيبين شرعيين كشفا على الجثة، وأكدا أن طوق أصيب برصاصة اخترقت كتفه من الخلف وكسرت أضلاعه قبل أن تخرج من الجهة الأخرى، ما ينفي نظرية القنص عن بعد، ومن الروايات ايضا ان هناك طابور خامس استغل الخلافات العقائرية والمناوشات المستمرة بين اهالي بشري والضنية ليُشعل نار الفتنة في المنطقة.

 

وثمة من تحدّث عن اصطدام الجيش بمجموعة من الشبّان البشرّاويّين من طالبي الثأر إثر معرفتهم بمقتل هيثم طوق، بعدما وجّه إليهم نداءات متكرّرة للانسحاب، وأدّى إلى حصول اشتباك قُتل خلاله الشابّ مالك طوق، فيما هناك رواية أخرى تشير إلى أنّ مالك طوق سَقط بعد محاولته تجاوز نقطة عسكرية للمغاوير في المنطقة وعدم امتثاله للأوامر العسكرية بالتراجع.

 

اللافت ان قيادة الجيش كان قد أصدرت بتاريخ 12 حزيران الماضي بياناً أشارت فيه إلى “قيام وحدات من الجيش حتى 11 تشرين الثاني المقبل بتنفيذ تمارين ومناورات تدريبية بالذخيرة الحيّة في منطقة التدريب العسكرية في القرنة السوداء”، محذِّرة “المواطنين من الاقتراب من منطقة التدريب العسكرية حفاظاً على سلامتهم، وتفادياً لعرقلة تدريبات وحدات الجيش تحت طائلة المسؤولية”.

 

لم يأتِ إصدار الجيش لهذا البيان ضمن سياق روتينيّ بل على خلفيّة تكرار حالات الاشتباك والتوتّر، إضافة إلى اعتداء عدّة أشخاص من بشرّي في 4 حزيران على راعٍ من بلدة بقاعصفرين-الضنّية كان يسوق قطيعه في جرود البلدة، وقتلهم عدداً من رؤوس الغنم والماعز بعد إطلاق الرصاص عليها من أسلحة حربية كانت بحوزتهم.

 

وبإنتظار نتائج التحقيقات الرسمية الجيش مطالب بالكشف عما حصل ميدانياً بعدما تم وضعه مجدداً في بوز مدفع درء الفتنة الطائفية، ولوضع النطاق على الحروف، خصوصاً بعدما بدأ الناعقين في أبواق الفتنة خدمة للعدو الاسرائيلي يلمحون الى ان الحزب يقف وراء الحادثة، عبر تغريدات أطلقوها على “تويتر” تقول ان “رصاص الغدر الذي قتل سابقاً الشيخ احمد الرفاعي في عكار، يطال هذه المرة أبناء بشري في القرنة السوداء، فعاليات ونواب من “سرايا” الشمال يعرفون القتلة بالأسماء وعليهم تسليمهم للقضاء فوراً، وأي تغطية لأي مشارك في الجريمة تعني اشتراك مباشر بالجريمة”.

 

ولكن ما هي القصة الكاملة لصراع القرنة السوداء؟

 

تاريخ الإشكالات الدمويّة بين منطقتَي بقاعصفرين وبشري تمتدّ إلى أكثر من 30 عاماً، وخلّفت في أكثر من مرة قتلى وجرحى بسبب الخلاف على ملكية القرنة السوداء، فقبل سنوات بدأ الصراع حول بركة مياه لريّ المزروعات في جرود بقاعصفرين الضنية، ما لبث ان حول النزاع بين بشرّي والضنية إلى بركة عالمية.

 

في الاصل هي بركة مياه اصطناعية، تُريد بلدية بقاعصفرين (قضاء الضنية) إنشاءها في القرنة السوداء، والأعمال يُنفذها “المشروع الأخضر” (التابع لوزارة الزراعة) في موقع على “تلّة سمارة”، النقطة المُتنازع عليها عقارياً بين بشرّي والضنية.

 

في 22 آب عام 2019، أُعطي المتعهد إذن المباشرة بالأعمال، ما أدّى إلى إعادة تفجّر الخلاف بين بلدتَي بقاعصفرين وبشرّي. فالأولى ترى أنّ المشروع سيُسهم، في حال إنجازه، بإنهاء معاناة أكثر من ألفي شخص، في جرد النجاص في جرود بقاعصفرين حيث يعتاشون من قطاع الزراعة. في حين أنّ الاعتراض في بشرّي قائم على أنّ إنشاء البركة مُخالف للقوانين، أولاً لأنّها تقع ضمن النطاق العقاري لقضاء بشرّي، وثانياً لأنّ أعمال الحفر تتمّ على علو 2650 متراً في الجهة المقابلة.

 

الخلافات على جرّ المياه بين القضاءين قديمة، حيث تجرّ بقاعصفرين المياه من القرنة السوداء، لتعويض النقص لديها، لان المنطقة تخلو كلّياً من الينابيع، واعتمد القاطنون فيها صيفاً على مدّ أنابيب بلاستيكية باتجاه “القرنة”، وتخزين مياه “كومات” الثلوج في برك ترابية صغيرة، مُغلفة من الداخل بالنايلون، استُخدمت لرّي المزروعات.

 

كان يفصل في الاشتباكات الثنائية السابقة، مديرية المخابرات في الجيش اللبناني – الشمال، وآخر اتفاق قضى بإبقاء مدّ أربعة نباريش مياه من ثلاجات القرنة السوداء، من أصل عشرة، بشكل مؤقت إلى حين انتهاء المواسم الزراعية الصيفية، والانتهاء من العمل في بركة العطارة في جرد بقاعصفرين.

 

اليوم ولتفادي هذه الاشكالات، إقترح مجلس الامن الفرعي في الشمال خلال اجتماع طارئ عقده محافظ لبنان الشمال القاضي رمزي نهرا، في مكتبه في سرايا طرابلس، احالة اقتراح قانون الى رئاسة مجلس الوزراء يقضي بانشاء محمية طبيعية في منطقة القرنة السوداء ومحيطها المتنازع عليها بعد تحديد مكانها من قبل القاضي العقاري المختص، بمعاونة مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني وتحديد الانتفاع بالري من قبل الوزارات المختصة أو تشكيل لجنة لإدارة الري.

 

والطلب من وزارة الطاقة والمياه انشاء برك للمياه في المناطق غير المتنازع عليها من الجهتين.

 

كما طلب من وزارة العدل الاسراع بالبت في النزاع القضائي حول ملكية الأراضي، اضافة الى الاحالة الى رئاسة مجلس الوزراء اقتراح لاعتبار منطقة القرنة السوداء ومحيطها منطقة تدريب عسكرية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.