من يخون بلاده وشعبه؟

american-spy

صحيفة الوطن العمانية ـ
كاظم الموسوي:
طرحت مؤسسات في الإدارة الأميركية قضية إدوارد سنودن (29 عامًا)، خبير المعلوماتية السابق في وكالة الأمن القومي الأميركي، الذي كشف عن برنامج “بريزم Prisom” الأميركي لمراقبة الاتصالات على الإنترنت، وجمع المعلومات من شتى أنحاء العالم، كقضية خيانة وطنية، زادت عليها أصوات من الكونجرس الأميركي، وطالبت بالقبض على “الخائن” ومحاكمته، متناسية دورها وممارساتها أو مغلبة الأمر كعادتها بأحكام التهم الموجهة للخبير وإنكار خدمته لها، أو متغافلة عنها لأسباب أخرى. في الوقت نفسه تحول هذا الشاب الأميركي إلى بطل في أعين المدافعين عن الشفافية وحقوق الإنسان والحريات الفردية في العالم بما قام به وكشفه عن عمل وكالة الأمن القومي الأميركي بمراقبة مستخدمين للإنترنت إضافة إلى اتصالات هاتفية في العالم. كما طرحت قضيته أسئلة أخرى إضافية عن سياسات الإدارة الأميركية الداخلية والخارجية ومصداقيتها في علاقاتها والثقة بها وحقوق الإنسان وغيرها من القضايا الأخرى التي لا يمكن التغافل عنها أخلاقيا وقانونيا. من بينها ما يدور في المجتمع الأميركي بشأن مدى احترام السلطات الأميركية لحق المواطنين في الحفاظ على سرية معلوماتهم الشخصية.
دافع سنودن، الذي كان خلال عمله في وكالة الأمن القومي يتمتع بإمكانية الاطلاع على البرامج السرية، عن قيامه بنشر بعض هذه المعلومات، قائلا إنه لم يكشف عن أي شيء حول العمليات الأميركية ضد ما وصفه بـ”أهداف عسكرية مشروعة”، بل كشفت تسريباته عن قيام وكالة الأمن القومي باختراق البنية التحتية المدنية مثل الجامعات ومؤسسات القطاع الخاص. واتهم سنودن الوكالة بأنها تقوم بعمليات تمس ملايين الناس الأبرياء، ولا تحترم حق المواطنين في الحفاظ على سرية معلوماتهم الشخصية.
التحرك الأميركي الرسمي ضد سنودن، وتوجيه تهمة الخيانة إليه تكشف مدى ما أصاب الإدارة من تأثير من تعرية هذه الفضيحة الجديدة التي تضيف إلى الفضائح الأخرى والفظائع أدلة أخرى ومحاكمات أخلاقية وقانونية أيضا.
حسب آراء نشرتها وسائل الإعلام الأميركية تدعي بأن الرأي العام الأميركي يعلق أهمية أكبر على التحقيق في أي تهديدات إرهابية ممكنة أكثر منه على حماية الخصوصية الفردية. ولكن بعد أن وصل عدد الموقعين على طلب الإعفاء عن سنودن إلى مئة ألف، أعلن البيت الأبيض أن الخطوات التالية لن تعلن للجمهور في الوقت الحاضر، حتى يتخذ البيت الأبيض الإجراءات الروتينية لمثل هذه الحالات. بينما قالت مصادر إخبارية أميركية إنها تستبعد كثيرا أن يعفو الرئيس الأميركي عن الشاب، خصوصا في هذا الجو السياسي المشحون، لا سيما وأن نسبة الديمقراطيين الذين ينتقدون سنودن أكثر من نسبة الجمهوريين الذين يتحفظون باستمرار على مثل هذا الموضوع، ويحتجون على التلصص على “أسرارهم الشخصية”!
كتب جون كاسيدي، صحافي أميركي بريطاني في مجلة “نيويوركر” عن سنودن: “إنه بطل. قدم خدمة عظيمة بكشف أكبر شبكة تجسس في التاريخ، تغطي الولايات المتحدة والعالم. ربما هو مذنب لأنه خرق اتفاقية وقع عليها بعدم كشف أسرار عمله. لكن هذا لا يجعله خائنا”.
وكتب دانيال السبيرغ، خبير الأمن المخضرم الذي كان كشف وثائق البنتاجون عن حرب فيتنام سنة 1971 “لا يوجد، في كل تاريخ وطننا، كشف لأسرار حكومية بمثل ما فعل سنودن. هذه فرصة لإفشال مخطط يمكن أن يشبه انقلابا عسكريا ضد دستورنا”. لكن، جفري توبين، وهو صحافي في مجلة “نيويوركر” نفسها، كتب: “ليس سنودن إلا مجنونا بعظمته، ومحبا لنفسه، وليس له مكان غير وراء القضبان”. بينما سجلت فاليري بليم، العاملة في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) سابقا، والتي فقدت وظيفتها كما حصل مع زوجها، آخر سفير أميركي لدى العراق قبل الغزو الأميركي، والذي انتقد خطة بوش لغزو العراق: ” ليس سنودن بطلا، وليس خائنا. إنه أميركي تعمد فتح نقاش حول دور أجهزة التجسس في المجتمع، وما هي حدود التجسس”. وأضافت: “نحن ـ المواطنين الأميركيين ـ يجب أن نثني على سنودن.. ويجب أن نشكره. لقد أثار نقاشا كان لا بد أن يثار. ليس أول من يفعل ذلك. لكنه أول من يفعل ذلك مع زيادة وتوسع تكنولوجيا التجسس، ومع زيادة وتوسع الاتصالات بين الناس، داخل أميركا وخارجها، في عصر الإنترنت والفضائيات”!
من جهته ذكر سنودن بملاحظة الرئيس أوباما عن الموضوع في قوله (لن يحصل المرء على أمان 100%، ويحصل ايضًا على خصوصية فردية 100% أيضًا وعلى صفر في موضوعات الازعاج والمضايقات). قائلا: إن إدارة أوباما لم تمنح المجتمع فرصة لمناقشة الأمر، وأضاف سنودن، عبارة بنجامين فرانكلين: (أولئك الذين يضحون بالحرية من أجل الأمان، لن يحصلوا ولن يستحقوا، أيًّا منهما).
أوروبيا، كشفت سويسرا أنها طلبت من أميركا توضيح ما تردد من تجسس (سي آي إيه) على بنوكها بعد المعلومات التي كشف عنها سنودن، الذي كان يحمل صفة الملحق الدبلوماسي في البعثة الأميركية الدائمة للأمم المتحدة في جنيف من مارس 2007 حتى فبراير 2009. وصرحت وزارة الخارجية السويسرية بأنها أرسلت رسالة دبلوماسية إلى السفارة الأميركية في برن تطلب فيها “توضيحات”.
وكتبت وزيرة الخارجية الإسبانية السابقة آنا بالاسيو: “القبول بأن التجسس، هو واقعيًا، جزء من مجموعة أدوات الولايات المتحدة، نحن الأوروبيين نتوقع أن يجري ذلك بشكل مسؤول. في الواقع، طرحت أوروبا أسئلة جدية حول ممارسات المخابرات الأميركية. المفارقة المريرة، وفي هذه اللحظة المشؤومة المفاجئة، أن أوروبا والولايات المتحدة بصدد إطلاق مشروعهما المشترك والأكثر أهمية منذ إنشاء منظمة حلف شمال الأطلسي، وهو اتفاق للتجارة الحرة عبر المحيط الأطلسي. من أجل نجاح ذلك، هل من المبالغ فيه حقًّا أن نطلب من أميركا أن تلعب دورها على الصعيد الدولي بمهارة واحتراف، وأن تعامل شركاءها باحترام أكثر؟”
يبقى سؤال رئيس: من يخون بلاده وشعبه؟ هل هو الشاب الجريء الذي فضح جريمة أم مرتكب الجريمة والمدافعون عنها؟!

كاتب وصحفي عربي ـ لندن

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.