14 آذار تتخبط في زمن التحولات

14march-leaders

وكالة أخبار الشرق الجديد ـ
غالب قنديل:

تتجاذب قوى 14 آذار حالة من الارتباك والعجز عن فهم التحولات الإقليمية والدولية الجارية من بوابة الضغوط الأميركية التي أرغمت حليفها السعودي على رفع الفيتو عن تشكيل حكومة وحدة وطنية وتتضارب الآراء المطروحة في تقويم طبيعة المناخ الجديد وتأثيراته السياسية في لبنان والإقليم .

أولا    أرغمت الضغوط الأميركية المملكة السعودية على سحب الفيتو الذي عطل تشكيل حكومة جديدة وعطلت بذلك السيناريو التفجيري الكبير الذي كان ينطلق من تكوين حكومة الأمر الواقع بالتزامن مع جلسات المحكمة الدولية وحملة التفجيرات البندرية.

الضغوط الأميركية انطلقت من حساب توازن القوى الذي لخصته تحذيرات السفير الأميركي ديفيد هيل لكبار المسؤولين وهو ما حملته الرسائل الأميركية العاجلة إلى الرياض وفحواها جميعا ان الإمعان في خطة التفجير والتحدي سيقود إلى ما نسب للسفير الأميركي هيل إيجازه بعبارة : وضع حزب الله وسوريا أيديهما كليا على لبنان وهذه العبارة نفسها سبق ان استعملتها الدبلوماسية الأميركية عندما اعترضت طريق مغامرة 14 آذار برفع شعار إسقاط حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في يوم ما عرف بغزوة السراي الحكومي الشهيرة التي قادها الرئيس فؤاد السنيورة يعاونه الإعلامي نديم قطيش بعد تأبين اللواء وسام الحسن في وسط بيروت وقد سارعت السفارة الأميركية لدعوة سفراء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن للقاء في قصر بعبدا واستصدار بيان مشترك يدعم استمرار حكومة ميقاتي والاستقرار اللبناني .

ثانيا  تروج بعض اوساط 14 آذار قراءة مقلوبة للتوازنات الجديدة في المنطقة مفادها ان إيران قدمت تنازلات كبرى في ملفها النووي وهي في طريقها للتخلي عن حزب الله في لبنان وعن الرئيس بشار الأسد في سوريا وأقل ما يوصف به مثل هذا الاستنتاج بالوهم الخالص الذي تنقضه الوقائع الصارخة في التصريحات والمواقف العلينة الإيرانية وكذلك في مضمون المتداول عن الموقف الإيراني في الكواليس الدبلوماسية .

فالقيادة الإيرانية لم تقدم أي تنازل جوهري في اتفاق جنيف النووي الذي جاء مطابقا للشروط السيادية الإيرانية لجهة حق التخصيب ومكان تخزين اليورانيوم المخصب على الأرض الإيرانية والخضوع لمعاهدة الحد من السلاح النووي ورقابة الوكالة الدولية هو التزام إيراني سابق للتفاوض وللاتفاق وليس جديدا لكن الجديد هو التسليم الأميركي بحق التخصيب ضمن الإطار الذي تشترطه إيران والتراجع الأميركي عن جانب مهم من العقوبات الاقتصادية وهو مسار تراجعي سوف يتعزز ويتواصل مع تقدم المفاوضات الثنائية والدولية مع إيران بينما تجد القراءة الإيرانية العميقة للتطورات ان الاعتراف بإيران كقوة عظمى لم يكن ليتحقق لولا منظومة المقاومة التي ضاعفت مفاعيل الصمود الإيراني في وجه الضغوط وبالتالي فقدرات حزب الله وصمود الرئيس الأسد والدولة السورية في وجه الحرب الكونية شكلا عنصرا حاسما في تمكين إيران من إنجازها الثمين هي أشد تمسكا بهذين الحليفين.

ثالثا  أربكت موافقة حزب الله على مبادرة الرئيس بري والنائب جنبلاط بخصوص الصيغة الحكومية قوى 14 آذار وهي عطلت مخطط التفجير الكبير الذي رسمه بندر لكن الأهم هو ان تلك المبادرة حركت المداخلة الأميركية الزاجرة التي أرغمت قوى 14 آذار والمشغل السعودي على التراجع عن خطة التفجير وبهذا المعنى اخرجت المبادرة لبنان من خطر فتنة داهمة ومن تصادم دموي محتوم وفوضى شاملة كانت حصيلتها ستأتي بقوة التوازنات بالتغيير الذي حذر منه ديفيد هيل .

تتلهى بعض اوساط 14 آذار بالكلام عن تنازلات حزب الله في موضوع الحكومة لترسم صورة انتصار افتراضي بينما يعتبر متطرفو 14 آذار قبول المشاركة في حكومة مع حزب الله بعد كل ما قيل من شروط أقلها الخروج من سوريا يعد هزيمة كاملة لهذا الفريق وهو ما ليس بعيدا عن الحقيقة وهؤلاء ما زالوا عالقين في تمنياتهم المبنية على مخطط التفجير الذي ذهب به البعض إلى حد استجلاب حرب إسرائيلية تعقب التفجير اللبناني من غير التفات إلى حالة العجز الأميركية والإسرائيلية عن القيام بمغامرات عسكرية جديدة أو إلى مغزى التراجع الأميركي عن قرار ضرب سوريا وما بعده من اعتراف بسقوط الهيمنة الأميركية الأحادية في العالم.

من الواضح تماما في الحصيلة ان مبادرة بري – جنبلاط خلطت الأوراق وقد ضاعف من تأثيرها تجاوب حزب الله الذي قدم مصلحة البلاد في منع التفجير على رؤيته الحكومية الخاصة لجهة معادلة الشراكة المقبولة تعبيرا عن الأوزان الشعبية والنيابية وهذا التنازل قدم لحساب السلم الأهلي ولمنع التصادم العنيف بين القوى المتصارعة وهو في أي منطق عقلي طبيعي أمر يستحق الثناء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.