هل بدأ تحرير سوريا من الاحتلال الأمريكي؟

موقع الخنادق-

زينب عقيل:

بعدما انتصرت سوريا وحلفاؤها في الحرب وتمّ تقويض داعش، جاء قرار ترامب بالانسحاب، لأنه لم يجد هدفًا واضحًا في سوريا، خاصة أن الأمريكيين كانوا يعلقون وجود قواتهم على شماعة خطر داعش. يمكن ملاحظة أن أهداف الولايات المتحدة في وجود قواتها قد بدأت تتشكل في الفترة الأخيرة بعد قرار ترامب بشكل أوضح، عندما بدأت مراكز الفكر التابعة للوبيات بإصدار الدراسات والمقالات التي تروّج لتداعيات قرار ترامب على السياسة الخارجية الأمريكية، عندها بدأت الأهداف تظهر على ألسنة الديبلوماسيين وأصحاب القرار كما لم يتم التعبير عنها من قبل، ويمكن تلخيصها بثلاث:

تقليص النفوذ الروسي: “مهمتي أن أجعل سوريا مستنقعًا لروسيا”، يقول المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا جيفري جايمس لمعهد هادسون. وكانت اللجنة الفرعية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الكونغرس قد استمعت إلى تقرير لمجموعة دراسات سوريا، أوصت فيه بعدم خروج القوات الأمريكية كي لا تحلّ محلها القوات الروسية.
قطع الطريق بين طهران ودمشق لدعم الكيان المؤقت: إذ تسيطر القوات الأمريكية على موقع في التنف، وهي منطقة في جنوب شرق سوريا تقع في موقع استراتيجي على طول الطريق السريع بين دمشق وبغداد عند تقاطع حدود البلاد مع الأردن والعراق، والتي يمكن أن تكون بمثابة جسر بري محتمل لإيران من شأنه أن يهدد الكيان الإسرائيلي.
تقويض سيادة سوريا وحضور النظام والسلطة في المناطق الانفصالية التي ترعاها القوات الأمريكية وتحميها.
سوريا بين الروس والأمريكيين

تعريف الانتصار بالنسبة للروس هو أن يستعيد النظام السوري السيطرة على كامل أراضيه، وفي المرحلة الثانية تستقرّ البلاد، ويزدهر الاقتصاد ثالثًا. هذه المراحل الثلاثة يحتاجها الروس لتقديم صورة نموذجية للسياسة الخارجية الروسية في مقابل أوضاع الدول ذات النفوذ الأمريكي. كما أن الاستقرار في سوريا، سيؤمن القواعد العسكرية الروسية على البحر المتوسط. وهو الأمر الذي لن تقبل به الولايات المتحدة، فدعمت الأتراك في حربهم ضد الجيش السوري لاستعادة إدلب في نهاية 2019، وتراجعت عن قرار الانسحاب الكامل لتبقى في المناطق الاستراتيجية في التنف، ثم سيطرت على آبار النفط في الشمال الشرقي لتحرم النظام من الموارد التي يمكن أن تساعده في عملية عودة الحياة. وقد أفسدت الإدارة الأمريكية خطط روسيا في التوفيق بين الكرد والقبائل العربية والنظام، لإيجاد حل وسط مقابل أن يستعيد النظام السوري سيطرته وسيادته على كامل الأراضي التي يسيطر عليها الكرد. وقوّضت عملية عودة الحياة الاقتصادية إلى الوضع الطبيعي من خلال قانون قيصر، ثمّ وضعت فيتو على حلفائها ورهنت إعادة إعمار البلاد برضوخ سوريا للإملاءات الأمريكية.

واللافت أن العمليات الأمريكية في سوريا كانت تُجرى من خارج الحدود السورية، لكن منذ عام 2015، وهو العام الذي دخلت فيه القوات الروسية إلى سوريا، أرسلت الولايات المتحدة قوات برية لتدريب المجموعات الكردية المعروفة باسم قوات سوريا الديموقراطية.

فصائل المقاومة تهدد القوات الأمريكية بأسلحة أكثر تطورًا

صعّدت إدارة ترامب الأعمال العدائية تجاه الجيش السوري وحلفائه في إطار سعيها لمواجهة حركات المقاومة المدعومة من إيران في سوريا كجزء من “الضغط الأقصى” على طهران. واستخدمت سياسة العلم الزائف لضرب قاعدة الشعيرات الجوية، بحجة استخدام النظام للأسلحة الكيماوية، أدى ذلك إلى ازدياد عمليات المقاومة ضدّ القوات الأمريكية، ومواجهات شاركت فيها الطائرات الروسية.

وبعد هزيمة داعش أعلن ريكس تيلرسون أن “الولايات المتحدة ستواصل القتال في سوريا حتى بعد هزيمة داعش لضمان عدم استعادة الأسد ولا إيران للمناطق المحررة حديثًا. وكثفت بعدها العمليات ضد حركات المقاومة المدعومة من إيران، وكانت هذه العمليات هي هدف رئيسي لمستشار الأمن القومي آنذاك جون بولتون.

عمليات المقاومة ضد القوات الأمريكية في قاعدة التنف لم تتوقف في عهد بايدن، الذي كان قد أمر بضرب البنى التحتية لفصائل المقاومة المتواجدة في سوريا، إذ بدأت تهدد الولايات المتحدة بأسلحة أكثر تطورًا، بما في ذلك الطائرات المسلحة بدون طيار. صرحت القوات الأمريكية بأنها استهدفت بعض المواقع الأمريكية الأكثر حساسية دون أن تلتقطها أنظمة الدفاع.

ويمكن إحصاء حوالي 35 عملية لفصائل المقاومة جرت خلال السنة الماضية أي بين عامي 2021 و2022. استهدفت القوات الأمريكية وحلفاءها وقواعدها في حقول النفط في دير الزور، وريف الحسكة وريف حمص، بالإضافة إلى التنف.

جدال في أمريكا حول قانونية احتلال الأراضي السورية

ولدى النقاش في أروقة القرار حول تكاليف الوجود الأمريكي في سوريا، يحصل جدال بقانونية العمليات العسكرية ضد الفصائل المدعومة من إيران، هل هي دفاع عن النفس وفق القانون المحلي أم أنها تتبع القانون الدولي في المادة الرابعة من مشروع المواد حول مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا؟ وهي العقيدة التي اعتمدها بايدن لتبرير احتلال الأراضي السورية، ضمن نظرية “غير قادر أو غير راغب”، أي الدول غير القادرة وغير الراغبة في مواجهة التهديد. إذ تشير التقارير على عدم استيفاء الوجود الأمريكي في سوريا لكلا القانونين. وغالبًا ما يتم تحريك هذه الورقة من قبل المعارضين لدى تعرّض القوات الأمريكية لعمليات فصائل المقاومة، والخسائر التي تنجم عنها.

العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وروسيا تقوي الفصائل

تحت عنوان: “استراتيجية خروج لسوريا”، نشرت فورين أفيرز مقالًا أوضحت فيه أنه مع انخفاض خطر داعش، فإن المخاطر ستنمو من العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وروسيا، التي عرّضت التنسيق بين الاثنين في سوريا للخطر، وأدت إلى أعمال عدائية من قبل القوات الروسية ضدّ الجماعات المدعومة من الولايات المتحدة، والتي تتمركز قرب القواعد العسكرية الأمريكية، كانت روسيا تحترمها وتعتبرها مناطق محظورة في السابق، كما أن تحويل روسيا لمواردها إلى الحرب في أوكرانيا، أدى إلى أن تملأ القوات المدعومة من إيران هذا الفراغ، ومع استمرار تعثر المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، من المرجح أن تستخدم إيران الفصائل في سوريا لممارسة ضغط إضافي.

وأخيرًا

في لقائه الأخير مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، دعا السيد علي خامنئي لـ “إخراج القوات الأمريكية من حقول النفط شرقي سوريا”، ومن خلال مراقبة العمليات ضدّ القوات العسكرية، يمكن ملاحظة تصاعد الوتيرة بمعدّل 3 عمليات في الشهر الواحد، تركزت على حقل العمر النفطي، وحقل كونيكو للغاز، وحقول نفط الجبسة شرقي سوريا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.