غزة : لا عودة لهيبة الردع الصهيونية

gaza-rocket3

وكالة أخبار الشرق الجديد ـ
غالب قنديل:

حملت يوميات القتال والصمود في قطاع غزة وتداعياتها الكبرى مؤشرات لمسار جديد في الصراع العربي الصهيوني أشدها دلالة وقوة وثباتا حقيقة خسارة إسرائيل لهيبة الردع التي شكلت محور تقرير فينوغراد الذي أعقب انتصار تموز اللبناني قبل ثماني سنوات.

أولا المأزق الصهيوني ذاته يتجدد امام المقاومة الفلسطينية وكثيرة هي وجوه التشابه بين ملحمة غزة وحرب تموز 2006 باعتراف العديد من الخبراء الصهاينة: العدو باشر حملته بالحرب الجوية التي اظهرت عماه الاستخباراتي وضياع بنك أهدافه في البيوت والحارات السكنية بينما استمر إطلاق الصواريخ إلى العمق الصهيوني ثم بعد ارتسام عجزه المتجدد عن الردع دخل حربه البرية فتفوق أبناء الأرض في معارك الالتحام وتهاوى القتلى والجرحى من ضباط وجنود نخبة صهيون وأسر المقاومون أحدهم وجميع المؤشرات والاعترافات تدل على ان القيادة السياسية والعسكرية الصهيونية تائهة في حلقة مفرغة من العجز والفشل بينما المجازر وأعمال الإبادة تزيد الأرض اشتعالا وتضاعف من الضجيج العالمي الشاجب للعدوان  والجديد هذه المرة ظهور بوادرنهوض الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة وفي الداخل السليب … في موازاة ذلك كله مفارقات في مبادرات واتصالات ومساع سياسية يديرها جون كيري بالتعاون مع حكومتي تركيا وقطر لإنقاذ إسرائيل من مأزقها ولي ذراع المقاومة بخفض سقف التفاوض عند حدود تفاهمات مرسي 2012 التي رفضتها فصائل المقاومة عندما سعت القيادة المصرية لتجديدها.

وحتى في تلك المفارقة التفاوضية شيء من الشبه مع تموز اللبناني فحكومة السنيورة سعت بإشراف كوندوليسا رايس وبدعم من حكومات حلف شرم الشيخ حتى اللحظة الأخيرة لتضمين قرار وقف النار آليات وشروطا مكرسة لمنع المقاومة من التواجد جنوبي الليطاني وفقا للشروط الأميركية الإسرائيلية  ولولا يقظة المقاومة وحيوية شعبها وزحفه وحزم الرئيسين إميل لحود و نبيه بري لتم تهريب قواعد اشتباك في انتشار اليونيفيل المعززة آنذاك لإملاء تلك الشروط .

ثانيا  الحقيقة التي برهنت عليها المقاومة الفلسطينية هي ان لاعودة لهيبة الردع الصهيونية وان صفحة من تاريخ الصراع العربي الصهيوني طويت إلى غير رجعة فالحرب على قطاع غزة المحاصر لا تقارن باحتمالات الحرب على لبنان او سورية او عليهما مجتمعين وطبعا لا مجال لمقارنتها بفرضية الحرب الشاملة التي تحدث عنها الخبراء كثيرا في السنوات الأخيرة ضمن سيناريو عسكري افتراضي يتضمن الاشتباك مع إيران وشركائها في محور المقاومة مجتمعين.

استغرقت إسرائيل ثماني سنوات استثمرت خلالها مليارات الدولارات وحققت نوعا من الاندماج الاستراتيجي مع القوات الأميركية في الشرق ومع أساطيلها في حوض المتوسط من خلال شراكات التخطيط وقيادة العمليات والمناورات المشتركة المتكررة والتخزين الاستراتيجي للأسلحة والذخائر الأكثر تطورا في العالم وعبر محطات إنذار مبكر ضد الصواريخ  مربوطة بمنظومة الأقمار الصناعية وقد وظفت خلال هذه السنوات استثمارات أميركية هائلة في تمويل مشروع القبة الحديدية.

شنت إسرائيل حربها بعدما توهمت فرصة سانحة لاسترجاع هيبة الردع واقتناص لحظة مواتية تتيحها الحرب على سورية وتداعياتها وبعد تحضيرات متعددة المستويات وشبكة معقدة من الاستعدادات العسكرية واللوجستية وفي اعقاب محاولات متكررة لاستخراج دروس الهزيمة امام حزب الله واحتواء أسباب الفشل في ربح حربين شنتهما إسرائيل ضد قطاع غزة وانتهتا إلى اتفاق التهدئة الشهير الذي تحاشى حكم الأخوان السعي لإلزام إسرائيل بفصوله الخاصة بفك الحصار بل أقام جدارا فولاذيا لقطع الأنفاق الفلسطينية وقد شهدت إسرائيل في حينه لحكم محمد مرسي بأنه شريك مثالي في مكافحة المقاومة وجهودها الهادفة لتعزيز قدراتها الدفاعية عبر طرق التهريب البرية والبحرية فإذا بأيام قليلة من القتال تكشف سلامة منظومة المقاومة وقدرتها على دعم فصائل المقاومة الفلسطينية ونجاحها في تعظيم إمكاناتها وخبراتها القتالية وهو دليل على أصالة التحولات التي فرضتها تلك المنظومة ( سورية وحزب الله وفصائل المقاومة الفلسطينية وإيران ) على مستوى المنطقة وثبات توازن القوى الذي فرضته وطورته منذ سنوات رغم الصدع الحماسي في سورية.

ثالثا  تفاعلات ملحمة غزة على امتداد فلسطين التاريخية شكلت قوة استنهاض نضالية تستكمل فصول هبة شعبية تمحورت قبل أشهر حول قضية الأسرى الفلسطينيين وظن المحتلون أنهم أخمدوها بحملات القمع والتنكيل وها هي غزة بصمود شعبها ومقاوميها تشعل فتيلها من جديد وتتلاحق التحركات الشعبية في الضفة الغربية المحتلة وفلسطين المحتلة عام 48 يعززها ارتفاع معنويات الفلسطينيين الذي تذكيه حالة الصمود الغزاوي وإنجازات المقاومين.

الحكومات المتحركة في فضاء الاتصالات الخاصة بوقف القتال تنقسم إلى محورين تحت العباءة الأميركية وبينما القيادة المصرية مرتبكة ومحكومة بخصومتها مع قيادة حماس وتختار الاتصال بقيادة الجهاد نيابة عن الفصائل وتنسق مع محمود عباس بناء على طلب سعودي وتمنيات اميركية فإن حكومتي الدوحة واسطنبول تتحركان مدفوعتين بتوجيه اميركي لإنقاذ إسرائيل من ورطتها والتأثير السعودي في القاهرة يخدم الغاية ذاتها بينما قيادة حماس محكومة بواقع الأرض وبحجم التضحيات الشعبية السخية وبمعنويات المقاومين والجمهور المرتفعة وبصلابة كتائب القسام وشراكتها مع سائر الفصائل الفلسطينية المقاومة التي تعززت في ظروف القتال ضد العدو حيث لا صوت يعلو على صوت المعركة.

التحدي المطروح على جميع قادة المقاومة الفلسطينية هو كيفية التصدي للضغوط السعودية القطرية التركية وبلورة تصور سياسي وميداني يحقق نقلة نوعية في شروط الصراع ويحصن إنجازات المقاومين وشعبهم ويعادل التضحيات الجزيلة التي يقدمونها معا ، فمسار التفاوض مسدود ووهم الدولتين ساقط وثمة في الأفق نهضة فلسطينية تلهمها فكرة التحرير والعودة وهزائم الحروب الصهيونية المتكررة تدل على قانون تاريخي جديد من يفهمه يمتلك القدرة على استثماره في مراكمة الانتصارات ومنع إجهاض إنجازات الميدان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.