“القرم”.. عَودةً لروسيا الأُم و مِثاله الحَضرني

 

 

موقع إنباء الإخباري ـ

الأكاديمي مروان سوداح*:

قبل أيام قليلة، شارك العالم الحر روسيا في إحياء الذكرى الخامسة لعودة القرم، أرضاً وشعباً، الى حضن الروسيا الوطن – الأم.  فمنذ سنوات خمس أعلن شعب القرم على رؤوس الأشهاد، وبقومياته وأعراقه المختلفة، توحّده مع وطنه التاريخي الروسيا، برغم عمليات العسف والجور واضطهاد السلطات الأُوكرانية له، ومحاولاتها المتواصلة تهجيره وتذويبه وتفريغ مواطني شبه الجزيرة من ثقافاتهم القومية، وبخاصة الروسية، كذلك كانت لغاتهم القومية مُستهدفة، في سعي معادٍ لتحويلهم الى مجموعات بلا كيان وبدون هوية..!

مأساة القرم كانت طويلة طويلة في ظل سلطات أوكرانية لم تأبه إطلاقاً لاحتضانه أو الحنو عليه وتطويره. حينها كان تراب شبه الجزيرة وشعبه في ظل فاشية مستشرية هيمنت على كييف، وغدت مُجرّد وقود لمطامع عددٍ من القوى الغربية التي أذنت لشرذمة الانقلابيين “الأُوكرانيين” وضع القرم وجهاً لوجه في مهب الرياح والأعاصير ليلاقي حتفه، وكانت هذه بمثابة رسالة فاشية – دولية مجرّدة من الخجل، تهدف الى تطهير عرقي وعمليات إبادة بشرية تدرّجية للروس والاوكرانيين وأجناس القرم الاخرى، ذلك أن السلطات هناك لم تبادر الى حمايتهم حتى في مواجهة قوى خارجية عديدة إدّعت أحقّيتها بالقرم تراباً وماءً، فمنها مَن كان يُطل على أرض القرم عن بُعدٍ بالمنظار الحربي (!)، ومنها مَن استمرأ أن يَقبع وراء المحيط يراقب الموقع بالأقمار الصناعية، ويضع خططاً لا حياء فيها للسيطرة على شبه الجزيرة، ولاستخدامها منطلقاً لعملانياته الشريرة على روسيا سعياً لخنقها جغرافياَ، وفي أوراقهم صبغوا البحر الأسود بالأحمر القاني على صورِ أمواجٍ آدمية متلاطمة، تكرّس هيمنة الأغيار وأحبار “العم سام” على القرم، في نقلات سعت الى تحويله، وخَسِئوا، إلى بحيرةٍ داخلية للاستعمار العالمي الذي دحرته روسيا وكنّسته عن أرضها.

تعود صفحات التاريخ الجديد لشبه جزيرة القرم، الى 18 آذار/مارس، 2014م، حين تمت مراسم التوقيع على معاهدة انضمامها والى جانبها كبرى مدنها سيفاستوبول إلى الأم الرؤوم روسيا الفيديرالية.. ونستعيد اليوم صور تلك الأيام التاريخية، حين صوتت الغالبية الساحقة من الشعب متمسكة بأرادتها الحرة وبالاستفتاء الديمقراطي والشامل، للعودة الطوعية والفورية المجيّشة بإرادة فولاذية إلى حضن روسيا، وأدارت ظهرها للعاصمة كييف المتأبطة بالشر الأمريكي وعواصم المتروبول، التي أفقرت القرم ومَسختهُ، وباشرت بعد الانقلاب الغربي التوسّعي على سلطات الرئيس فيكتور يانوكوفيتش الشرعي بأوكرانيا، إلى تحويل الدولة إلى قاعدة عسكرية أمريكية – أطلسية (بإمتياز!)، تضع نصب عينيها توجيه الضربة النووية والاستراتيجية الاولى صوب المدن والمواقع الرئيسة في روسيا، مُتنكّرين بذلك لكل الاتفاقيات التي عقدوها مع موسكو على مدار سنوات وسنوات..!

وبالرغم مما واجهه المواطنون الروس من تعقيدات جرّاء “العقوبات” الأمريكية والغربية، إلا أن التوافق الوطني يتعمّق هناك في القرم، وهو قوي ويؤكد يومياً على أن قرار عودة القرم لروسيا كان شجاعاً وقانونياً وصائباً، ومنع حدوث مجزرة بشرية حقيقية هناك بحق الروس والاوكرانيين والقوميات الاخرى، وبضمنها التتار واليونان والبلغار كذلك، ولم يكن والحالة هذه من بديل عنه، ونظراً للأخطار الأمنية الجسيمة التي أحدقت بمكانة شعب القرم الروسي أولاً؛ وثانياً لاستهداف هذه المنطقة الجيوإستراتيجية المتميزة والمتطلعة تاريخياً صوب روسيا، وبخاصةً بعد الانقلاب الدموي للقوى النيوفاشية والارهابية – الغربية على السلطة الشرعية في كييف، أواخر فبراير 2014.

وبهذه المناسبة السنوية الخامسة، نظّم “المَركز الروسي للعلوم والثقافة”  في عمّان – الاردن، أمسية حاشدة للاحتفاء بأهمية عودة القرم الى قِوام روسيا الفيديرالية، حيث عُرض فيها فيلم بعنوان “القرم اليوم”، تحدث فيه السيد سيرغي أكسيونوف، رئيس جمهورية القرم الروسية، الذي فصّل النجاحات المذهلة التي عمرّت شبه الجزيرة، وتلك التي أخذت بيد شعبها الى الرقي والحياة الفُضلى، بعدما عاش حياة البؤس والحرمان من الحقوق ومقيَّداً في مُحدِّدَات رسمية أوكرانية سلبته حريته وإنسانيته الفطرية، فانطلق ليُرغم على الاعتراف بحقوقه أشد أعداء الحرية والديمقراطية، وليُهلل العالم الديمقراطي والتحرري والاستقلالي لكيانيته الوحدوية المُنتصرة.

 

من ناحيته، نوّه السيد  غليب فيليكسوفيتش ديسياتنيكوف، سفير روسيا الفيديرالية الجديد والمفوّض وفوق العادة لدى المملكة الاردنية الهاشمية، والسيد ستانيسلاف إيغوروفيتش سيماكوف، مدير عام “المَركز الروسي للعلوم والثقافة” و“رئيس ممثلية (الوكالة الروسية للتعاون الدولي “روس ساترودنيتشيستفو (Rossotrudnichestvo)” في الاردن، بالإضافة الى عريف الحفل السيدة “يلينا أ. تيتوفا”، رئيسة المجلس التنسيقي لمنظمة أبناء الوطن (المُغتربين) الروسيّة الدّولية، الى جانب عددٍ آخر من متحدثين جَهدوا في تناول الذكرى بالعرض والشّرح من مختلف زواياها، وتطرقوا الى  جوانبها الدقيقة، وخلصوا الى استنتاج مفاده، أن روسيا حقّقت أتم وِحدتها، وانقذت بقية شعبها الذي يرنو إليها لتوفير الحماية له، وتأكيد المنعة والمستقبل الزاهر لأطفاله، واستعرضوا كذلك زيارات الوفود الاردنية والعربية التي أمّت القرم، وبضمنها التجارية والاقتصادية والاجتماعية، وجميعها أجمعت على وحدة شعب الجزيرة مع الأرض الروسية، وتصميمه على الدفاع عن مكسبه التاريخي بالعودة الى حضن الوطن الروسي الأُم.

السفير الروسي غليب ديسياتنيكوف، أسهب في كلمته الجامعة والمطوّلة باستعراض تاريخ القرم من شتى جوانبه، وروابطه التاريخية والإنسانية – الأُسرية مع روسيا الأم، وأهميته المؤكدة لروسيا كجزء لا يتجزأ من ترابها الوطني، مُبيناً في الوقت نفسه إلى  أن القرم لعب دوراً أساسياً مع اليونان القديمة، والدور المهم بخاصةٍ في تعميد الروسيا القديمة، ومن خلال القرم امتلكت روسيا صِلات ثابتة مع البلغاريين واليونانيين، ومروراً بالتاريخ الحديث حيث سطّر البحارة الحربيين السوفييت آيات خالدات من الصمود والبطولة في التصدي لجحافل المعتدين النازيين، لاسيّما بطولاتهم في حماية سيفاستوبول، الى ذلك يُعتبر القرم الباب الحربي الجنوبي لروسيا، وأكد السفير أن خيار القرم بالعودة الى الأُم الروسية مُثبّت في ميثاق منظمة الامم المتحدة، الذي يُقر بحق تقرير المصير للشعوب من خلال استفتاء للتصويت الحر والديمقراطي.

وتطرق السفير أيضاً إلى الوفود الاردنية العديدة ذات الاختصاصات المختلفة التي زارت القرم الروسي منذ عودته لروسيا، والتطور المذهل للقرم في ظل روسيا، والنقلة النوعية المتحققة على أرضه إقتصادياً وعمرانياً، وفي مجال التشغيل للسكان (وتتوافر أكثر من 14 ألف فرصة عمل جديد لشعب القرم الذي ينتمي إلى مئة عرق)، وحيث الجذب الكبير للمستثمرين، إذ شهد القرم توقيع 250 إتفاقية استثمارية، لتنفيذ 183 مشروع إنتاجي، بقيمة تفوق الـ156 مليار روبل، كما وبيّن السفير إلى أن قطاعات الزراعة، البناء، الصناعة، المنتجعات والسياحة، وليس أخيراً قطاع المواصلات، تُعتبر من أكثر القطاعات استقطاباً للمستثمرين ورؤوس الأموال، ومُشيراً الى أن “جِسر القرم” العابر لمضيق كيرتش، والذي يربط مابين القرم وروسيا، هو الأول من نوعه بهذه الضخامة على رقعة الدولة الروسية المترامية الأطراف وفي أوروبا كذلك، إذ يبلغ طوله 19 كم، وتم افتتاحه في عام 2018، قبل نصف سنة من الموعد المحدد للانتهاء من تشييده النهائي.

ووجّه السيد ستانيسلاف سيماكوف مديرعام المركز الروسي للعلوم والثقافة في كلمته، الشكر والتقدير لرئيسة المجلس التنسيقي لمنظمة أبناء الوطن (المغتربين) الروسيّة الدّولية السيدة يلينا تيتوفا، وللمجلس نفسه الذي اقترح تنظيم هذه الاحتفائية وترتيبها، وأشاد بالعلاقات الروسية الاردنية على مختلف الصُّعد، وشكر الفعاليات المحلية التي شاركت في إحياء هذه الإحتفالية التي تُعقد للمرة الاولى في الاردن، ولدعم حقوق شعب القرم في الحياة الكريمة والحرية من خلال عودته إلى روسيا.

 

كما ألقت السيدة يلينا تيتوفا رئيسة المجلس التنسيقي لمنظمة أبناء الوطن (المغتربين) الروسيّة الدّولية كلمة وازنة، عرّجت من خلالها على مختلف الحقب التاريخية التي عايشتها شبه جزيرة القرم، ونوّهت إلى لقاء رئيس جمهورية القرم سيرغي أكسيونوف، في عام 2016 بوفد المؤسسات العامة من الأردن، بهدف رئيسي هو إقامة علاقات ودّية ومُنتجة وذات قيمة مُضافة مع شبه الجزيرة، وعلى وجه الخصوص للتعاون في المجال الترفيهي، السياحي، التعليم، تبادل الوفود الشبابية وفي مجال التعليم..

وختمت تيتوفا بالقول: نرغب في أن يَلمس المجتمع الأردني التحولات الإيجابية التي ستحدث لتعاونه مع جمهورية القرم الروسية، وتقييم آفاق هذا التعاون المُبشّر بالرّحابة في المجال التعليمي، ومنحى الزراعة، والفضاء الترفيهي، وفي حقل الأعمال التجارية ومساقات السياحة الدينية والطبية، وفي الخيارات الاخرى للتعاون الثنائي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ما بين الطرفين الصديقين.

 قُصارى القول، أن “مسألة القرم” المَزعومة أمريكياً وغربياً قد حُسمت تاريخياً ونهائياً، وعاد القرم جزءاً أصيلاً لا يتجزأ من الروسيا التاريخية.

*رئيس رابطة القلميين العرب حُلفاء روسيه – الاردن.

2 تعليقات
  1. مروان سوداح يقول

    هذه المناسبة اممية. عودة القرم للوطن الروسي التاريخي يكتسب أهمية ايضا للنضال العربي لتحرير فلسطين من الفاشية الصهيونية وبخاصة في تغولها الحالي بدعم صلف من الإمبريالية الأمريكية لضم القدس والمرتفعات السورية المحتلة.. الحق سيعود إلى أصحابه عاجلا أم آجلا..

  2. عبد القادر خليل يقول

    كلام في الصميم تفضل به الاكاديمي المتميز الاستاذ مروان سوداح في هذه المناسبة العظيمة عودة القرم الى احضان وطنها الام روسيا .. ومن خلال ذلك يحدونا الامل والتفاؤل بعودة الاراضي الفلسطينية المحتلة وارض الجولان الطاهرة الى مواطنها الام فلسطين وسوريا .. متضرعين الى الله الاستقلال القريب لفلسطين الحبيبة … نجدد التهاني والتبريكات لروسيا الحليفة وشعب القرم متمنين الرقي والازدهار ..
    عبد القادر خليل ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.