في فكر الإمام الخامنئي.. تألق الاممية الاسلامية الإنسانية

marwan-soudah-khamenei

موقع إنباء الإخباري ـ
مروان سوداح*:
أحرز المؤتمر الدولي الثاني “التجديد والاجتهاد عند الإمام الخامنئي” في بيروت، مؤخراً، بتنظيم من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية، نجاحاً واضحاً على المستويين الإسلامي والعالمي.
كما كانت كلمة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في افتتاح المؤتمر، توجيهاً فكرياً لمساقات الفعالية العالمية، التي عملت على دراسة وبحث عدد من القضايا، لعل من أهمها في زمننا الراهن، التقريب بين المذاهب الإسلامية، حين تشتد الهجمة المعادية والإرهابية الدولية الهادفة الى محاولة سَحل تلك المذاهب ورغبة تجييرها لصالح دول كبرى مُستكبِرة، تهدف الى توريط العرب والمسلمين بالاقتتال الدامي، على قاعدة مذهبية وطائفية.
شارك في المؤتمر عدد كبير من ممثلي الدول العربية والاسلامية، تناولوا في كلماتهم القضايا الكبرى والمشاكل الثقافية العالقة في العالم الإسلامي، ورؤى سماحة آية الله الخامنئي في مختلف المجالات الثقافية، وعرض للحلول العلمية الشرعية التي توصلت إليها فلسفة سماحته.
ما يلفت للانتباه، ان المؤتمر بحث قضية العلاقات الدولية، الشائكة حالياً، ومسألة الموقف الحاسم منها، بالتجسير أو الامتناع، وكان الاتفاق على ان الامتناع عن الحَرام لا يمنع المسلمين من بناء العلاقات الدولية النَّدية، ولذا يتحتم عليهم الالتزام بالقيام بما أحله الله تعالى والامتناع عما حرَّمه، بإثبات وإبراز الهوية الإسلامية والدفاع عنها، وهو تأصيل في غاية الاهمية، حين تخوض جمهورية إيران الاسلامية حرباً دبلوماسية وسياسية ضارية بكل معاني الكلام والواقع ، مع الولايات المتحدة وحلفائها، للتأكيد على حقها المشروع في توظيف الطاقة الذرية للاغراض السلمية، لتطوير الدولة الايرانية والتسريع بانجازاتها الحضارية، وإحراز نقلات مميزة الى مصاف الدول الكبرى.
وفي هذا السياق، كان لافتاً في المؤتمر الحديث عن ان الدين الاسلامي يَقع في “عين السياسة” الايرانية، ولا يجوز بأي حال فصل الدين عن السياسة، فالإسلام ليس للموعظة والحالة الفردية فقط, بل هو للمجتمع والحياة والدولة، ومن هنا فإن الدين هو حجر الاساس في علاقات ايران مع دول العالم والاساس في سياستها الدفاعية، وبناء ترسانتها العسكرية، وأهدافها الاستراتيجية .
وفي فكر الإمام الخامنئي عن إنجازات الثورة البُنيوية كان تناولاً لخصوصيّات الثورة الاسلامية في ايران، إذ أنها: أ- قضت على نظامٍ مناهضٍ للإسلام, وجاءت بنظامٍ إسلامي إلى الحُكم. ب- مَحَقَتْ نظامًا دكتاتوريًّا مُستبّدًّا، وأقامت نظامَ حكمٍ شعبي بدلًا عنه. ج- مَحَت التَّبعية التي كانت ايران تعاني منها طوال سنين سابقة، حيث وصلت إلى أفجع وأفظع أحوالها في العهد البهلوي، ومنَحَتْ الشَّعب استقلالا شاملًا. د- قضَتْ على القمع والتعسّف الرهيبين اللذين كانا مسلّطين على شعب ايران، ومنحته الحرِّية, ومكَّنتْ أبناء الشَّعب من طرح آرائهم وكلّامهم بحريَّة، وأضحت الأجواء أجواء حريَّة. هـ- قضت الثَّورة على الضعف النَّفسي وعقدة الدونية لدى الشعب، وأحلَّت محلها الثقة بالنَّفس الوطنية. و- كان الشعب الايراني معزولًا ومُعرِضًا عن الشؤون السياسية ولا يهتم لأحداث البلاد، وقد انتزعت الثَّورة هذه الحالة من الايرانيين, وجعلتهم شعبًا واعيًّا وسياسيًّا”.
وفي قضية ليست أقل اهمية، إلا وهي قضية الاجتهاد والتجديد، تم الاشارة الى ان الاجتهاد هو بذل الوسع لاستنباط الأحكام الشرعية من مصادرها، بالاستفادة من كل العلوم ذات الصلة، ومن القواعد والأصول التي تساعد على فهم النص، وذلك برعاية الزمان والمكان, وكل ما تمت إضافته من علوم وأفكار مساعدة لمواكبة متطلبات الزمان والمحافظة على ثوابت الإسلام. كما ان
“لا نقاش بأن التجديد بهذا المعنى، مطلوب”.
وفي الثوابت التي يَنطلق منها موقف التجديد وخطواته التي تحقق للامة مضمونًا ثقافيًا إسلاميًا أصيلًا، يُشار الى ضرورة الالتزام بالتوجيهات التي منها، إن المبادئ الاسلامية ثابتة, ولا تغيير عليها، بحجة تغيُّر العالم، فقد جاء في فكر الامام الخامنئي: “والحجّة هي أنَّ العالم قد تغيَّر وكلّ شيء قد تغيَّر. هناك أشياء لا تتغيّر من بداية التاريخ وإلى اليوم، حُسن العدل والمطالبة بالعدالة لم يتغيّر، وقبحُ الظلم لم يتبدّل، وحُسن الاستقلال الوطني والعزّة الوطنية لم يتغيّر، هذه وكثير من الأصول الأخرى لا تقبل التغيير. فتغيُّر العالم لا ينبغي أن يكون حجّة من أجل أن نغيّر سلوكنا وأهدافنا ومبادئنا. فعندما تتغيَّر المبادئ يتبدَّل الطريق، وعندما يتبدَّل الهدف النّهائيّ فلا يعود هناك معنىً لأن تتحرّكوا على الطريق السابق، بل ستتحرّكون باتجاه هدفٍ جديد له طريق جديد، وطريقٌ آخر. لذلك، لا يمكن القبول بإهراق منجزات الثورة، وحرفها عن مسارها، ومن الضروري إعادة قراءة أصول الثورة بشكل مستمر، وعدم الاستسلام أمام الاستبداد والاستعمار، ورفض التمييز القومي والعنصري والمذهبي، ورفض الصهيونية رفضاً صريحاً وهي مبادئ تشكّل أركان النهضات المعاصرة في البلدان الإسلامية، وهي بأجمعها مستقاة من الإسلام والقرآن.
ولتطبيق كل ما تقدّم وغيره، من الضروري بمكان الاستفادة من نتائج الملتقيات الاستراتيجية الأربعة التي عقدتها الجمهورية الإسلامية الايرانية، والإعمال في الفكر والتفكير على كل المستويات وضمن المنهجين الاستراتيجين: الإلهي والمادي، بصرف النظر عن تشعباتهما, وتعدّد التفاسير والتفاصيل داخل كل واحد منهما، ورفض الاتجاه التكفيري الذي هو نتاج تحالف المال السعودي والهيمنة الامريكية, والخطر هو التعليم الديني بطريقة منحرفة لأجيال الشباب الباحثين عن الخلاص الروحي والسياسي والاجتماعي, وتعود أهم أسباب انتشار الظاهرة الارهابية إلى الأداء التقليدي للعلماء من ناحية, وإلى انكفائهم عن حمل قضايا الأمة من ناحية أخرى، و”القاعدة” ومتفرعاتها” هي ظاهرةٌ مضرةٌ بالاسلام والمسلمين والعالم أجمع, وهي حالة سياسية بغطاء ديني, يَستخدمها حكامٌ ودولٌ لا يعنيهم سلام الامة ومستقبلها.
فكر الامام الخامنئي يَعرض الى منظومة منهجية عليا، وأممية اسلامية إنسانية، تتناغم مع متطلبات العصر والدول في علاقات نديّة وانسجام إنساني، وتلاقي في الاساسيات والقواعد التي تحمي الوجود الانساني من تغوّل الاستعمار العالمي والصهيونية الدولية، والاهتما بهذا الفكر اضحى واجباً فلسفياً لكونه أحد دعائم الحياة والفكر المعاصر، ويجد تزايداً في انصاره من اتباع مختلف العقائد والاديان والمذاهب على حد سواء، ما يؤكد طبيعته وجوهره الانساني المميز.
* كاتب اردني.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*